السبت، 7 يونيو 2008

قوة ذكية .. لسلطة غبية ..

قوة ذكية لسلطة غبية .. بقلم : أبو ذر

( 1 ) منذ نشأتها وحتى يومنا هذا لم تتوانى الولايات المتحدة الأمريكية عن التوظيف الأقصى لعناصر قوتها الاقتصادية والعسكرية في كافة ميادين تعاملها مع الدول الأخرى . وعليه فقد كانت جميع سياساتها الخارجية ، ولم تزل ، مبنية على أساس تحقيق المكاسب من خلال التهديد باستخدام القوة العسكرية أو الاقتصادية أو باستخدامهما فعلا ضد كل دولة أو مؤسسة لا تخضع طوعا لإرادة الدولة الأمريكية وتذعن لما يطلب منها ، وأيا كان حجم وموضوع تلك الطلبات .
وعلى الرغم من إن الولايات المتحدة الأمريكية قد تمكنت في ظل توظيفها واستخدامها لعناصر قوتها العسكرية والاقتصادية من تحقيق الكثير من إطماعها المعلنة والكثير أيضا من إطماعها المخفية وفي شتى المجالات وبما زاد بإضعاف مضاعفة من ثرواتها المادية وقدراتها التقنية والصناعية والتجارية وأتاح لها فرض هيمنتها شبه الكاملة على أغلب دول ومنظومات هذا العالم ..، إلا أنها وعلى الطرف الآخر من المعادلة قد خسرت الكثير من سمعتها كمنظومة والكثير أيضا من هيبتها كدولة بما سلكته واعتادت عليه في سياساتها وتعاملاتها من سبل العدوان والاستغلال والهيمنة . هذه الحقيقة التي نعرفها عن أمريكا النظام والدولة منذ أكثر من نصف قرن من الزمان ، لم تكن غائبة عن إدراك الكثيرين من قادة ومنظري السياسة الأمريكية طيلة عقود ماضية من الزمان . ومما لاشك فيه أنهم قد سعوا فرادى ومجتمعين ، وضمن ذات معتقداتهم الليبرالية وتوجهاتهم الرأسمالية ، إلى صياغة العديد من النظريات التي تعتمد أسسا جديدة لسياسات الولايات المتحدة الأمريكية الخارجية متوخين من وراء ذلك الوصول إلى غايتين ، الأولى معالجة ما أفرزته السياسات المتبعة من أخطاء وإخفاقات عادت بالآثار السلبية على سمعة الولايات المتحدة بصفتها قائدة للمعسكر الرأسمالي العالمي والواجهة الأولى المبشرة بجنائن الفكر الليبرالي لعموم العالم ، والثانية العمل على التحرك ضمن مجالات محددة تمثل اهتمامات واحتياجات على درجة بالغة من الأهمية لأغلب دول العالم النامية والفقيرة وبما يساهم في تحسين صورة الولايات المتحدة الأمريكية عند شعوب تلك الدول وجذبهم مع دولهم لمعسكرها وذلك من خلال ما يمكن إن تقدمه لهم من ((المعونات والمساعدات)) التي تسد من احتياجاتهم وتلبي من اهتماماتهم وتزيد من تبعيتهم في نفس الوقت . ومن غير المنكور إن مساعي قادة ومنظري السياسة الأمريكية قد بدأت تؤتي أكلها حتى قبل إن يطوي عقد ثمانينيات القرن الماضي سنيه مع بوادر انتهاء الحرب الباردة ثم انهيار جدار برلين ثم تفكك الاتحاد السوفيتي ومنظومة الدول الشيوعية ثم ما تبع ذلك من نتائج أفرزتها الحرب العدوانية الأمريكية – الأطلسية على عراقنا العربي بداية عام 1991 ، وكل ذلك ساهم بشكل مباشر بانفراد الولايات المتحدة الأمريكية ومنذ بداية تسعينات القرن الماضي قطبا أوحدا على الساحة السياسية الدولية ولما يزيد عن عقد تالٍ من الزمان .
( 2 ) غير إن لجوء الولايات المتحدة الأمريكية مجددا إلى الاستخدام المفرط لقوتها العسكرية في مرحلة ما بعد هجمات 11 أيلول /2001 ، وتصرفها بعنجهية وتعدٍ وتحدٍ غير مسبوقين للقوانين والأعراف الدولية رغم ما تتشدق به من الترويج للشرعية الدولية ، واحتلالها لكل من أفغانستان والعراق تحت زعم ((الحرب على الإرهاب)) ، وما فضحته الأيام ، ولم تزل ، من دلائل وشهادات على ما ترتكبه هذه القوة الغاشمة من شنيع الجرائم ودنيء الأفعال ضد مواطني هذين البلدين المحتلين وموطنيهما والتي فاقت في خستها ووحشيتها كل ما سبق وعرفته البشرية من جرائم وضيعة ووحشية وعلى مدى تاريخها الطويل ، لاسيما إن هذه الجرائم تأتي على النقيض تماما مما تزعمه الحكومة الأمريكية ، وفي شتى المحافل الدولية ، عن مناصرتها ودعمها لشرعة حقوق الإنسان ..، فأن كل ذلك قد أدى إلى ازدياد جبهة الدول المعارضة للسياسات الأمريكية ، وتفاقم النقمة العالمية الشعبية عليها منظومة ودولة ..، مما دفع بالعديد من قادة ومنظري السياسة الأمريكية إلى الإعلان وبكل صراحة بان سياسات بلادهم في هذه المرحلة قد سارعت بانحدار سمعتها نحو الحضيض ، وان أمريكا الدولة التي أرادوها راعية لنشر مبادئ ديمقراطيتهم الكسيحة في شتى بقاع المعمورة ، باتت اليوم هي المصدر الأول في العالم للخوف والفتن والدمار .
ثم جاءت الخسائر الجسيمة بالأشخاص والمعدات التي أنزلتها ، ولم تزل تنزلها ، مقاومتنا الباسلة الجسور بالقوات الأمريكية المحتلة لوطننا ، والتكاليف الباهظة بالأموال التي تستمر الخزينة الأمريكية بدفعها تمويلا لإدامة آلة احتلالها العسكرية وخططها السياسية ومشاريعها العدوانية ، على الرغم من تدني مستوى كفاءة وفاعلية القوات المسلحة الأمريكية بكافة صنوفها العاملة نتيجة حربها العدوانية على عراقنا العربي ..، جاءت لتحمل قيادات كلا الحزبين القابضين على السلطة السياسية في الولايات المتحدة ومنذ عام 2006 على فتح حوارات موسعة فيما بينهما لتدارس إبعاد وجوانب هذا السقوط الأمريكي وصولا إلى أفضل السبل التي تضمن وقفه والحيلولة دون خسارة الولايات المتحدة الأمريكية لمناطق نفوذها وهيمنتها على العالم . وكان من نتائج هذه الحوارات إن أسندت إلى مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية تقديم توصيات محددة حول الموضوع ، وقد تم الاتفاق فيما بينهم على إن تكون مضامين التوصيات ملزمة للرئيس الأمريكي القادم وإدارته وأيا كان الحزب الذي ينتمي إليه .
( 3 ) ومركز الدراسات الإستراتيجية والدولية المعروف اختصار باسم (CSIS) ، هو مؤسسة بحثية أنشأت عام 1962 مقرها الرئيسي في العاصمة الأمريكية واشنطن ، ولها فروع في دول أخرى . ينتظم في مركزها الرئيسي أكثر من 200 موظف بصفة دائمية ، إضافة إلى إعداد كبيرة من الباحثين والمتخصصين في شؤون الأمن والدفاع والسياسة والاقتصاد . وتنشط هذه المؤسسة في إعداد الدراسات الإستراتيجية في ميادين العلاقات الدولية المختلفة وتقديم الأبحاث المتخصصة المتضمنة حلولا لمشاكل الطاقة والأمن والمناخ. وتعد واحدة من أهم المؤسسات الفاعلة في صياغة سياسات واستراتيجيات الدولة الأمريكية .
وبناء على ما اسند إليه ، قام المركز بتشكيل لجنة انيطت بها مهمتين ، الأولى تقديم تصور عن التحديات الأمنية التي تواجه الولايات المتحدة خلال العام 2008 ، والثانية وضع رؤية محددة لسياسة خارجية فاعلة للمرحلة القادمة تعتمد توظيف كافة عناصر التفوق والقوة التي تمتلكها أو تتمتع بها الولايات المتحدة الأمريكية كدولة مؤسسات وكمنظومة قيم وأفكار.
( 4 ) باشرت اللجنة إعمالها بداية عام 2007 ونشرت في تشرين ثاني/2007 تقريرين حمل الأول عنوان ((التوقع العالمي لتحديات الأمن العليا لعام 2008 Global Forecast the top security challenges of 2008)) ، فيما حمل الثاني ، وهو موضوع حديثنا هذا ، عنوان ((القوة الذكية ، أمن أكثر لأمريكا A smarter, more secure America)) .
تألفت اللجنة من عشرين شخصية ذائعة الصيت ومؤثرة في الوسط السياسي الأمريكي ، فكان من بين أعضائها سبعة من أعضاء مجلس النواب الأمريكي وعدد من مدراء ومستشاري مجموعات صناعية وتجارية أمريكية كبرى ، وسياسيين ودبلوماسيين رفيعي المناصب ، وقادة كبار من الجيش الأمريكي ، فيما أسندت رئاستها إلى اثنين من أكثر الأسماء شهرة بين منظري السياسة الأمريكية . الأول هو ريتشارد ارميتاج ، خريج الأكاديمية البحرية الأمريكية عام 1967 . شارك في حرب أمريكا العدوانية على فيتنام . تم إلحاقه مستشارا في وزارة الدفاع الأمريكية عام 1975 . اسند إليه منصب نائب مساعد وزير الدفاع لشرق أسيا وشؤون المحيط الهادي للفترة من 1981 ولغاية 1983 . ثم مساعدا لوزير الدفاع لشؤون الأمن الدولي مابين عامي 1983و1989 . ثم وحتى تقاعده عن العمل الحكومي عام 1993 كلف بالعديد من المهام الدبلوماسية رفيعة المستوى ، منها إرساله كمبعوث خاص من الرئيس الأمريكي بوش الأب إلى الملك حسين ملك الأردن حينها وذلك خلال الشهور القليلة السابقة على العدوان الأمريكي – الأطلسي الغاشم على عراقنا العربي عام 1991 ، ومنها تكليفه بملف الدول حديثة الاستقلال عقب تفكك منظومة الاتحاد السوفيتي . اختير عام 2001 وأبان الولاية الأولى للرئيس الأمريكي الحالي لتولي منصب مساعد وزير الخارجية ، إذ كان واحدا من أكثر صقور المحافظين الجدد تحريضا ودفعا لاحتلال عراقنا العربي ، وقد مكث في منصبه الأخير هذا حتى عام 2005 ..، ليعتزل العمل الحكومي وينشأ مركزا يحمل اسمه مختص بشؤون التجارة العالمية والعلاقات السياسية الدولية .
أما الثاني فهو البروفسور جوزيف ناي ، أستاذ العلوم السياسية المحاضر بجامعة هارفارد لأكثر من ثلاثة عقود من الزمان . عين نائبا لوكيل وزير الخارجية لشؤون الأمن مابين عامي 1977-1979 ، وترأس حينها لجنة منع انتشار الأسلحة النووية ضمن مجلس الأمن القومي الأمريكي . شارك مع البروفسور روبرت كيوهان (أستاذ العلوم السياسية في جامعة برنستون ، وواحد من أشهر المنظرين الأمريكان في ميدان العلاقات الدولية ومؤسساتها) في وضع أسس نظرية جديدة لعلاقات الولايات المتحدة الأمريكية الدولية تقوم على التطبيق الأمثل لمفاهيم الليبرالية الجديدة(Neo-liberalism) وذلك عبر كتابهما المنشور عام 1977 والذي حمل عنوان ((القوة والاستقلال : السياسة العالمية في مرحلة انتقالية)) . تسلم منصب مساعد وزير الدفاع لشؤون الأمن الدولي إبان ولاية الرئيس كلينتون الأولى ، وطرح اسمه عام 2004 لتولي منصب مستشار الأمن القومي وذلك ضمن حملة المرشح الديمقراطي للرئاسة الأمريكية جون كيري . وفي ذات العام أيضا ، وعلى اثر وضوح معالم فشل الغزو الأمريكي الغاشم لعراقنا العربي ، نشر كتابه الموسوم ((القوة الناعمة .. وسائل النجاح في السياسة العالمية)) المتضمن صياغة لنظرية جديدة لعلاقات الولايات المتحدة الأمريكية الدولية . اختير عام 2005 واحدا من أكثر عشرة شخصيات علمية تأثيرا في صياغة العلاقات الدولية للولايات المتحدة الأمريكية .
( 5 ) والتقرير موضوع حديثنا هذا ، يتكون من 90 صفحة ، تصدرته خلاصة مفادها : أن ((صورة أمريكا ونفوذها في حالة تدهور في جميع أنحاء العالم . وللحفاظ على دور رائد على المستوى العالمي ، على الولايات المتحدة سرعة التحرك لاستبدال الخوف والغضب تجاهها بالتفاؤل والأمل )) ، وتضيف ((على الولايات المتحدة إن تصبح قوة أكثر ذكاءً ..، فبالتكامل مابين قوتها العسكرية والاقتصادية مع قوتها الناعمة تستطيع أمريكا مواجهة التحديات العالمية)) . كما تضمن أيضا فصولا في تشخيص أسباب تدهور سمعة الولايات المتحدة الأمريكية ومكانتها العالمية ، وبيان أسس نظرية جديدة أطلقوا عليها أسم ((القوة الذكيةSmart Power)) تم صياغتها لتحكم العلاقات الخارجية للولايات المتحدة في السنوات المقبلة . وتقوم هذه النظرية الجديدة على أساس الجمع بين مفهومي ((القوة الصلبة Hard Power)) المتمثلة بعناصر قوة أمريكا الاقتصادية والعسكرية ، و((القوة الناعمة Soft Power)) المتمثلة فيما تتمتع به الولايات المتحدة من مكانة وتأثير على المستوى الدولي ، وما تثيره الحياة والقيم الأمريكية من جاذبية وانبهار في نفوس وعقول مواطني الكثير من دول العالم . وتستهدف النظرية الجديدة التوظيف الأمثل لما تتفوق به الولايات المتحدة من عناصر كلتا القوتين . واستنادا على هذه النظرية ، فقد تضمن التقرير أيضا سردا وافيا لتوجهات ونطاق إستراتيجية السياسة الخارجية الأمريكية في المرحلة المقبلة ، إذ جاء في خلاصته : ((وبشكل محدد ، فان على الولايات المتحدة إن تركز على خمسة محاور أساسية : التحالفات والشراكات ، حيث يجب على الولايات المتحدة إن تنشط التحالفات والشراكات التي تخدم مصالحنا وبما يساعدنا على مواجهة تحديات القرن الحادي والعشرين . الأداء العالمي ، حيث يتوجب رفع أداء السياسة الخارجية الأمريكية لتتمكن من تحقيق مصالحنا الخاصة عبر منافذ حاجات وتطلعات شعوب العالم . الدبلوماسية العامة : يجب علينا استمالة شعوب العالم إلى جانبنا وذلك من خلال بناء علاقات بعيدة المدى مع كافة الشعوب مع التركيز على شريحة الشباب فيها . التكامل الاقتصادي : لتحقيق النمو والازدهار ، يتوجب إدامة الارتباط المستمر بالاقتصاد العالمي ، كما ويتوجب توجيه منافع التجارة الحرة لتحقق رخاء خارج الحدود . التقنية والإبداع : أمن الطاقة وتغيرات المناخ تتطلبان قيادة أمريكية لتجمع عالمي يساعد على تأمين مصادر واستخدامات الأولى ، وتطوير وإبداع الحلول لمشاكل الثانية)) . وانتهت خلاصة التقرير إلى :((إن تطبيق إستراتيجية القوة الذكية يتطلب إعادة تقييم خطط الحكومة الأمريكية وموازنتها وتنظيمها بنسق عالٍ . كما ويجب على الرئيس القادم إن يأخذ بالاعتبار مجموعة الحلول المبدعة التي تضمن زيادة قدرة الإدارة على تحقيق النجاح وذلك من خلال تعيين موظفين كبار يمكن اختيارهم بمشورة مؤسسات متخصصة لضمان تنفيذ بنود هذه الإستراتيجية بشكل أفضل وأدق)) .
( 6 ) هي نظرية جديدة إذن تسعى من خلالها نخبة من قادة ومنظري السياسة الأمريكية لتجنيب إمبراطوريتهم مصيرا تلوح نذره في أفق تفكيرهم . غير إن أهم ما يجب ملاحظته هو استناد هذه النظرية إلى ذات منظومة القيم والأفكار والإطماع التي كانت ، وستظل ، سببا يدفع بإمبراطوريتهم نحو هاوية النهاية . فهذه النظرية ، ومهما حرص منظروها أو المروجون لها على إظهار جدتها وتفوقها فيما تقدمه من حلول عملية للخروج من المأزق الأمريكي القائم وتجاوزه ، ليست إلا نسخة طبق الأصل في منطلقاتها وغاياتها عن كل نظرية سبق تبنيها من قبل الإدارات الأمريكية المتعاقبة. تلك المنطلقات الاستعمارية التي تتعامل مع كافة أمم الأرض على أنها ضياع تابعة لحدائق البيت الأبيض والكونغرس ، وتلك الغايات الامبريالية التي لا ترتضي بغير الإثراء نهبا من حقوق شعوب العالم وخيراتها . إن هذه الملاحظة تحملنا على تأكيد تفاقم المأزق الأمريكي مستقبلا ، إذ إن ما هو متوقع فعلا من أية إدارة أمريكية مقبلة تتبنى هذه النظرية هو إن تزيد من إفراطها باستخدام عناصر القوة العسكرية في مواجهة الشعوب والدول الرافضة لهيمنتها ومشاريعها العدوانية ، وذلك على عكس ما تتنبأ به هذه النظرية ، بالنظر لوجود عناصر أخرى من ((القوة الناعمة)) قادرة على منحها القدرة على أخفاء ما ترتكبه من جرائم . ثم إن مبدأ التوظيف الأقصى للقدرات المادية والمعنوية الأمريكية ليس بالابتكار الجديد ، فلقد سبق لرئيس الولايات المتحدة الأمريكية الثاني والثلاثين فرانلكين روزفلت (1882-1945) وان قال :((يجب التحدث بمرونة في وقت الإمساك بالعصا الكبيرة)) ، فكانت كلماته هذه مبدأ ضابطا لسياسة بلاده طيلة فترات رئاسته الثلاث المتتابعة على اقل تقدير .
ومع هذا فإذا كانت ثمة جديد تطرحه هذه النظرية ، فهو بعض الخصائص التي تضمنتها الإستراتيجية المقترحة كخطة لتحشيد عناصر ((القوة الذكية)) للدولة الأمريكية وصولا لتحقيق غاياتها . نقول بعض خصائص الإستراتيجية ، لان ثمة خصائص متلازمة مع كل إستراتيجية تتبناها السياسة الأمريكية ، منها مثلا أنها إستراتيجية عدوانية ، بمعنى إن المصالح التي تستهدف الحصول عليها أو حمايتها والتي عادة ما تكون مصالح امبريالية تمثل عدوانا مؤكدا على شعب أو أكثر من شعوب العالم . ومنها مثلا أنها إستراتيجية عالمية ، بمعنى أنها تتخذ من كامل الكرة الأرضية مسرحا لفعالياتها ودون اعتداد بأية حدود دولية قائمة أو قيود دبلوماسية أو قانونية ملزمة . ومنها أيضا أنها إستراتيجية هجومية ، بمعنى أنها تعتمد مبدأ الضربة الاستباقية والحيلولة بكل الوسائل المتاحة دون إن تمنح الخصوم أية فرصة بتوجيه الضربة الأولى . بيد إن أهم جديد جاءت به إستراتيجية هذه النظرية هو تركيزها على شريحة الشباب في المجتمعات التي تستهدفها . فمما لاشك فيه إن الشباب في أي مجتمع يمثلون القلب النابض لوجوده ، والسياج المنيع لحمايته ، واليد الفاعلة لبنائه ، والعقل المتوقد لتنميته ، والوسط الذي يحتضن ويلبي كل آماله وتطلعاته . أنهم الثروة الحقيقية التي لا استمرار لوجود وارتقاء أية أمة من البشر إلا بها . والرأسماليون الامبرياليون يدركون هذه الحقيقة ، ويدركون أيضا إن مفتاح هيمنتهم على الأمم هو بسيطرتهم على شبابها ، أو على الأقل أبعادهم وتحييدهم عن المشاركة الايجابية في مهام حماية أوطانهم والذود عن حريتها والمساهمة الفاعلة في بناءها باعتبار إن كل ذلك هو من الواجبات الوطنية المفروضة عليهم . وحري بنا الانتباه الشديد لهذا التوجه الامبريالي ، وضرورة التصدي له بكل ما هو متاح لنا من وسائل ، وكلٌ من موقعه ، حماية لشبابنا من إن يكونوا لقمة سائغة تبتلعها مشاريع المحتلين الغزاة وعملائهم ، وحفظا لعراقنا العربي من إن يظل أسيرا بيد سجانيه .

العراق المحتل في 5/6/2008








ليست هناك تعليقات: