من أجل النصر .. حديث في الشرعية بقلم : أبو ذر
( 1 )
من المسلم به ان للناس في كل مجتمع ، في زمان معين ، قواعد من ثوابت التعامل المستقاة من معتقداتهم وقيمهم وحضارتهم .. ، ولهم ايضا جملة من الغايات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية المتغيرة .. وان هذه الثوابت وتلك الغايات تصاغ على الدوام في مجموعة من القواعد القانونية الدستورية والعادية التي تنظم العلاقات داخل المجتمع الواحد وعلى مختلف المستويات .. ، فتكّون بمجموعها النظام القانوني الذي يحكم ذلك المجتمع .
والنظام القانوني لاي مجتمع يتميز بانه نظام عام .. ، بمعنى خضوع جميع الناس ضمن حدود ذلك المجتمع لاوامره ونواهيه ..، وان هذا الخضوع يفترض ابتداءا ان يكون ذلك النظام قد جسد تجسيدا واقعيا ارادة هؤلاء الناس ، من خلال تقنينه لثوابتهم وغاياتهم .
ان هذا يعني تماما ان مشروعية أي نظام قانوني ستتوقف على تجسيده وحمايته لارادة الناس الذين يعيشون تحت ظل سيادته .
غير ان هذا الفرض لايكون دائما متحققا ..، ... أذ قد يتعرض مجتمع ما لهيمنة من داخله ، حين تتجاوز غايات الناس الاطار المرسوم لها في قواعد النظام القانوني السائد مما يستدعي ضرورة تغيير كل ، او بعض ، تلك القواعد ..، بينما تصر فئة ممن يتولون زمام الامور فيه على أبقاءه كما هو حماية لمصالحها هي دون مصالح المجموع . كما وقد يتعرض المجتمع لهيمنة من خارجه ، تفرض عليه ارادتها وتسن من القوانين ما يتلائم مع تلك الارادة ويحمي مصالحها في ابقاء هيمنتها عليه ، وذلك كما في حالات السيطرة الاستعمارية على الشعوب . وفي كلا هاتين الحالتين سيفقد النظام القانوني السائد مشروعيته لانه سيكون متعارضا مع ارادة كل ، او غالبية ، الناس في المجتمع . وسيترتب على ذلك حتمية تغييره ، أذ عندما تسقط فرضية حماية النظام القانوني لمصالح جماهير المجتمع او غالبيتها ، وايا كان سبب ذلك السقوط ، سيتجرد ذلك النظام من مشروعيته ويصبح عدوانا سافراً على عموم المجتمع ، وتصبح عملية تغييره هي المشروعة .
( 2 )
عندما يفقد النظام القانوني السائد في أي مجتمع مشروعيته ، سيفترق الناس في المجتمع الواحد الى فئتين ..، أقلية رجعية مناصرة لابقاء النظام القانوني السائد ..، لما يمثله هذا النظام من حماية لمصالحها ومصالح القوى المتسيدة عليها او الموالية لها ، على حساب مصالح البلاد والعباد ..، وأكثرية تسعى لاستعادة فرض ارادتها مجددا من خلال تعديل او تغيير قواعد النظام القانوني السائد ، وصياغة قواعد جديدة تجسد الارادة المسلوبة منها في ظل ذلك النظام .
( 3 )
ولما كان كل نظام قانوني يتضمن فيما يتضمنه من قواعد قانونية ، نصوصا تحدد مسار وحدود تغيير او تعديل قواعده وعلى مختلف درجات قوتها ..، فان الداعين الى تغيير او تعديل النظام القانوني سينقسمون الى جناحين .. الاول ، وهو مايعرف في الادب السياسي عادة بأسم (( الاصلاحيين )) ..، والاصلاحيون هم أولئك الذين يسعون لتعديل او تغيير ما في النظام القانوني السائد من قواعد لا تتوافق مع ارادتهم من خلال الطريق المرسوم لتغييرها في قواعد ذلك النظام .. ، كأضافة نص على قانون نافذ او تعديله او اصدار قانون جديد .
اما الجناح الثاني ، فهو مايعرف في الادب السياسي باسم (( الثوريين )) ..، والثوريون هم اولئك الذين يعملون على الغاء النظام القانوني السائد ، وهدمه ، وقلعه من جذوره ، كونه غير مشروع ، ويمثل عدواناً سافرا على المجتمع .. ، ويسعون الى أيجاد نظام قانوني بديل تتوافق قواعده مع ارادة عموم الناس في مجتمعهم .
( 4 )
واذا كان ثمة ما يبرر دعوات الاصلاح ، اعني ان يتم تغيير النظام القانوني السائد من خلال الطريق الذي ترسمه قواعده القانونية النافذه ، في مجتمع يتعرض للهيمنة من داخله ..، فان هذه الوسيلة في التغيير ستفقد كل مبرر لها ..، بل انها ستفقد مشروعيتها ، في مجتمع تمت أستباحته عنوة ، والهيمنة عليه من قبل قوى خارجية ، وسواء تمت هذه الاستباحة بقوة السياسة ام بقوة الجيوش ..، وذلك لان النظام القانوني الذي سيقيمه المحتل لذلك المجتمع هو نظام غير مشروع ابتداءا ، بخلاف عدم المشروعية الطارئة على النظام القانوني السائد في حالة الهيمنة الداخلية .
وترتيبا على ما سبق فأن كل دعوات الاصلاح في مجتمع محتل ، عبر ما ترسمه قواعد النظام القانوني الذي فرضه المحتلون على ذلك المجتمع ، هي دعوات عقيمة وفاشلة .. ، وهي عقيمة لانها تعول في التغيير على ارادة من سلب حرية ارادة الناس وحريتهم في الاختيار ..، وهي فاشلة لانها لن تستهدف ، وايا كانت مراميها من التغيير ، الا توكيد سيادة نظام قانوني غير مشروع اساساً .
( 5 )
أذن في ظل الاحتلال ، لن يكون ثمة ألا طريق واحد لتغيير النظام القانوني السائد في المجتمع ، وبما يتوافق مع ارادة الناس فيه .. ، وهو ان يُجتث ذلك النظام غير المشروع من جذوره ، وتلغى كافة قواعده القانونية النافذة ، وكل ما بُني عليها من لوائح وانظمة واتفاقيات ، وما ترتب من حقوق مُنشِأة او مُبطِلة أستنادا لها ، فهي وايا كانت صفتها او موضوعها او مسميات اطرافها ، لا تلزم ذلك المجتمع بشيء ، ان هي الا التزامات لمن وقعوها ومن يقف وراءهم .
( 6 )
من هذا التأسيس النظري ..، نصل الى نتيجتين غاية في الاهمية : الاولى هي أن كل النظام القانوني الذي انشأه المحتلون لوطننا الحبيب ..، دستورهم ، وقوانينهم ، ولوائحهم ، وأنظمتهم ، ومعاهداتهم ..، وكل ما ترتب عليها من خطط وسياسات وأجراءات وفي شتى الميادين ..، وكل ما أبرموه من أتفاقيات وعقود ، وأيا كان مضمونها ، وأيا كانت أطرافها ..، وكل ما أنشأوه من الوقائع التي رتبت حقوقا للغير او أبطلت حقوقا عن سواهم ، هي جميعا غير مشروعة ..، ولا تلزم العراقيين بشيء .. فهي من وحي ارادة المحتلين انفسهم ولو جاءت ممهورة ببصمة ابهام واحد او اكثر من عملائهم ..، وعليه فهم وحدهم المعنيين والملتزمين بها .
النتيجة الثانية هي ان لا نتوهم اية امكانية لتغيير معطيات الواقع الذي نعيشه في ظل الاحتلال من خلال الطريق الذي رسمه المحتلون للتغيير ..، فهذا الواقع ، بكل مافيه من مآسي وهموم ومعضلات ، هو من افرازات نظامهم القانوني السائد وسياساتهم الاستعمارية المتناغمة معه ..، ومن الغباء المفرط توقع الخير ممن لاخير فيه . وفي هذا الباب لابد ان نشير اولا الى سفاهة المناشدات التي يرددها بعضهم لحكومة الاحتلال واجهزتها ، ودعوتها للاستجابة لمقترحات وحلول مبتكره لبعض المشكلات التي اوجدها او زاد من حدتها المحتلون انفسهم ..، وهي مناشدات سفيهة لانها تبذر من حبر الكتابة ، ومن كلمات الحديث في غير موضعها الصحيح . ولابد ان نشير ثانيا الى تفاهة الدعوات المروجة للعبة الانتخابات المزيفة ، وما تقدمه من رؤى كسيحة تظن فيها علاجا لفساد المؤسسة التشريعية لحكومة المحتلين الفاسدة ..، وهي دعوات تافهة لانها تتوسم من فاقد الشيء أن يعطيه . ولابد ان نشير ثالثا الى وضاعة الافكار التي تناصب العداء للموقف الوطني المقاوم للمحتلين وايا كان ميدان فعله ..، وما تدس بين سطورها من المواقف الدنيئة خدمة للمحتلين..، وهي افكار وضيعة لانها تتطفل في وجودها على الحقوق المشروعة لشعبنا الصابر .
العراق المحتل في 13/12/2007

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق