شـكوى إلى الله ... بقلم : أبو ذر
آلهي .. يا من أشرقت لنور وجهه الظلمات ، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة ..
آلهي .. أني أشكو أليكَ وحدكَ ما تعلمه ..
وأني أذ أشكو أليكَ وحدكَ ، فلأني أؤمنُ بأن لا أله الا أنتَ سبحانكَ .. وليس لاني في خوف من أحد من خلقك .. فلقد أمرتنا سبحانك بان لا نخاف أحداً سواك ، فقلت وقولك الحق :((إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ))(آل عمران/175) .
ثم أني ، يا آلهي ، أشكو أليكَ وحدكَ ما تعلمه ، لأن أهلي المؤمنين بكَ قد أرضعوني أيمانهم ، وعلموني أن الشكوى لغيرك مذلة ..، ثم أمروني بألا أقبلَ المذلةَ لنفسي أو لغيري من عبادكَ ، فحفضتها عنهم ...، وها أنذا أشكو أليكَ وحدك ما تعلمه ..
ولقد شئت ، يا آلهي ، ولا راد لمشيئتك ، ان تستخلف الناس على ارضك ، فقلت :((وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ))(الانعام/165) .. وقلت :((هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا))(هود/61) ..، ثم قضيت ، ولا راد لقضائك ، ان يتقطع الناس في الارض جماعات متميزة بأنسابها فقلت :((وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأَرْضِ أُمَمًا مِّنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ))(الاعراف/168 ) ...
ثم انك ، يا آلهي ، قد أمرتهم جميعا بأن يخلصوا العبادة لك وحدك سبحانك فقلت :((يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ))(البقرة/21) .. وارسلت لهم كراماً من بينهم لتسقط كل حجة منهم بالعصيان فقلت :((رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا))(النساء/165) ..
ثم انك ، ياآلهي ، قد دعوتهم جميعا للتعايش آمنين ، مسالمين فيما بينهم ، فقلت :((يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا))(الحجرات/13) ..
ثم انك ، يا آلهي ، قد أمرتهم جميعا باجتناب التعدي بغياً وعدواناً فيما بينهم ، فقلت :((وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ))(المائدة/87) ..
غير انك ، يا آلهي ، تعلم ، وعلمك هو اليقين ، بان بعضا من خلقك المتجبرين المتسلطين ، مافتئوا ينافسون الناس على ما قَسَمتَ لهم من خيرات ، ويتنازعون السيطرة لاستعبادهم ، فيرسلون جيوشهم الغازية من وراء حدودهم لتنتهك حرمات البلدان ، وتستبيح اعراض شعوبها ، وتنهب خيراتها ، وتذل أهلها .. وان في الرأس من هؤلاء المعتدين المتجبرين دولة يقال لها الولايات المتحدة الامريكية ... ، أعطيتها من فيض خيرك ، يا آلهي ، ما لم تعطِ لغيرها ، فما اكتفت بما أُعطيت ..
أنها ، يا آلهي ، نسخة مستحدثة لظلم من أُختصم بين يدي نبيك وصفيك داود عليه وعلى جميع أنبيائك افضل الصلاة والتسليم وجاء من ذكره في قولك الكريم :((إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ))(ص/23) ..
انها ، يا آلهي ، تُكره الناس اكراهاً على العبودية لها ، فهي نسخة مستحدثة لظلم فرعون (( وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي))(القصص/38) ..
وانها ، يا آلهي ، هي من أحتلت منذ أربعٍ عجافٍ أرض الاصفياء من انبياءك ، والاطهار من اوليائك ، والاخيار من عبادك ...، مهد علوم البشرية ، ومنبع حضارات الانسانية الاولى ، وقبلة الدنيا ، وعاصمة دولة خلافة عبادك المسلمين لقرون من الزمان ، وحاضرة أمة العرب على مر الزمان ، وعنوان مجدهم ، وبوابة شرقهم .... ، ارض العراق الطاهرة .
وانها ، يا آلهي ، وكما فرعون من قبل ، قد استفزعت في احتلالها لوطننا العزيز حشداً من حلفائها وعملائها ((فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ))(الشعراء/53) ... ، وانهم ، ياآلهي ، كما سحرة فرعون ، قد أستيقنوا منها أجورهم قبل ان يلبوا حاشدين ((وَجَاء السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالْواْ إِنَّ لَنَا لأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ))(الاعراف/113) ... ، ثم أضافتهم لركبها الغاشم المدجج باعتى معدات القتل ، وأمضى أجهزة التدمير ، وادهى فنون الخداع ، وأحدث اساليب التخريب ,.، فجاست ديارنا ، وقتلت اطفالنا ورجالنا ونسائنا ، واستباحت حرماتنا ، وهتكت اعراضنا ، وانتهكت مقداستنا ، وخربت مدننا ، وهدمت بيوتنا ، واذلت شيبنا ، واسرت شبابنا ، ونهبت خيراتنا ، ودمرت منشأتنا ، ومزقت مؤسساتنا ، وفرقت جمعنا ، وجاءت بالهوام من المضلين وسلمتهم مقاليد الامر على العباد ، ومفاتيح خزائن البلاد ، وعاثت ، ولم تزل ، فسادا وافسادا بوطن الفراتين .. وطننا ...
وكان فرضاً ، يا آلهي ، على شعبنا ، كل شعبنا ، ان ينتفض لمقاومة المحتلين وعملائهم .. فنحن ملزمون بأن لا نرتضِ الذل والهوان ، أمتثالاً لقولك الكريم :((وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ))(المنافقون/8) .. ثم اننا قد تلقينا أمراً صريحا منك سبحانك بقتال المعتدين حين قلت :((وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ))(البقرة/190) .. ثم قلت :((فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ))(البقرة/194) .. وسبحانك من رب كريم ، لم تكتفي بالامر لرد العدوان ، وانما قرنت الاستجابة لهذا الفعل الجليل بالتقوى ..
ثم انك ، يا آلهي ، قد حرمت علينا السلبية والاتكالية فقلت :((انْفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالاً وَجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ))(التوبة/41) ...
ثم انك ، يا آلهي ، قد أمرتنا بحشد كامل المتاح من قوانا وامكانياتنا لرد العدوان فقلت :((وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ)) (الانفال/60) ...
ثم انك سبحانك قد حرضتنا على مقاومة العدوان والمعتدين بكل وسيلة ممكنة ، وبكل اداة متاحة ، ولو كانت سيئة ، فقلت وقولك الحق :((لاَّ يُحِبُّ اللّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوَءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ))(النساء/148) ، وهذا لان المقاومة حين تكون مشروعة تطهر ما قد يكون في طبيعة وسائلها وادواتها من سوء ...
ثم انك ، يا آلهي ، قد وعدتنا بحتمية النصر في معارك تحرير الارض والعرض ، معارك رد العدوان ، ولو كنا على قلة من عدد او عتاد ، فقلت وقولك الفصل :((إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ يَغْلِبُواْ أَلْفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ))(الانفال/65) ...
وهكذا ، آلهي ، ومن عمق جراجنا ، وانت الذي أعلم منا بغورها .. ، ومن صميم الآمنا ، وانت الذي أعرف منا بعمقها .. ، ومن لب ضميرنا ، وانت الذي أكثر اطلاعا عليه منا .. ، ومن بين صفوفنا ، وانت الذي أدرى بها منا ..، انطلقت مقاومتنا الباسلة المؤمنة المجاهاة تكيل الضربات النجلاء للمحتلين واعوانهم ، وتحيل نهارهم ليلا بهيما ...، أنطلقت تصارعهم فتصرعهم على قلة مواردها ، وتواضع امكإنياتها ، وبساطة تجهيزها ..، وهي كانت ، ولم تزل ، رفعة رأسنا ، ومنارة عزنا ، وجذوة فخرنا ، وبلسم جروحنا ، وفعلنا المشروع في الرد على المحتلين المعتدين واعوانهم ... وان فيها ، يا آلهي ، بعض من عبادك الذين قلت فيهم :((مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا))(الاحزاب/23) ..
ولعل المحتلين الغزاة يعرفون من تجاربهم ، وتجارب أقرانهم ، ان حكمك العدل ، يا آلهي ، ماض ٍعلى رقبتهم .. ، فهم لاشك يدركون أنه لن يصح في ملكوت ملكك الا ما هو صحيح ، وأن كل احتلال الى زوال ، ولكنها العزة بالاثم والعدوان قد أعمت بصيرتهم وأنساقوا طائعين وراء اهوائهم ، فصدق فيهم قولك الكريم :((أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ))(الجاثية/23) ...، لذا فقد عمدوا ، يا آلهي ، فيما عمدوا اليه من اساليب أنت بها أعرف ، الى السعي الحثيث لأغتصاب عقولنا من خلال توظيفهم لنخبة مأجورة لها قدرة مميزة على التأثير في صياغة أراءنا وتوجهاتنا ..، هذه النخبة تتمتع في مجتمعنا بمراكز دينية او سياسية او أعلامية او ثقافية او مالية او عشائرية او مؤسسية ، ومن خلال مراكزها هذه تروج لافكار ومواقف تهادن المحتلين ، وتسبغ الشرعية على وجودهم وما يتصل به من سياسات ومخططات ، وتدفعنا من حيث لاندري الى مباركة عدوانهم علينا ، والقبول باستعبادهم لنا ، فيصح فينا قولك الكريم :((كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا))(النحل/92) ..، وان من هؤلاء ، يا آلهي ، من هو أشد خطرا علينا ، واكثر ضررا لنا ، من كل عنف المحتلين .. ، انهم مثيري الفتنة ((وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ))(البقرة/191) ، ومحرضي الفرقة ((وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ))(آل عمران/105) ، والمفترين على عبادك بما ليس فيهم ((أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُاْ الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَآ أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّار))(البقرة/175) ... ، وفيهم ممن يعتمرون العمائم ، أو يلبسون محدث الثياب ، ويفتون من جهلهم علماً ، او يتمنطقون من اسفافهم لغواً ، فصدق فيهم وصفك قرآنك الكريم :((وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ))(المنافقون/4) ... انهم منافقوا هذا العصر ..، الذين يخادعونك ، آلهي ، ويخدعون عبادك ..، فهم كاذبون فيما يخبرون عن انفسهم ، وأن نطقوا بما هو صدق مبين ..، وكان وعدك الحق فيهم حين قلت :((إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا))(النساء/145) ...
آلهي ..، لقد قلت وقولك الحق :((إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ))(الممتحنة/9) ..، فما بال الزاعمين مودة لشعبنا العظيم يوالون ، ويناصرون ، ويتزلفون لهوام المحتلين ..، ما بالهم لايفقهون حديثا أم على قلوب أقفالها ...
آلهي ، لقد أمرتنا بالصد عن لغو الجاهلين ، وغمز المبطلين ، ولمز المشككين فقلت :((وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ))(القصص/55) . .. فما ينبغي لنا الا التسليم طاعة لأمرك ..
آلهي ، واني منذ وقت تعلمه ، أجهد نفسي للتأدب بأسلوب حديث قرآنك المجيد ...، فقد يقول نفر ممن يقرأون ، ما لهذا الرجل يتلو آيات الكتاب لا يلتمس فيها عونا من رجال الدين ..، فأقول لاننا مسلمون ، ولا كهانة في ديننا الحنيف .
آلهي ، وهذا بعض ما تعلمه ، أشكوه أليك وحدك ، وعسى ان يكون فيه ما ينتبه اليه سواي ..، ولاحول ولاقوة الا بك سبحانك ..
العراق المحتل 11/12/2007
آلهي .. يا من أشرقت لنور وجهه الظلمات ، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة ..
آلهي .. أني أشكو أليكَ وحدكَ ما تعلمه ..
وأني أذ أشكو أليكَ وحدكَ ، فلأني أؤمنُ بأن لا أله الا أنتَ سبحانكَ .. وليس لاني في خوف من أحد من خلقك .. فلقد أمرتنا سبحانك بان لا نخاف أحداً سواك ، فقلت وقولك الحق :((إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ))(آل عمران/175) .
ثم أني ، يا آلهي ، أشكو أليكَ وحدكَ ما تعلمه ، لأن أهلي المؤمنين بكَ قد أرضعوني أيمانهم ، وعلموني أن الشكوى لغيرك مذلة ..، ثم أمروني بألا أقبلَ المذلةَ لنفسي أو لغيري من عبادكَ ، فحفضتها عنهم ...، وها أنذا أشكو أليكَ وحدك ما تعلمه ..
ولقد شئت ، يا آلهي ، ولا راد لمشيئتك ، ان تستخلف الناس على ارضك ، فقلت :((وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ))(الانعام/165) .. وقلت :((هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا))(هود/61) ..، ثم قضيت ، ولا راد لقضائك ، ان يتقطع الناس في الارض جماعات متميزة بأنسابها فقلت :((وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأَرْضِ أُمَمًا مِّنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ))(الاعراف/168 ) ...
ثم انك ، يا آلهي ، قد أمرتهم جميعا بأن يخلصوا العبادة لك وحدك سبحانك فقلت :((يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ))(البقرة/21) .. وارسلت لهم كراماً من بينهم لتسقط كل حجة منهم بالعصيان فقلت :((رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا))(النساء/165) ..
ثم انك ، ياآلهي ، قد دعوتهم جميعا للتعايش آمنين ، مسالمين فيما بينهم ، فقلت :((يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا))(الحجرات/13) ..
ثم انك ، يا آلهي ، قد أمرتهم جميعا باجتناب التعدي بغياً وعدواناً فيما بينهم ، فقلت :((وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ))(المائدة/87) ..
غير انك ، يا آلهي ، تعلم ، وعلمك هو اليقين ، بان بعضا من خلقك المتجبرين المتسلطين ، مافتئوا ينافسون الناس على ما قَسَمتَ لهم من خيرات ، ويتنازعون السيطرة لاستعبادهم ، فيرسلون جيوشهم الغازية من وراء حدودهم لتنتهك حرمات البلدان ، وتستبيح اعراض شعوبها ، وتنهب خيراتها ، وتذل أهلها .. وان في الرأس من هؤلاء المعتدين المتجبرين دولة يقال لها الولايات المتحدة الامريكية ... ، أعطيتها من فيض خيرك ، يا آلهي ، ما لم تعطِ لغيرها ، فما اكتفت بما أُعطيت ..
أنها ، يا آلهي ، نسخة مستحدثة لظلم من أُختصم بين يدي نبيك وصفيك داود عليه وعلى جميع أنبيائك افضل الصلاة والتسليم وجاء من ذكره في قولك الكريم :((إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ))(ص/23) ..
انها ، يا آلهي ، تُكره الناس اكراهاً على العبودية لها ، فهي نسخة مستحدثة لظلم فرعون (( وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي))(القصص/38) ..
وانها ، يا آلهي ، هي من أحتلت منذ أربعٍ عجافٍ أرض الاصفياء من انبياءك ، والاطهار من اوليائك ، والاخيار من عبادك ...، مهد علوم البشرية ، ومنبع حضارات الانسانية الاولى ، وقبلة الدنيا ، وعاصمة دولة خلافة عبادك المسلمين لقرون من الزمان ، وحاضرة أمة العرب على مر الزمان ، وعنوان مجدهم ، وبوابة شرقهم .... ، ارض العراق الطاهرة .
وانها ، يا آلهي ، وكما فرعون من قبل ، قد استفزعت في احتلالها لوطننا العزيز حشداً من حلفائها وعملائها ((فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ))(الشعراء/53) ... ، وانهم ، ياآلهي ، كما سحرة فرعون ، قد أستيقنوا منها أجورهم قبل ان يلبوا حاشدين ((وَجَاء السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالْواْ إِنَّ لَنَا لأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ))(الاعراف/113) ... ، ثم أضافتهم لركبها الغاشم المدجج باعتى معدات القتل ، وأمضى أجهزة التدمير ، وادهى فنون الخداع ، وأحدث اساليب التخريب ,.، فجاست ديارنا ، وقتلت اطفالنا ورجالنا ونسائنا ، واستباحت حرماتنا ، وهتكت اعراضنا ، وانتهكت مقداستنا ، وخربت مدننا ، وهدمت بيوتنا ، واذلت شيبنا ، واسرت شبابنا ، ونهبت خيراتنا ، ودمرت منشأتنا ، ومزقت مؤسساتنا ، وفرقت جمعنا ، وجاءت بالهوام من المضلين وسلمتهم مقاليد الامر على العباد ، ومفاتيح خزائن البلاد ، وعاثت ، ولم تزل ، فسادا وافسادا بوطن الفراتين .. وطننا ...
وكان فرضاً ، يا آلهي ، على شعبنا ، كل شعبنا ، ان ينتفض لمقاومة المحتلين وعملائهم .. فنحن ملزمون بأن لا نرتضِ الذل والهوان ، أمتثالاً لقولك الكريم :((وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ))(المنافقون/8) .. ثم اننا قد تلقينا أمراً صريحا منك سبحانك بقتال المعتدين حين قلت :((وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ))(البقرة/190) .. ثم قلت :((فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ))(البقرة/194) .. وسبحانك من رب كريم ، لم تكتفي بالامر لرد العدوان ، وانما قرنت الاستجابة لهذا الفعل الجليل بالتقوى ..
ثم انك ، يا آلهي ، قد حرمت علينا السلبية والاتكالية فقلت :((انْفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالاً وَجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ))(التوبة/41) ...
ثم انك ، يا آلهي ، قد أمرتنا بحشد كامل المتاح من قوانا وامكانياتنا لرد العدوان فقلت :((وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ)) (الانفال/60) ...
ثم انك سبحانك قد حرضتنا على مقاومة العدوان والمعتدين بكل وسيلة ممكنة ، وبكل اداة متاحة ، ولو كانت سيئة ، فقلت وقولك الحق :((لاَّ يُحِبُّ اللّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوَءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ))(النساء/148) ، وهذا لان المقاومة حين تكون مشروعة تطهر ما قد يكون في طبيعة وسائلها وادواتها من سوء ...
ثم انك ، يا آلهي ، قد وعدتنا بحتمية النصر في معارك تحرير الارض والعرض ، معارك رد العدوان ، ولو كنا على قلة من عدد او عتاد ، فقلت وقولك الفصل :((إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ يَغْلِبُواْ أَلْفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ))(الانفال/65) ...
وهكذا ، آلهي ، ومن عمق جراجنا ، وانت الذي أعلم منا بغورها .. ، ومن صميم الآمنا ، وانت الذي أعرف منا بعمقها .. ، ومن لب ضميرنا ، وانت الذي أكثر اطلاعا عليه منا .. ، ومن بين صفوفنا ، وانت الذي أدرى بها منا ..، انطلقت مقاومتنا الباسلة المؤمنة المجاهاة تكيل الضربات النجلاء للمحتلين واعوانهم ، وتحيل نهارهم ليلا بهيما ...، أنطلقت تصارعهم فتصرعهم على قلة مواردها ، وتواضع امكإنياتها ، وبساطة تجهيزها ..، وهي كانت ، ولم تزل ، رفعة رأسنا ، ومنارة عزنا ، وجذوة فخرنا ، وبلسم جروحنا ، وفعلنا المشروع في الرد على المحتلين المعتدين واعوانهم ... وان فيها ، يا آلهي ، بعض من عبادك الذين قلت فيهم :((مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا))(الاحزاب/23) ..
ولعل المحتلين الغزاة يعرفون من تجاربهم ، وتجارب أقرانهم ، ان حكمك العدل ، يا آلهي ، ماض ٍعلى رقبتهم .. ، فهم لاشك يدركون أنه لن يصح في ملكوت ملكك الا ما هو صحيح ، وأن كل احتلال الى زوال ، ولكنها العزة بالاثم والعدوان قد أعمت بصيرتهم وأنساقوا طائعين وراء اهوائهم ، فصدق فيهم قولك الكريم :((أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ))(الجاثية/23) ...، لذا فقد عمدوا ، يا آلهي ، فيما عمدوا اليه من اساليب أنت بها أعرف ، الى السعي الحثيث لأغتصاب عقولنا من خلال توظيفهم لنخبة مأجورة لها قدرة مميزة على التأثير في صياغة أراءنا وتوجهاتنا ..، هذه النخبة تتمتع في مجتمعنا بمراكز دينية او سياسية او أعلامية او ثقافية او مالية او عشائرية او مؤسسية ، ومن خلال مراكزها هذه تروج لافكار ومواقف تهادن المحتلين ، وتسبغ الشرعية على وجودهم وما يتصل به من سياسات ومخططات ، وتدفعنا من حيث لاندري الى مباركة عدوانهم علينا ، والقبول باستعبادهم لنا ، فيصح فينا قولك الكريم :((كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا))(النحل/92) ..، وان من هؤلاء ، يا آلهي ، من هو أشد خطرا علينا ، واكثر ضررا لنا ، من كل عنف المحتلين .. ، انهم مثيري الفتنة ((وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ))(البقرة/191) ، ومحرضي الفرقة ((وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ))(آل عمران/105) ، والمفترين على عبادك بما ليس فيهم ((أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُاْ الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَآ أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّار))(البقرة/175) ... ، وفيهم ممن يعتمرون العمائم ، أو يلبسون محدث الثياب ، ويفتون من جهلهم علماً ، او يتمنطقون من اسفافهم لغواً ، فصدق فيهم وصفك قرآنك الكريم :((وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ))(المنافقون/4) ... انهم منافقوا هذا العصر ..، الذين يخادعونك ، آلهي ، ويخدعون عبادك ..، فهم كاذبون فيما يخبرون عن انفسهم ، وأن نطقوا بما هو صدق مبين ..، وكان وعدك الحق فيهم حين قلت :((إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا))(النساء/145) ...
آلهي ..، لقد قلت وقولك الحق :((إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ))(الممتحنة/9) ..، فما بال الزاعمين مودة لشعبنا العظيم يوالون ، ويناصرون ، ويتزلفون لهوام المحتلين ..، ما بالهم لايفقهون حديثا أم على قلوب أقفالها ...
آلهي ، لقد أمرتنا بالصد عن لغو الجاهلين ، وغمز المبطلين ، ولمز المشككين فقلت :((وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ))(القصص/55) . .. فما ينبغي لنا الا التسليم طاعة لأمرك ..
آلهي ، واني منذ وقت تعلمه ، أجهد نفسي للتأدب بأسلوب حديث قرآنك المجيد ...، فقد يقول نفر ممن يقرأون ، ما لهذا الرجل يتلو آيات الكتاب لا يلتمس فيها عونا من رجال الدين ..، فأقول لاننا مسلمون ، ولا كهانة في ديننا الحنيف .
آلهي ، وهذا بعض ما تعلمه ، أشكوه أليك وحدك ، وعسى ان يكون فيه ما ينتبه اليه سواي ..، ولاحول ولاقوة الا بك سبحانك ..
العراق المحتل 11/12/2007

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق