السبت، 7 يونيو 2008

أنهم يمهدون لفرارهم ..

أنهم يمهدون لفرارهم .. بقلم : أبو ذر

( 1 ) في عددها الأخير (آذار-نيسان 2008) ، نشرت مجلة السياسة الدولية (Foreign Policy) واسعة الانتشار ، تقريرا عن حالة الجيش الأمريكي الراهنة . والتقرير المكون من تسع صفحات قُدِمَ له على انه خلاصة لبيانات تم جمعها عبر استطلاع للرأي أجرته المجلة المذكورة بالتعاون مع احد المراكز المتخصصة ، لتقصي آثار حربي أمريكا العدوانيتين في أفغانستان والعراق على قدرة قواتها المسلحة بمختلف صنوفها ، وتأثيرات هاتين الحربين على مدى جاهزية تلك القوات للتدخل في أية نزاعات مسلحة محتملة الحدوث مستقبلا .
ومما جاء في هذا التقرير : إن 60% ممن استطلعت آراؤهم يعتقدون بان الجيش الأمريكي هو ألان اضعف قوة عما كان عليه قبل خمس سنوات ، ويعزون سبب ذلك إلى الحرب المستمرة في كل من أفغانستان والعراق . وفيما اعتبر المشاركون في الاستطلاع إن القوات البرية هي الأسوأ جاهزية بين تشكيلات الجيش الأمريكي ، حيث منحوها نسبة جاهزية لا تزيد عن 45% ، وان القوات الجوية هي الأقل كفاءة بين صنوف الجيش المقاتلة حيث منحوها نسبة كفاءة لا تزيد عن 57% ، وان مجمل صنوف الجيش الأمريكي لا تزيد نسبة كفاءتها عن 65% ..، فان 80% منهم اتفقوا على عدم قدرة الجيش الأمريكي على الاشتباك في أية حروب أو نزاعات كبرى مستقبلا .
من جانب آخر ، فقد عبر 66% ممن استطلعت آراؤهم عن قناعتهم بان قادة أمريكا المنتخبين لا يدركون شيئا عن حقيقة حالة جيشها ، أو أنهم – في أحسن الأحوال – لا يعرفون عنها إلا النزر القليل ، وأبدى غالبيتهم انعدام ثقتهم بالمؤسسة التشريعية ( الكونغرس ) ، ووزارة الخارجية ، ووزارة الدفاع . وبينما قرر 90% من المشاركين في الاستطلاع موضوع التقرير بان الحرب في العراق قد (( أدت إلى انتشار القوات الأمريكية على نحو كبير من الضعف )) ، فان 75% منهم أيضا قد اعتبروا بان الأهداف التي تم تحديدها للجيش الأمريكي في مرحلة ما بعد احتلاله للعراق كانت أهدافا غير معقولة وغير حكيمة .
ومع ما تمثله بيانات هذا التقرير من دلالات هامة تؤشر مدى الانحدار الشديد لقدرة آلة الحرب العدوانية الأمريكية ، وتراجع ثقة الأمريكيين بها وبمؤسسات الدولة التي تقودها وتوجهها ..، فان لمضمونه دلالة أخرى تفوق في أهميتها كل ما حمله من بيانات وما شخصه من وقائع . ولتوضيح هذه الدلالة ، لابد لنا من وقفة نتعرف من خلالها على من يقفون وراء الاستطلاع موضوع التقرير ، وعلى من كانوا موضوعا له ، وعلى بعض ما يتصل بموضوعه من حقائق ومعلومات عن حالة الجيش الأمريكي يتوالى تعمد تسريبها والترويج لها منذ فترة من الزمن عبر كثير من المؤسسات الإعلامية الأمريكية على الأخص .
( 2 ) فالاستطلاع موضوع التقرير قد تم تبنيه من قبل اثنتين من أشهر المؤسسات المعنية بتشكيل القرار السياسي في الولايات المتحدة الأمريكية ، تلك المؤسسات التي زاد انتشارها إبان حقبة الثمانينات من القرن الماضي والتي تعمل تحت لافتات مراكز بحوث وخبرة أطلقوا عليها اسم (Think Tanks))) . المؤسسة الأولى هي مؤسسة كارنيغي للسلام العالمي (Carnegie Endowment for International Peace) ، وهي مؤسسة بحثية تستهدف تأصيل الأفكار والتوجهات الرأسمالية ضمن ميدان القانون الدولي والعلاقات بين الدول ونشر القيم الليبرالية بين كوادر الدول حديثة النشأة كسبيل لضمان تبعيتها للمنظومة الرأسمالية العالمية ، أنشأها عام 1910 الرأسمالي المشهور اندرو كارنيغي الذي ينسب إليه عتاة الرأسمالية الأمريكية الفضل بكسر جناح من ثورة الحقوق العمالية التي اجتاحت عموم الولايات المتحدة نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين ، وذلك حينما تمكن من أجبار العمال المضربين عن العمل ، المطالبين بزيادة أجورهم وتحسين ظروف عملهم ، على التخلي عن مطالبهم والعودة مرغمين إلى إعمالهم في مصانع الصلب المملوكة له بولاية بنسلفانيا ، فالحق بهم هزيمة كان لها كبير الأثر في تحجيم عنفوان معارك التحرر العمالية . ومجلة السياسة الدولية التي تولت إجراء الاستطلاع ونشر التقرير أعلاه هي إحدى المنشآت التابعة لهذه المؤسسة العتيدة . وتترأس هذه المؤسسة منذ عام 1997 وحتى ألان الدكتورة جيسيكا ماثيوز التي سبق لها وشغلت منصب مديرة مكتب الشؤون الدولية في مجلس الأمن القومي الأمريكي طيلة فترة ولاية الرئيس جيمي كارتر (مابين عامي 1977و1981) ، ثم شغلت منصب نائب وكيل وزير الخارجية للشؤون الدولية خلال ولاية الرئيس كلينتون . فيما يتولى منصب نائب الرئيس لهذه المؤسسة جورج بيتركوفيتش المستشار السياسي لجوزيف بايدن زعيم الديمقراطيين في مجلس الشيوخ .
إما المؤسسة الثانية فهي مركز الأمن الأمريكي الجديد والمعروف اختصارا باسم ((CNAS)) . هذا المركز على الرغم من حداثة تأسيسه ، إلا إن تشكيلة مجلس إدارته تضم نخبة من القادة السياسيين والعسكريين السابقين وأصحاب رؤوس الأموال والنفوذ الذين كان لهم طيلة العقود الثلاثة المنصرمة دورا أساسيا في صنع القرار السياسي الأمريكي ..، منهم رئيس مجلس إدارة المركز الدكتور وليام بيري وزير الدفاع الأمريكي للفترة من 1994 حتى1997 إبان ولاية الرئيس كلينتون . ومنهم الدكتورة مادلين أولبرايت ، أول امرأة تتقلد منصب وزارة الخارجية الأمريكية وذلك مابين عامي 1997 و2001 وخلال ولاية الرئيس كلينتون أيضا . ومنهم ريتشارد ارميتاج ، مساعد وزير الخارجية الأمريكية للفترة من 2001 حتى 2005 أبان ولاية الرئيس بوش الابن ، وهو من أكثر صقور الحرب الأمريكان الذين دبروا ودفعوا لغزو عراقنا العربي في العشرين من آذار 2003 . ومنهم نورمان أوغسطين ، مستشار الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون للفترة من 1971 حتى 1973 ، ثم وكيلا لوزارة الحرب حتى عام 1977 ، ثم رئيسا لوكالة الفضاء الأمريكية (NASA) اعتبارا من العام 1985 ، ثم رئيسا لشركة مارتن ماريتا الفضائية ابتداءً من العام 1986 ولغاية عام 1995 ، فرئيسا لمستشاري مجموعة لوكهيد مارتن المتخصصة بالصناعات الحربية والفضائية والى ألان . ومنهم الأدميرال دنيس بلير القائد العام للقوات الأمريكية في المحيط الهادئ حتى عام 2002 . ومنهم ريتشارد دانزيغ وزير البحرية بين عامي 1993 و 1997 أبان ولاية الرئيس كلينتون أيضا . ومنهم الجنرال جورجي نيوبولد ، مدير عمليات هيئة الأركان المشتركة للجيش الأمريكي للفترة من 2000 ولغاية 2002 ، ومنهم أخيرا جون بودستا كبير موظفي البيت الأبيض اعتبارا من عام 1998 وحتى نهاية ولاية الرئيس كلينتون عام 2001 .
ومما هو مؤكد إن المعتقدات النظرية والمواقف السياسية لهذه النخبة التي تهيمن على إدارة ونشاط وتوجيه المؤسستين المعنيتين بالاستطلاع موضوع التقرير ، ستكون حاضرة في توجيه مسارات وتحديد مضامين بحوث ودراسات ونشاطات كلتا المؤسستين ، وستفرض وجودها لتأتي جميع نتائج هذه البحوث والدراسات والنشاطات متوافقة ، إن لم نقل متطابقة ، مع ما تتبناه تلك النخبة من رؤى عقائدية مواقف سياسية .
(3 ) إما عن من كان موضوعا لهذا الاستطلاع ، فلقد اختار القائمون عليه 3400 ضابط كعينة له . وتم اختيار هذه العينة من مختلف صنوف الجيش الأمريكي ، ومن المستمرين بالخدمة ضمن تشكيلاته أو من المتقاعدين عنها . وقد حرص القائمون على الاستطلاع أيضا على إن يكون جميع هؤلاء الضباط ممن سبق لهم العمل ، أو ممن يعملون حاليا ، في المستويات القيادية المستقلة لوحدات الجيش ومن رتبة رائد فما فوق . كما حرصوا على إن يكون بضع مئات منهم برتبة جنرال وأدميرال بحري من الذين كانوا قد خدموا ، أو مازالوا في الخدمة ، في أعلى المناصب القيادية للجيش الأمريكي . كما إن ثلثي إفراد العينة موضوع الاستطلاع شاركوا فعليا في مهام قتالية مختلفة ، وان ما يزيد على 10% من إفرادها قد خدموا ضمن وحدات الجيش الغازية للعراق أو أفغانستان أو كليهما معا . وهذا يعني إن القائمين على الاستطلاع كانوا في اشد الحرص على إسباغ الصفة المهنية على موضوع استطلاعهم . حيث لم يكتفوا بحصر العينة بالعسكر ، وإنما اختاروا من بين صفوفهم الضباط ممن يحملون رتبة قيادة حصرا ، وممن شغلوا مناصب قيادية مستقلة تحديدا . كما أنهم لم يكتفوا بان تكون العينة ممثلة لجميع صنوف الجيش المقاتلة ، وإنما حرصوا على إن يكون غالبية إفرادها ممن شاركوا فعليا في الحروب والمهام القتالية التي خاضها الجيش الأمريكي خلال الخمسين سنة المنصرمة .
ونحسب إن هذا الاختيار الدقيق للعينة قد جاء ليقطع به القائمين على الاستطلاع الطريق على خصومهم السياسيين لتوجيه أي اعتراض أو نقد لموضوع الاستطلاع أو نتائجه تحت زعم خدمته لأهداف ومواقف سياسية مسبقة ، إلا إن يكون اعتراضا أو نقدا مهنيا صرفا يتناول أراء من تم استطلاعهم ، وهي في حقيقة الأمر أراء صادرة عن من هو في موقع الحدث والمسؤولية ، مما يعني إن إثبات خطأ هذه الآراء أو عدم دقتها لا يمكن إن يتحصل إلا ممن هو في ذات موقع الحدث أو المسؤولية ، أو ممن هو في موقع مشابه لهما أو قريب منهما ، وهذا ما يصعب ، إن لم نقل يستحيل ، الوصول إليه ، بالنظر إلى إن الواقع المتردي للجيش الأمريكي هو حقيقة قائمة فعلا تعاني منها جميع قطعاته ومختلف صنوفه ويجهر بها غالبية إفراده . وهي حقيقة قد يتمكم بعض السياسيين أو قادة الجيش من تخفيف وطأتها ، إلا أنهم لن يستطيعوا إنكارها أو تجاهلها أو عدم الاعتراف بوجودها . وهكذا تمكن القائمين على الاستطلاع من تسجيل اختراق مهم لأفكارهم ومواقفهم السياسية عبر نتائج هذا التقرير ، بما بذلوه من حرص على إسباغ الصفة المهنية على استطلاعهم ، ودون إن يتجشموا عناء ومخاطر الدخول في مساجلات سياسية مع خصومهم السياسيين حول مضامين موضوعه ونتائجه .
( 4 ) ويأتي إجراء الاستطلاع موضوع التقرير ونشر نتائجه في وقت تتزايد فيه التسريبات المتعمدة لجملة من الحقائق والمعلومات عن حالة الجيش الأمريكي ، حيث لا زالت كثير من المؤسسات والمواقع الإعلامية توالي نشر ما يسرب لها من إحصائيات لجهات رسمية وشبه رسمية عن الأرقام الحقيقية للقتلى والجرحى والمعاقين بين صفوف الجيش الأمريكي منذ بداية احتلاله لعراقنا العربي وحتى ألان . وبديهي إن هذه الأرقام إذ تكشف ضخامة خسائر جيش المحتلين البشرية ، فإنها تفضح كذب الأرقام التي سبق لمصادر الجيش الأمريكي إعلانها ، مما يعمق انعدام الثقة بها بين صفوف الأمريكيين .
ويتزامن نشر هذا التقرير أيضا مع قيام بعض مراكز البحث المتخصصة والمؤسسات العلمية الرصينة في الولايات المتحدة الأمريكية بنشر العديد من البحوث والدراسات التي أنجزها واشرف عليها أساتذة مشهود لهم بالكفاءة والمهنية ، والتي تضمنت بيان حجم الخسائر المالية الباهظة التي دفعتها الولايات المتحدة تكلفة لحربها العدوانية على العراق ، وكشفت عن ما تمثله هذه الأموال المدفوعة من عبء مضاف على الخزانة الأمريكية التي تنوء أصلا بأعباء ارتفاع نسبة التضخم وتنامي الدين العام وزيادة فوائده ، ومحذرة في ذات الوقت مما يمكن إن يسببه استمرار هذه الحرب العدوانية من استنزاف لطاقات وموارد الدولة ، وما يمثله من إخطار محدقة بعموم الاقتصاد الأمريكي .
كما ويأتي نشر هذا التقرير متزامنا مع حملة لبعض الصحف والدوريات والفضائيات واسعة الانتشار في الولايات المتحدة الأمريكية وكثير من المواقع على الشبكة العنكبوتية بنشر ما يسرب لها من نتائج تحقيقات أجرتها وزارة الدفاع الأمريكية حول بعض الظواهر الخطيرة التي تكاد تفتك ببنية الجيش الأمريكي . كنتائج التحقيقات حول تفاقم حالات الانتحار في الجيش الأمريكي مثلا ، حيث تشير تلك التحقيقات إلى إن عدد حالات الانتحار بين صفوف الجيش الأمريكي عام 2002 لم تتجاوز 350 حالة ، غير أنها أخذت بالتزايد اعتبارا منذ الغزو الأمريكي لعراقنا العربي لتصل إلى أكثر من 2100 حالة انتحار عام 2007 ، أي بنسبة زيادة بلغت 600% عن سنة الأساس .ولم يفت مسربي مثل هذه المعلومات تضمينها تقييم خبراء الطب النفسي لأسباب تفاقم هذه الظاهرة حيث يؤكدون على إن (( ما يلاقيه الجنود من مصاعب ومواقف مريعة خلال القتال ، وطول الفترة التي يقضونها في ساحة العمليات ، هو الدافع الأساس المشجع على الانتحار )) . وقريب من ذلك ما تم تسريبه من نتائج التحقيقات حول استفحال ظاهرة الاغتصاب بين صفوف الجيش الأمريكي ، حيث أشارت نتائج تلك التحقيقات إلى انه وخلال عام 2005 فقط تم التبليغ فعلا عن أكثر من 2400 حالة اغتصاب ، مع الإشارة إلى هذا العدد لا يمثل إلا نسبة الثلث أو النصف في أحسن الأحوال من جرائم الاغتصاب المرتكبة فعلا ، وذلك بسبب قلق اغلب المجندات اللائي اغتصبن من إن يتم تجاهل شكواهن ، أو لخوفهن من عواقب يمكن إن تحل بهن خصوصا عندما يكون الجاني من ذوي الرتب الكبيرة أو ممن يتحكم في التقييم المهني لضحيته . وقريب من ذلك أيضا ما تم تسريبه عن تسجيل 5500 حالة هروب من الخدمة بين صفوف الجيش الأمريكي خلال عام 2007 فقط ، لتحقق بذلك ارتفاعا بنسبة تزيد على 80% عن حالات الهروب المسجلة عام 2004 . وقريب منه أيضا ما يسرب عن تفاقم حالات الطلاق ، وتزايد الإصابات بالإمراض النفسية والعقلية ، بين العسكريين الأمريكيين العاملين ضمن وحدات الجيش الأمريكي في العراق . مضافا إلى كل ذلك ما ينشر عن التراجع الخطير في نسب التجنيد لعموم صنوف الجيش الأمريكي ، مما اضطر قادته بضم عشرات الآلاف من ذوي السوابق وخريجي السجون والمنحرفين تعويضا عن النقص الحاد في وحدات الجيش المختلفة .
( 5 ) وبناءً على ما سبق بيانه يتضح جليا إن التقرير المشار إليه إن يكن قد شخص بكثير من الدقة الوضع المتردي الذي آلت إليه الآلة الحربية الأمريكية بعد مضي خمس سنين على احتلالها للعراق العربي ، فهو لم يكن معنيا - كما نعتقد - بتقديم عرض للمشكلات التي تعاني منها تلك الآلة العدوانية ، بقدر ما كان يؤسس للترويج لفكرة محددة ترى فيها النخبة القابضة على إدارة وتوجيه المؤسستين المشاركتين في الاستطلاع موضوع التقرير وآخرين ممن يقفون ورائهم من الممسكين بخيوط السياسة الأمريكية أو ممن يشاركونهم ذات الرؤية والموقف ، حلا وحيدا لتلك المشكلات وسبيلا لابد منه لتجاوز الواقع المزري الذي يجدونه يهدد كيان هذه الآلة الحيوية ، بل وكيان الدولة الأمريكية برمتها . والحل الوحيد الذي يعتقد جميع هؤلاء بصحته هو ضرورة الإسراع بتحجيم التواجد العسكري الأمريكي في العراق ، وإلى الحد الذي ينأى به عن محرقة الخسائر المتفاقمة بين صفوف إفراده ومعداته نتيجة الانتشار الواسع لقطعاته ، ويوقف تدحرج الاقتصاد الأمريكي نحو هاوية العجز الكامل ، وعلى الأخص في هذه المرحلة التاريخية التي تشهد تنامي وصعود قوى اقتصادية عالمية جديدة شرقا وغربا من المتوقع لها إن تزاحم بكفاءة محسوسة جميع القوى المهيمنة على الاقتصاد العالمي حاليا . تلك هي الدلالة الأكثر أهمية في هذا التقرير ..، فهذا التيار المفرز داخل المنظومة السياسية الأمريكية والذي يضم غالبية منظري وساسة الحزب الديمقراطي ومن يتوافقون معهم في الموقف من استمرار الاحتلال الأمريكي لعراقنا العربي وبغض النظر عن ذرائعهم أو الرؤى المحركة لمواقفهم ، يمهد بنشاط محموم لحمل الرأي العام الأمريكي على تبني ما يراه من حل للخروج بآلتهم الحربية من مأزقها الخانق ، ويدفعه باتجاه تصعيد مطالبته بذلك من خلال مختلف الفعاليات والمؤسسات المؤثرة في صنع القرار السياسي الأمريكي لحمل الساسة الأمريكان على اتخاذ القرارات التي تضمن تنفيذ ذلك الحل بأسرع ما يمكن .
غير انه من الضروري الانتباه إلى إن هذا التيار إذ يدعو ويروج وبكل ما أوتي من قوة ووسيلة إلى تحجيم عديد القوات الأمريكية المحتلة لعراقنا العربي وتحديد مناطق انتشارها ضمن ادني حد ممكن ..، فهو يدعم بقوة أيضا الموقف الداعي إلى ضرورة الاحتفاظ بتواجد سياسي وعسكري كافٍ ودائم على ارض الرافدين وبما يضمن للامبريالية الأمريكية التفوق ببسط هيمنتها الكاملة على المشرق العربي وعموم المنطقة المتاخمة له ..، بمعنى إن دعواته التي يروج لها لا تستهدف الانسحاب النهائي من العراق ، وإنما تكتفي بتقليص حجم القطعات ، وتركيز تواجدها في قواعد عسكرية دائمية ، وها هنا يكشف الامبرياليون المستعمرون عن وجه عدوانيتهم المقيتة ، فهم قد يختلفون في الحلول التي يطرحها كل منهم لما تعانيه مؤسستهم العسكرية من إمراض تفتك بكيانها ، وقد يختلفون في الموقف من تأثير حروبهم العدوانية على جاهزية قطعات جيشهم أو كفاءة أدائها أو قدرتها على العدوان مستقبلا ..، ولكنهم يتوافقون على ضرورة إن تبقى لهم السطوة والهيمنة على العالم اجمع . وما ذلك إلا لأنهم جميعا امبرياليين جمهوريين كانوا أم ديمقراطيين ، ولأنهم جميعا مستعمرين محافظين كانوا أم معتدلين .
بقي لنا إن لا نغفل الإشارة إلى حقيقة ساطعة كالشمس في رابعة النهار ، وهي إن الحالة المتدهورة التي يعيشها الجيش الأمريكي بعد مضي خمس سنين على احتلاله لعراق العروبة والإسلام ، والتي كشف التقرير أعلاه عن بعض مضامينها ، وتؤكدها أيضا بتفصيل أكثر في جوانب أخرى من مضامينها سيول لا تنقطع من المعلومات والحقائق التي يتوالى تسريبها عبر وسائل الإعلام المختلفة ، إنما هي نتيجة موضوعية للفعل البطولي والقتال الملحمي الذي تنهض به فصائل مقاومتنا الباسلة في مواجهة جيوش المحتل الغاشم . فالضربات النجلاء لسرايا البطولة والفداء وكتائب العز والظفر هي التي تزلزل الأرض من تحت إقدام المحتلين الغزاة فتحيل علوجهم ومعداتهم وأموال خزائنهم حطبا لنيران عدوانيتهم الغاشمة ، وهي التي ستحيل بإذن الله تعالى أسطورة هذا الجيش الذي لا يقهر إلى هشيم تذروه الرياح .

العراق المحتل في 10/5/2008

ليست هناك تعليقات: