الخميس، 5 يونيو 2008

الطريق الى فلسطين ..

الطريق إلى فلسطين .. بقلم : أبو ذر

( 1 )
بداية ثمانينيات القرن الماضي ، وأبان حرب إيران العدوانية على عراقنا العربي ، أطلق الخميني (1902– 1989) شعاره المشهور ((الطريق إلى تحرير القدس يمر عبر بغداد)) ..، وإذا كان ثمة من أبهرته حينها ثورة الشعوب الإيرانية وإسقاطها بالمد الجماهيري لنظام الشاه محمد رضا بهلوي (1919-1980) ، فحسب إن كل ما سيتمخض عن تلك الثورة هو مكسب للعرب خصوصا والمسلمين على العموم ، فتعاطف مع ذلك الشعار وغاب عنه انه كما قد يكون للبشر من الأبناء ما هو صالح وما هو غير صالح ، فانه قد يكون للشعوب من الثورات ما هو مشروع من تصرفاتها وما هو غير مشروع .. ، وإذا كان ثمة من خطف لباب عقله حينها استيلاء تيار ولاية الفقيه تحت زعامة الخميني على مقاليد السلطة في إيران ، فأجج ذلك في نفسه دفين نزعاته الطائفية المقيتة ، فتوافق مع ذلك الشعار واستعاض راغبا عن انتماءه لوطنه بالولاء لولاية فارسية صفوية .. ، وإذا كان ثمة من فتنته حينها شخصية الخميني وأفكاره ، فسلبت رشده ليسلم بكل ما أفتى به ، فانحاز طائعا إلى ذلك الشعار مستبدلا بما انحاز إليه ما هو ثابت من أصول الدين الحنيف وحقائق التاريخ وضوابط المصير ..، أقول : إذا كان أيا من هؤلاء قد ركبه وهم الظنون المتفائلة فانجرف متعاطفا مع ذلك الشعار وصاحبه ، وإذا كان أيا منهم قد تسلطت عليه أهواء النفس الضالة فاندفع مؤيدا معاضدا لهما ..، فأن هزيمة إيران سياسيا وعسكريا في حربها العدوانية ضد عراقنا العربي ، وانكسار المشروع الصفوي لولاية الفقيه الفارسية بتجرع صاحبه مرغما وبيده كأس سم مشروعه العدواني ..، قد عصفت بكل الظنون الواهمة ، واقتلعت كل الأهواء الضالة المضلة ..، هذا بعد إن كشفت مجريات تلك الحرب العدوانية وإحداثها المتوالية طيلة ثماني سنين لكل المتابعين ، المستور من الطموحات غير المشروعة لجمهورية ولاية الفقيه ورغباتها التوسعية ، وفضحت زيف ادعاءاتها وتمسحها بالإسلام ، وعرت كذب طروحاتها وشعاراتها .. وهكذا سقط ذلك الشعار سيء الصيت بهزيمة ولاية الفقيه فكرة ودولة ، ونأى المتعاقبون من بعد الخميني على مواقع السلطة والحكم في إيران الصفوية عن إن ينفخوا برميم ذلك الشعار المهزوم حتى بعد احتلال الغزاة الأمريكان للعراق العربي ..، وهو أمر قد يثير استغرابا كبيرا عند كثيرين ، إذ حين كان العراق دولة حرة مستقلة يسيس الحكم فيها بعض من أبناء شعبها ، تعالى نعيق أبواقهم بان يكون ((تحرير)) بغداد منطلقا لتحرير القدس ..، وحين سقطت بغداد أسيرة الاحتلال الأمريكي الغاشم لم ينبسوا بقول يذكر ـ ولا نقول بفعل ينظر ـ عن تحريرها من براثن المحتلين ، بل إن قريحتهم المملوءة حقدا ولؤما وكذبا طلعت علينا بمفهوم شائه هو القمة بين آيات نفاقهم الذي مردوا عليه ..، إذ بينما يصرحون بوقوع العراق أرضا وشعبا وسيادة في قبضة المحتلين الأمريكان ، يتنطعون اعترافا وإقرارا وتعاملا مع حكومة نصبها المحتلون ، ويسبغون عليها من وصوف الوطنية والديمقراطية والعدالة ما لم يسبغه عليها سائسيها المحتلين أنفسهم ..!!!
( 2 )
وفي العشرين من آذار الحالي تناقلت أجهزة الإعلام المختلفة عن تسجيل صوتي منسوب للشيخ أسامة بن لادن زعيم تنظيم القاعدة حثه لإتباعه (( النضال ضد قوات الاحتلال الأمريكي في العراق باعتباره سبيلا" لتحرير فلسطين )) ..، ومع أنها ليست المرة الأولى – فيما نعرف – التي يربط فيها قادة تنظيم القاعدة والفصائل المنضوية تحت لواءه بين مجريات ونتائج الصراع ضد المحتلين الأمريكان على ارض عراق العروبة وبين تحرير فلسطين السليبة ..، حيث أنهم يتبنون معتقدا مبدأ وحدة نضال المسلمين على اتساع رقعة بلدانهم ، فبلدان المسلمين – عندهم – كلٌ واحد تكوينا وحضارة ومصيرا ، وان أي عدوان يمس بوجود ومصير أي منها ، هو عدوان على وجودها ومصيرها مجتمعة ، وهذا يستوجب فيما يستوجب عندهم ، مشاركة كل مسلم توافرت فيه أركان وشروط الجهاد لرد العدوان ، لا يمنعه من ذلك اختلاف جنسيته عن جنسية المعتدى عليهم من المسلمين ، فهذه عندهم رابطة طارئة اُصطنعت اصطناعا يوم تقطعت أوصال إمبراطورية الخلافة دول وإمارات شتى ..، ولا يعفيه من مسؤولية الوفاء بهذا الواجب عدم القبول به من السلطة القائمة ، أو من يمارسون مهامها ، في الجزء المعتدى عليه من أمة الإسلام ، فهو ملزم بالوفاء جهادا وان كرهوا مشاركته لهم ردهم للعدوان الواقع عليهم ، وان اختلفوا معه في تقييمه لما هو واقع عليهم ، وان رضخوا لإرادة المعتدين عليهم وجنحوا لما يعتبرونه صلحا أو توافقا معهم ، أو حتى استلاما لهم ..، فالجهاد عندهم فرض عين على كل مسلم مستوفٍ لشرائطه حين يتعلق أمره بالذود عن الإسلام دينا وإتباعا وممتلكات . وبناءا على هذه الرؤية الشمولية لوجود المسلمين ومصيرهم ، فان ما تناقلته أجهزة الإعلام عن اعتبار زعيم تنظيم القاعدة تحرير العراق منطلقا لتحرير فلسطين ، وحثه لإتباعه على الاستمرار في النضال ضد المحتلين الأمريكان سبيلا لذلك ، يأتي منسجما منطقيا مع ما يعتقد به هو وإتباعه من أفكار ورؤى ومعتقدات . ونحسب إن التعامل السطحي مع هذه الرؤية هو ما دفع بعضهم عند تحليله لمضامين التسجيل الصوتي المشار إليه وعبر إحدى القنوات الفضائية المشهورة ، إلى الربط بين رؤية زعيم تنظيم القاعدة سالفة الذكر ، وبين ما طرحه الخميني قبل أكثر من ربع قرن من الزمان من شعار سيء الصيت وأدته أحذية مقاتلي جيشنا الإبطال عند حدودنا الشرقية ..، إذ لا وجه إطلاقا للربط بين الموضوعين ، فواقع عراقنا المحتل هذا اليوم ، غير واقع عراقنا المستقل بالأمس . ولا نزيد .
( 3 )
ولكن ، هل الطريق إلى تحرير فلسطين يمر عبر تحرير العراق ؟..، سؤال أنتظر طويلا ولابد من مواجهته ، وهو يتضمن وجهين ، أولهما : مدى ارتباط تحرير فلسطين بتحرير العراق ، وثانيهما : مدى أولوية تحرير العراق على تحرير فلسطين . والوجه الأول من السؤال يتضمن احتمالين في الإجابة ، أولاهما إن يكون ثمة ارتباط موضوعي بين تحرير فلسطين وتحرير العراق ..، حينها يكون من المنطقي البحث في وجه السؤال الثاني لمعرفة مدى أولوية تحرير أي منهما على الآخر . وثانيهما إن لا تكون هناك أية رابطة موضوعية بين الموضوعين ، فتنتفي حينئذ الحاجة للخوض في الوجه الثاني من السؤال حيث لا مجال للبحث عن أولوية أي منهما على الآخر في ظل انعدام الرابطة الموضوعية بينهما .
وانطلاقا من اعتقادنا الراسخ بوحدة الوجود القومي العربي ووحدة مصيره ، فأن فلسطين والعراق ، أرضا وشعبا ، هما جزء لا يتجزأ من الأمة العربية ، وهذا يعني إن ثمة وحدة موضوعية قائمة بين ما يطرحه واقعهما من مشكلات ، وأيا كان مضمون تلك المشكلات ..، فهي بناء على هذا الاعتبار مشكلات قومية . مؤدى هذا إن اغتصاب فلسطين العربية ليس مشكلة خاصة بالفلسطينيين وحدهم ، إنما هي مشكلة قومية مضمونها اغتصاب الصهاينة لجزء من الأرض العربية ، وتشريد وإبادة ساكنيها من الشعب العربي ، لتوطين إغراب غزاة بدلا منهم عليها ..، فهي إذن مشكلة تمس الوجود القومي العربي وبالتالي هي مشكلة تخص جميع العرب ، شاءوا ذلك أم أبوا ، وعوا ذلك أم لم يعوه . وما فلسطين إلا نموذجا لكل مشكلة اغتصاب أخرى في الوطن العربي ، في الجولان السورية أو سبته ومليله المغربية أو سواهما . كما إن احتلال العراق ليس مشكلة خاصة بالعراقيين وحدهم ، إنما هي مشكلة قومية مضمونها استيلاء الولايات المتحدة الأمريكية بالقوة على جزء من الأرض العربية وسلب إرادة شعبها ونهب إمكانياتها وثرواتها وتسخيرها خدمة لمصالحها الامبريالية ..، فهي إذن مشكلة تمس الوجود القومي العربي وبالتالي فهي مشكلة تخص العرب مجتمعين شاءوا ذلك أم أبوا ، وعوا ذلك أم لم يعوه . وما العراق إلا نموذجا لكل مشكلة احتلال أخرى في الوطن العربي ..، في عربستان العربية أو الجزر الإماراتية أو سواهما . وحين نقرر إن ثمة وحدة موضوعية قائمة بين عموم المشكلات التي يطرحها الواقع العربي ، فهي تبعا لذلك مشكلات قومية ، فهذا يعني تماما إن حل تلك المشكلات حلا صحيحا وكاملا لا يمكن إن يتحقق إلا بإمكانيات وقوى قومية وفي إطار المصير القومي ..، نقول حلا صحيحا كاملا ، إذ يمكن الوصول إلى حلول آنية أو جزئية لتلك المشكلات عبر حشد ما هو ممكن في واقعها من الإمكانيات والقوى المتاحة وضمن إطار الرؤية المحصورة بذلك الواقع ، غير إن هذه الحلول ستبقى آنية و جزئية ، وهي ستكشف ضمن مدى منظور قصورها عن إن تكون حلا نهائيا للمشكلات المطروحة ..، وفي استمرار اغتصاب فلسطين ، وعودة المستعمرين لاحتلال أجزاء من وطننا العربي في مقدمتها وطننا العزيز مع سبق تحريرها بالزكي من دماء شهدائنا الإبرار والغالي من الثروات ..، عبرة لمن يعتبر .... من جانب آخر فان الرابطة الموضوعية القائمة بين المشكلات التي يثيرها الواقع العربي إذ تكسب مشكلتي تحرير فلسطين والعراق مضمونا قوميا ، فإنها لا تمنح أيا منهما امتياز السبق أو أفضلية التقدم في الحل على الأخرى ، بالنظر إلى إن كلا منهما تمس وجودنا القومي ، فالأرض العربية من مشرق الوطن العربي وحتى مغربه متساوية من حيث القيمة والأهمية كجزء مكون لوجودنا القومي ولو كانت صحراء جرداء خالية من أسباب الحياة ، ولا يعارض ذلك ما أُضيف إلى بعض المدن أو الأجزاء العربية من ميزة تمنحها موقعا مميزا بناءا على اعتبارات دينية أو تاريخية أو اقتصادية ..الخ ، فأجزاء المعمورة تتمايز بينها فيما تدخره من موروث تاريخي ، أو موقع جغرافي ، أو دور حضاري ، أو ثروة في باطنها أو على وجه أرضها ..، غير إن هذا لم يكن مبررا لأن يستبدل الناس انتمائهم لمواطنهم الأصلية ومهاد وجودهم الاجتماعي بالانتماء إلى مواطن أخرى أكثر منها شهرة في التاريخ ، أو أفضل منها موقعا في الجغرافيا ، أو أكثر منها ثراءا في الثروة .. ، ولعل اقرب صورة واقعية على صحة ذلك هو ما نلمسه من تعلق أبناء المهجر من شتى الأصول بأوطانهم الأصلية تعلقهم بأهليهم . نريد إن نقول : انه ليس ثمة ما يميز فلسطين عن العراق ، ولا العراق عن فلسطين ، ليتقدم أيا منهما بمشكلة تحريره عن الآخر .. فتحرير العراق ليست المهمة الواجب انجازها للشروع تاليا لها بتحرير فلسطين ، كما إن تحرير فلسطين ليس شرطا مسبقا لتحرير العراق .. إن هذا إذ ينفي على الصعيد النظري تعليق تحرير أي جزء من وطننا العربي لحين تحرير جزء آخر ، إلا انه ، من جانب آخر ، لا يلغي وحدة النضال من اجل الحرية في الوطن العربي بين مختلف القوى العربية التحررية ولو تباينت انتماءاتها العقائدية و اختلفت رؤاها الفكرية ، لان ما يوحدها مرحليا هو سعيها لتحرير الأرض العربية من المغتصبين والمحتلين أيا كانت مسمياتهم ، وفي هذا دفع لخطر قائم عن الوجود القومي العربي ، واستعادة لما هو مسلوب منه ..

العراق المحتل في 27/3/2008

ليست هناك تعليقات: