إليكَ يا مُذِلَ المُتجبرينَ أعتذرُ .. بقلم : أبو ذر
عذرا يا الهي ، يا رب العالمين ..، عذرا يا ذا العزة والجبروت ..
اعتذر إليك يا الهي .. ابتداءاً ، لأني أعود إلى الكتابة واخلف عهدا مع نفسي على مقاطعتها ، ولما يمضي على مقاطعتي لها غير أيام معدودات . واني إذ اعتذر إليك عن عدم الوفاء بعهدي لمن عاهدت ، فلأنك وحدك ، يا الهي ، كنت المطلع والشاهد عليه .
وإذ يكُ ، يا الهي العظيم ، من شأن أغلب الكُتّاب عدم استطاعتهم ترك الكتابة وان رغبوا بذلك ..، فللقلم سلطان بَيّنٌ على عقولهم ، وسحر ماضٍ في نفوسهم ، وعشق يتملك أفئدتهم ..، فليس من ذلك سبب قد حملني لأخلف ما عاهدت عليه ..، فأنت الأعلم ، يا الهي ، بان عهدي قريب بهذه الصنعة الجليلة ، ولست في عالمها الفسيح إلا واحدا من الهواة المبتدئين . وأنت الأعلم ، يا الهي ، بان حبي الكبير لعراق العروبة ، وطني السليب ، وحرصي الدائم على الوفاء له ، هو ما دفعني للنكول عن ما عاهدت به نفسي . ثم انك وحدك ، يا عالم الإسرار ويا مطلع على ما تخفي السرائر ، من يعلم حقيقة ما دفعني لمقاطعة الكتابة . فلم تزل ، يا الهي ، شاخصة في ذاكرتي حتى هذه الساعة مشاهد وتداعيات ذلك الظرف القاهر الذي حملني حملا لان أقاطع الكتابة ، حين حل عليَّ وإنا منهمك في التجوال بين المواقع الالكترونية لاستكمال مادة مقالة كنت أعدها عن نظرية جديدة لعلاقات الولايات المتحدة الأمريكية بالشعوب والأمم من خارجها ..، نظرية يروج لها منذ بضعة أشهر رهط من صناع ، والمؤثرين بصناعة ، القرار السياسي الأمريكي ..، وأرى – كما رأى كثيرون من قبلي – إن ثمة بوادر متعددة على دخولها حيز التنفيذ في ميدان السياسة الخارجية للدولة الأمريكية . كنت حينها ، يا مولاي ، ولم أزل ، معتقدا إن التعريف بهذه النظرية الجديدة سيمكن أخوتي وبني وطني وأمتي ممن يشاركونني الرؤية أو الموقف أو الاهتمام من التعرف على أهم الأسس الضابطة لتفكير قادة الدولة الأمريكية وتوجهات مؤسساتها للسنوات القابلة ..، تلك الدولة العدوانية التي تحتل عراقنا العربي مند خمس سنين خلت ، وتسعى بكل ما أوتيت من أسباب القوة ، وبكل ما تدخره من أساليب العدوان ، وبكل ما تجنده من الخونة والعملاء لبسط هيمنتها الكاملة على أمة العرب وأمة الإسلام . وأحسب ، يا مولاي ، إن تلك المعرفة إذ تساعدنا جميعا على الإحاطة بمسالك واتجاهات الخطط الإستراتيجية لأجهزة ومؤسسات تلك الدولة العدوانية فلا يغيب عن بصيرتنا حقيقة ما تستهدفه ولو حرص القائمين عليها على إبعاد إبصارنا عنه بما يروجون له في تصريحاتهم وأجهزة إعلامهم من أكاذيب وتلفيقات ..، فإنها ستمكننا أيضا من الكشف المبكر عن عموم المفاصل الأساسية ، بل وحتى عن بعض من الفروع ، لمشاريعهم السياسية وتكتيكاتهم العسكرية للمرحلة القادمة . وانه ، يا مولاي ، كما اعتقد أمر على درجة فائقة من الأهمية لإدامة زخم الفعل البطولي لمقاومتنا الباسلة وتطوير أساليب مواجهتها الميدانية لتكتيكات المحتلين العسكرية وتصديها لمشاريعهم السياسية ، وبما يؤمن لفصائل هذه المقاومة المؤمنة بك سبحانك ربا ، الملتزمة بنهج نبيك الأكرم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم ، المتمسكة بثوابت دينك القويم وأصول شريعتك السمحاء ، الوفية لشعبنا بكل أعراقه وطوائفه ، البارة لانتمائنا العربي ، الذائدة عن حقوقنا وقيمنا وشرفنا وإعراضنا ومجد تاريخنا ..، أقول ، يا مولاي ، وبما يؤمن لهذه الثلة الخيرة من إخوتنا وأحبتنا وفخرنا من تسديد أنجع الضربات النوعية لفلول المحتلين وعملائهم ، وإلحاق الهزيمة بآلتهم الحربية العدوانية تدميرا في ساحات المعارك ، أو تحييدا عنها ، وفرض الفشل على مخططاتهم ومشاريعهم السياسية ، والاقتراب بعراقنا العربي وشعبه الصابر حثيثا من يوم التحرير الناجز بأذنك ومشيئتك يا رب العالمين ، فوحدك ، يا مولاي ، حسبنا ..، ووحدك ، يا مولاي ، لنا نعم النصير .
في خضم هذا الانشغال ، يا الهي ، جاءتني رسالة على بريدي الالكتروني من أستاذ ومفكر جليل ، وأخ يعربي أصيل ، تحمل بين طياتها صورا توثق لجريمة جديدة ارتكبها المحتلون الأمريكان . ومع إن المحتلين الأمريكان ، وطيلة سني احتلالهم لعراقنا العربي ، لم يفوتوا يوما إلا وسطروا فيه أبشع الجرائم وأكثرها خسة ودناءة بحق وطننا الحبيب وشعبنا الصابر ، فهذا بعض من ديدنهم الذي جبلوا عليه ..، إلا أنهم هذه المرة ، يا الهي ، قد اختاروا كتابك العزيز : القرآن الكريم ، موضوعا لجريمتهم الشنيعة . طالعت الصور ، يا الهي ، فتملكت وعيي وتفكيري ثورة من الغضب الهائج الممزوج برغبة عارمة للانتقام اقتصاصا ممن تجاسروا على كتابك العزيز ومن يقودهم ومن يقف ورائهم . ولا أراني ، يا مولاي ، منفردا فيما تملكني من غضب ورغبة في الانتقام ، لأني على يقين مستقر بأن مثل ذلك ، أو بما هو أكثر منه ، قد أحاط من قبلي بمن أرسل لي بصور هذه الجريمة الشنعاء ، وبالكثيرين من عبادك العرب والمسلمين الذين اطلعوا عليها ، أو حتى سمعوا بها ..، فلو مسحنا وجه هذه البسيطة تفتيشا من شمالها حتى جنوبها ، ومن شرقها حتى غربها ، فهل سنجد بين هذه المليارات من البشر أنسانا واحدا ، وأيا كان عرقه أو لونه أو لسانه أو دينه ، يستطيع إن يكظم غيظه أو يتمكن من إن يكبت ثورته على من يهين مقدساته أو يسيء لعقيدته أو يتعدى بوضيع الفعل أو القول على رموزه الدينية ..، إلا إن يكون منافقا أفاقا يزعم الإيمان بدين وهو من المتعلقين قلبا وهوى بسواه ، أو ديوثا بكل ما في هذه الكلمة من معنى ، إذ من لا غيرة له على دينه ومقدساته ورموزه ، لن تكون له غيرة حتما على عرضه وشرفه . أريد إن أقول ، يا الهي ، إن من حقنا كبشر ، ومن واجبنا كمسلمين ، إن نرد انتقاما على مرتكبي هذه الجريمة الشنعاء ..، لذا ، ومع تصاعد لهيب الثورة في عقلي وضميري ، واشتعال نيرانها نجيعا ينساب كالحمم داخل عروقي ، وددت حينها ، يا الهي ، لو انقلبت الحروف بيدي نبالا لأفقأ بها عيون المتطاولين على كتابك العزيز ومن والاهم ، وتمنيت لو تحولت الكلمات رؤوسا لرماح أغرسها في صدورهم ، وتمنيت لو غدت الجمل والعبارات نصالا لسيوف أشظى بها رؤوسهم الخاوية إلا من دناءتها وعدوانيتها وخستها. تمنيت كل هذا ، ولم أزل أتمناه ... وعفوك ، يا الهي العظيم ، فلست من المروجين للعنف بين بني الإنسان ، ولست ممن يدعون إليه ، ولكنه الرد المشروع على من يوغلون بلا أي مبرر في العدوان علينا . فلقد إمرتنا ، يا مولاي ، ونحن لأمرك من الممتثلين الطائعين ، فقلت وقولك الحق : ((وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ فَيَسُبُّواْ اللّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِم مَّرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ))(الإنعام/108) ..، ومع إننا ، يا الهي ، وأنت المحيط علما بما أعلنا وما أخفينا ، لم نتطاول على كتاب يؤمنون به ويقدسونه ، ولم نسيء لنبي يتبعونه ويبجلونه ، ولم نحط من قدر شعائر يعظمونها ، ولا طقوس يتعبدون بها ..، لأننا مأمورون أيضا بالإيمان بجميع أصفيائك من الرسل والأنبياء عليهم وعلى نبينا الكريم أفضل الصلاة والتسليم ، ومأمورون كذلك بالإيمان بكل ما ثبت نزوله عنك سبحانك من كتب وتعاليم وشرائع ، فلقد قلت وقولك الحق : ((آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ))(البقرة/285) .. إلا أنهم ، يا الهي ، منذ مئين من السنين ، ما انفكوا يتطاولون على كتابك العزيز .. قرآننا المجيد ، ويسيئون لأفضل خلقك أجمعين .. رسولنا الأمي الأمين أفضل الصلاة عليه وأتم التسليم ، ويعتدون على مقدساتنا وشعائرنا ، وينتهكون حرماتنا . لم ينفكوا ، يا مولاي ، منذ أجدادهم الغابرين يحاربون دينك ويفسدون في أرضك ، فيحق فيهم قولك الفصل :((إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ))(المائدة/33) . العدل أذن ، يا الهي ، كل العدل ، إن تنفذ كلماتك بحق كل مفسد أثيم .
غير إنه من سنن خلقك الثابتات ، يا الهي ، إن تظل الحروف حروفا ويمتنع عليها الانقلاب إلى نبال تفقأ أعين هؤلاء المجرمين ، وتظل الكلمات كلمات ويستعصى عليها التحول إلى رماح تفتك بصدور هؤلاء الحاقدين ، وتبقى العبارات والجمل على ما هي عليه ويستحيل إن تغدو سيوفا تقطع بالحق أوصال الفاسدين المفسدين ..، هنا ، يا مولاي ، أحسست ، كما لاشك أحس الكثيرين سواي ، بعمق المرارة من عجز الذات عن الوفاء بما تقتضيه هذه المواجهة القائمة . لقد كان الأكثر مرارة على نفسي ، يا الهي العظيم ، إن لا يكون الرد على هذه الجريمة الشنيعة بمستوى ما تستحقه من العقاب المشروع أولا ، وبمستوى ما إثارته من غضب في النفوس ثانيا ، وبمستوى ما جاهرت به نفسي لنفسي من القول ثالثا ، وكنت سبحانك وحدك المطلع والشاهد عليه . ولأننا مأمورون ، يا مولاي ، بان لا نجهر بقول ، ثم نأتي بما دونه ، أو بما لا يتوافق معه ، من الفعل ، فقد قلت وقولك الحق : ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ))(الصف/2-3) ..، وسبحانك من رب كريم تقول :((كَبُرَ مَقْتًا)) ، ولم تقل كبر بغضا أو كرها ، لان المَقتُ هو البغض الشديد لأمر قبيح ، فأي درك ذاك الذي ينحدر أليه من يقولون ما لا يفعلون ؟ .. ولأني لا أملك ، يا الهي ، من وسائل الانتقام المشروع للرد على هذه الجريمة النكراء غير الكلمات التي مهما كبرت لن تتجاوز في مضامينها حد الإدانة والشجب والاستنكار ..، فقد آثرتُ ، يا الهي ، الكف عن الكتابة في موضوع هذه الجريمة لكي لا تشت أقوالي فيها عن فعل أفتقده ويجب إن يوازي القول في النتيجة ويكافئه في الأثر ، ورأيت انه بهذا وحده أنأى بنفسي عن الوقوع في ممنوع المنهي عنه منك سبحانك ، وابقي على ما لها من الاحترام لذاتها . وبرغم هذا فاني ملزم بالاعتذار إليك ، يا الهي ، ثانية ، لأني لم أرد على مرتكبي هذه الجريمة الشنيعة ومن يقف وراءهم ومن يواليهم ومن يناصرهم لا بالقول الذي اعرفه ، ولا بالفعل الذي افتقده ، فعذرا ، يا مولاي ، ومنك وحدك العفو والغفران .. ولا حول ولا قوة إلا بك سبحانك .
العراق المحتل في 27/5/2008
عذرا يا الهي ، يا رب العالمين ..، عذرا يا ذا العزة والجبروت ..
اعتذر إليك يا الهي .. ابتداءاً ، لأني أعود إلى الكتابة واخلف عهدا مع نفسي على مقاطعتها ، ولما يمضي على مقاطعتي لها غير أيام معدودات . واني إذ اعتذر إليك عن عدم الوفاء بعهدي لمن عاهدت ، فلأنك وحدك ، يا الهي ، كنت المطلع والشاهد عليه .
وإذ يكُ ، يا الهي العظيم ، من شأن أغلب الكُتّاب عدم استطاعتهم ترك الكتابة وان رغبوا بذلك ..، فللقلم سلطان بَيّنٌ على عقولهم ، وسحر ماضٍ في نفوسهم ، وعشق يتملك أفئدتهم ..، فليس من ذلك سبب قد حملني لأخلف ما عاهدت عليه ..، فأنت الأعلم ، يا الهي ، بان عهدي قريب بهذه الصنعة الجليلة ، ولست في عالمها الفسيح إلا واحدا من الهواة المبتدئين . وأنت الأعلم ، يا الهي ، بان حبي الكبير لعراق العروبة ، وطني السليب ، وحرصي الدائم على الوفاء له ، هو ما دفعني للنكول عن ما عاهدت به نفسي . ثم انك وحدك ، يا عالم الإسرار ويا مطلع على ما تخفي السرائر ، من يعلم حقيقة ما دفعني لمقاطعة الكتابة . فلم تزل ، يا الهي ، شاخصة في ذاكرتي حتى هذه الساعة مشاهد وتداعيات ذلك الظرف القاهر الذي حملني حملا لان أقاطع الكتابة ، حين حل عليَّ وإنا منهمك في التجوال بين المواقع الالكترونية لاستكمال مادة مقالة كنت أعدها عن نظرية جديدة لعلاقات الولايات المتحدة الأمريكية بالشعوب والأمم من خارجها ..، نظرية يروج لها منذ بضعة أشهر رهط من صناع ، والمؤثرين بصناعة ، القرار السياسي الأمريكي ..، وأرى – كما رأى كثيرون من قبلي – إن ثمة بوادر متعددة على دخولها حيز التنفيذ في ميدان السياسة الخارجية للدولة الأمريكية . كنت حينها ، يا مولاي ، ولم أزل ، معتقدا إن التعريف بهذه النظرية الجديدة سيمكن أخوتي وبني وطني وأمتي ممن يشاركونني الرؤية أو الموقف أو الاهتمام من التعرف على أهم الأسس الضابطة لتفكير قادة الدولة الأمريكية وتوجهات مؤسساتها للسنوات القابلة ..، تلك الدولة العدوانية التي تحتل عراقنا العربي مند خمس سنين خلت ، وتسعى بكل ما أوتيت من أسباب القوة ، وبكل ما تدخره من أساليب العدوان ، وبكل ما تجنده من الخونة والعملاء لبسط هيمنتها الكاملة على أمة العرب وأمة الإسلام . وأحسب ، يا مولاي ، إن تلك المعرفة إذ تساعدنا جميعا على الإحاطة بمسالك واتجاهات الخطط الإستراتيجية لأجهزة ومؤسسات تلك الدولة العدوانية فلا يغيب عن بصيرتنا حقيقة ما تستهدفه ولو حرص القائمين عليها على إبعاد إبصارنا عنه بما يروجون له في تصريحاتهم وأجهزة إعلامهم من أكاذيب وتلفيقات ..، فإنها ستمكننا أيضا من الكشف المبكر عن عموم المفاصل الأساسية ، بل وحتى عن بعض من الفروع ، لمشاريعهم السياسية وتكتيكاتهم العسكرية للمرحلة القادمة . وانه ، يا مولاي ، كما اعتقد أمر على درجة فائقة من الأهمية لإدامة زخم الفعل البطولي لمقاومتنا الباسلة وتطوير أساليب مواجهتها الميدانية لتكتيكات المحتلين العسكرية وتصديها لمشاريعهم السياسية ، وبما يؤمن لفصائل هذه المقاومة المؤمنة بك سبحانك ربا ، الملتزمة بنهج نبيك الأكرم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم ، المتمسكة بثوابت دينك القويم وأصول شريعتك السمحاء ، الوفية لشعبنا بكل أعراقه وطوائفه ، البارة لانتمائنا العربي ، الذائدة عن حقوقنا وقيمنا وشرفنا وإعراضنا ومجد تاريخنا ..، أقول ، يا مولاي ، وبما يؤمن لهذه الثلة الخيرة من إخوتنا وأحبتنا وفخرنا من تسديد أنجع الضربات النوعية لفلول المحتلين وعملائهم ، وإلحاق الهزيمة بآلتهم الحربية العدوانية تدميرا في ساحات المعارك ، أو تحييدا عنها ، وفرض الفشل على مخططاتهم ومشاريعهم السياسية ، والاقتراب بعراقنا العربي وشعبه الصابر حثيثا من يوم التحرير الناجز بأذنك ومشيئتك يا رب العالمين ، فوحدك ، يا مولاي ، حسبنا ..، ووحدك ، يا مولاي ، لنا نعم النصير .
في خضم هذا الانشغال ، يا الهي ، جاءتني رسالة على بريدي الالكتروني من أستاذ ومفكر جليل ، وأخ يعربي أصيل ، تحمل بين طياتها صورا توثق لجريمة جديدة ارتكبها المحتلون الأمريكان . ومع إن المحتلين الأمريكان ، وطيلة سني احتلالهم لعراقنا العربي ، لم يفوتوا يوما إلا وسطروا فيه أبشع الجرائم وأكثرها خسة ودناءة بحق وطننا الحبيب وشعبنا الصابر ، فهذا بعض من ديدنهم الذي جبلوا عليه ..، إلا أنهم هذه المرة ، يا الهي ، قد اختاروا كتابك العزيز : القرآن الكريم ، موضوعا لجريمتهم الشنيعة . طالعت الصور ، يا الهي ، فتملكت وعيي وتفكيري ثورة من الغضب الهائج الممزوج برغبة عارمة للانتقام اقتصاصا ممن تجاسروا على كتابك العزيز ومن يقودهم ومن يقف ورائهم . ولا أراني ، يا مولاي ، منفردا فيما تملكني من غضب ورغبة في الانتقام ، لأني على يقين مستقر بأن مثل ذلك ، أو بما هو أكثر منه ، قد أحاط من قبلي بمن أرسل لي بصور هذه الجريمة الشنعاء ، وبالكثيرين من عبادك العرب والمسلمين الذين اطلعوا عليها ، أو حتى سمعوا بها ..، فلو مسحنا وجه هذه البسيطة تفتيشا من شمالها حتى جنوبها ، ومن شرقها حتى غربها ، فهل سنجد بين هذه المليارات من البشر أنسانا واحدا ، وأيا كان عرقه أو لونه أو لسانه أو دينه ، يستطيع إن يكظم غيظه أو يتمكن من إن يكبت ثورته على من يهين مقدساته أو يسيء لعقيدته أو يتعدى بوضيع الفعل أو القول على رموزه الدينية ..، إلا إن يكون منافقا أفاقا يزعم الإيمان بدين وهو من المتعلقين قلبا وهوى بسواه ، أو ديوثا بكل ما في هذه الكلمة من معنى ، إذ من لا غيرة له على دينه ومقدساته ورموزه ، لن تكون له غيرة حتما على عرضه وشرفه . أريد إن أقول ، يا الهي ، إن من حقنا كبشر ، ومن واجبنا كمسلمين ، إن نرد انتقاما على مرتكبي هذه الجريمة الشنعاء ..، لذا ، ومع تصاعد لهيب الثورة في عقلي وضميري ، واشتعال نيرانها نجيعا ينساب كالحمم داخل عروقي ، وددت حينها ، يا الهي ، لو انقلبت الحروف بيدي نبالا لأفقأ بها عيون المتطاولين على كتابك العزيز ومن والاهم ، وتمنيت لو تحولت الكلمات رؤوسا لرماح أغرسها في صدورهم ، وتمنيت لو غدت الجمل والعبارات نصالا لسيوف أشظى بها رؤوسهم الخاوية إلا من دناءتها وعدوانيتها وخستها. تمنيت كل هذا ، ولم أزل أتمناه ... وعفوك ، يا الهي العظيم ، فلست من المروجين للعنف بين بني الإنسان ، ولست ممن يدعون إليه ، ولكنه الرد المشروع على من يوغلون بلا أي مبرر في العدوان علينا . فلقد إمرتنا ، يا مولاي ، ونحن لأمرك من الممتثلين الطائعين ، فقلت وقولك الحق : ((وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ فَيَسُبُّواْ اللّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِم مَّرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ))(الإنعام/108) ..، ومع إننا ، يا الهي ، وأنت المحيط علما بما أعلنا وما أخفينا ، لم نتطاول على كتاب يؤمنون به ويقدسونه ، ولم نسيء لنبي يتبعونه ويبجلونه ، ولم نحط من قدر شعائر يعظمونها ، ولا طقوس يتعبدون بها ..، لأننا مأمورون أيضا بالإيمان بجميع أصفيائك من الرسل والأنبياء عليهم وعلى نبينا الكريم أفضل الصلاة والتسليم ، ومأمورون كذلك بالإيمان بكل ما ثبت نزوله عنك سبحانك من كتب وتعاليم وشرائع ، فلقد قلت وقولك الحق : ((آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ))(البقرة/285) .. إلا أنهم ، يا الهي ، منذ مئين من السنين ، ما انفكوا يتطاولون على كتابك العزيز .. قرآننا المجيد ، ويسيئون لأفضل خلقك أجمعين .. رسولنا الأمي الأمين أفضل الصلاة عليه وأتم التسليم ، ويعتدون على مقدساتنا وشعائرنا ، وينتهكون حرماتنا . لم ينفكوا ، يا مولاي ، منذ أجدادهم الغابرين يحاربون دينك ويفسدون في أرضك ، فيحق فيهم قولك الفصل :((إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ))(المائدة/33) . العدل أذن ، يا الهي ، كل العدل ، إن تنفذ كلماتك بحق كل مفسد أثيم .
غير إنه من سنن خلقك الثابتات ، يا الهي ، إن تظل الحروف حروفا ويمتنع عليها الانقلاب إلى نبال تفقأ أعين هؤلاء المجرمين ، وتظل الكلمات كلمات ويستعصى عليها التحول إلى رماح تفتك بصدور هؤلاء الحاقدين ، وتبقى العبارات والجمل على ما هي عليه ويستحيل إن تغدو سيوفا تقطع بالحق أوصال الفاسدين المفسدين ..، هنا ، يا مولاي ، أحسست ، كما لاشك أحس الكثيرين سواي ، بعمق المرارة من عجز الذات عن الوفاء بما تقتضيه هذه المواجهة القائمة . لقد كان الأكثر مرارة على نفسي ، يا الهي العظيم ، إن لا يكون الرد على هذه الجريمة الشنيعة بمستوى ما تستحقه من العقاب المشروع أولا ، وبمستوى ما إثارته من غضب في النفوس ثانيا ، وبمستوى ما جاهرت به نفسي لنفسي من القول ثالثا ، وكنت سبحانك وحدك المطلع والشاهد عليه . ولأننا مأمورون ، يا مولاي ، بان لا نجهر بقول ، ثم نأتي بما دونه ، أو بما لا يتوافق معه ، من الفعل ، فقد قلت وقولك الحق : ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ))(الصف/2-3) ..، وسبحانك من رب كريم تقول :((كَبُرَ مَقْتًا)) ، ولم تقل كبر بغضا أو كرها ، لان المَقتُ هو البغض الشديد لأمر قبيح ، فأي درك ذاك الذي ينحدر أليه من يقولون ما لا يفعلون ؟ .. ولأني لا أملك ، يا الهي ، من وسائل الانتقام المشروع للرد على هذه الجريمة النكراء غير الكلمات التي مهما كبرت لن تتجاوز في مضامينها حد الإدانة والشجب والاستنكار ..، فقد آثرتُ ، يا الهي ، الكف عن الكتابة في موضوع هذه الجريمة لكي لا تشت أقوالي فيها عن فعل أفتقده ويجب إن يوازي القول في النتيجة ويكافئه في الأثر ، ورأيت انه بهذا وحده أنأى بنفسي عن الوقوع في ممنوع المنهي عنه منك سبحانك ، وابقي على ما لها من الاحترام لذاتها . وبرغم هذا فاني ملزم بالاعتذار إليك ، يا الهي ، ثانية ، لأني لم أرد على مرتكبي هذه الجريمة الشنيعة ومن يقف وراءهم ومن يواليهم ومن يناصرهم لا بالقول الذي اعرفه ، ولا بالفعل الذي افتقده ، فعذرا ، يا مولاي ، ومنك وحدك العفو والغفران .. ولا حول ولا قوة إلا بك سبحانك .
العراق المحتل في 27/5/2008

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق