الخميس، 5 يونيو 2008

في ذكرى مولدك يا رسول الله ..

في ذكرى مولدك يا رسول الله .. بقلم : أبو ذر

صلوات ربي وسلامه عليك يا سيدي يا رسول الله ..
في ذكرى أشراقة نورك البهي ، ذكرى مولدك الأغر ..، يطيب لأنفسنا المثخنة بجراحها إن تنشد شفائها من نجواك ..، ويطيب لقلوبنا المثقلة بهمومها إن تلتمس راحتها في ذكراك ..، ويطيب لعقولنا المحاصرة بمشكلاتها إن تنهل حلولها من معين سنتك ..، يطيب لنا ، يا سيدي ، كل هذا ، ويحدونا إن تكون هذه الذكرى العطرة فرصة متجددة لاستلهام العبر ، وشحذ الهمم ، ورص الصفوف ، والجهاد في الله لا نخاف لومة لائم ..، دون إن نجعل منها مناسبة للغلو في الاحتفال بالذكرى يأتي على حساب الاحتفاء بشخصكم الكريم ..، ودون إن تنقلب إلى مناحة للتباكي على ماض ٍ يريد له بعضهم إن يمتد إلى يومنا وغدنا ماضٍ نبكيه . ومن هؤلاء ، سيدي ، من يحملون الناس قسرا إلى البكاء والعويل فيقحمون ذكرى وفاتك على ذكرى مولدك ، بل ويقدمونها عليها ، لا لشيء إلا ليبرروا حبسهم عقول الناس وضمائرهم في ماضٍ أصطنعوه لهم ..،إلا بئس ما اصطنعوا ، وبئس ما يصنعون .
وصلوات الله وسلامه عليك يا سيدي يا رسول الله ..
فقبل أيام ، سيدي ، داهمت أمتك حملة غبراء صفراء مدججة بسموم الحقد والكراهية والبغضاء .. الحقد على كل ما هو أنساني نبيل ، والكراهية لكل ما هو إسلامي أصيل ، والبغضاء لكل ما هو عربي جليل .. كان مبدأ الحملة أعادة نشر رسوم شائهة سبق وان خطتها أيدٍ ضالة وسوقت لها نفوس مضلة ، وكأنهم بهذه الإعادة يجترون الخبيث من أفعالهم فصدق فيهم قول الرحمن :(( إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا ))(الفرقان/44) ..، ثم تبع ذلك تكرار لرذيل من الحديث المستند للخائب من الأفكار روجت لهما وضيعة من النساء عبر برنامج مشهور يذاع مرئيا على قناة فضائية مشهورة ويديره إعلامي حمله حب الشهرة ، أو ربما سوء التقدير ، ليعاود دعوة هذه الوضيعة ، فكان بهذا التكرار شريكا لها في ملهاة فاسدة ، ومأساة مرة .. وإذا كان ، سيدي ، من غير المقبول عندنا إن يذكر اسم شُرفت به أو صفة كُرمت بها دون الصلاة والسلام عليك امتثالا لأمر صريح من ربنا القائل في محكم التنزيل :((إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا))(الأحزاب/56) ، وتطبيقا لصحيح من سنتك فأنت القائل وقولك الصدق :((أتاني جبريل فقال‏:‏ رَغِمَ أنفُ امرئ ذُكرتَ عنِدهُ فلم يصلِ عليكَ..))* ، وتبجيلا لقدرك ، وتعظيما لذكرك ، وإجلالا لمنزلتك ..، فقد كان فوق طاقتنا إن نتجاهل إعادة نشر رسوم شائهة تسيء لشخصكم الكريم ، وقد كان فوق مقدرتنا إن نعرض عن تكرار لغو وشتائم تقدح في ذاتكم الطاهرة ..، فانبرى منا فرادى وانبرى منا مجتمعين ، بالتصدي لهم باللسان والقلم ..، ولم تزل الردود تترى تعبيرا عما تجيش به صدورنا من غيرة على نبينا ، وتجسيدا لما تعتمر به نفوسنا من تبجيل لمعلمنا وقدوتنا .. وكان كل هذا ، ولم يزل ، بعضا من الإخلاص الواجب في ذمتنا لديننا الحنيف ، وبعضا من الوفاء المعقود في أعناقنا لنبينا الكريم . ومع ذلك ، يا سيدي يا رسول الله ، فأني أحسب إن ردة فعلنا الغاضبة والمشروعة على المغضوب عليهم قد أهدرت بين زحمة كلماتها ، وأضاعت بين فورة احتجاجاتها ، ما كان حري بنا الانتباه إليه والتركيز عليه..، بل إني لن أبالغ حين أقرر إن كثيرا من ردود أفعالنا قد انجرفت إلى مسلك فتح على أولئك الرسامين الضالين وتلك الكاتبة الوضيعة أبوابا للشهرة ونوافذ للظهور ما كانوا ليحلموا بها ..، فذاع صيتهم في مواطنهم مع أنهم كانوا مغمورين فيها ، وانتشرت شهرتهم بين مواطنيهم مع أنهم كانوا غير معروفين عند الغالبية منهم ، واتسع ذكرهم وزادت طلبات التعرف عليهم بين العرب والمسلمين بعد إن كانوا مجهولين تماما عند عامتهم وخاصتهم ..، وهكذا منحت الكثير من ردود أفعالنا فرص المكافأة لأؤلئك الضالين وتلك الوضيعة عن تصرفاتهم المشينة التي يفترض إن يدفعوا ثمنا لها مهانة واحتقارا وصدودا من الناس أجمعين . بل إني لن أغالي حين ازعم إن ما حققه اؤلئك الضالين وقرينتهم الوضيعة من شهرة معنوية وربح مادي سيدفع آخرين ممن هم على شاكلتهم للحذو حذوهم وتكرار تصرفاتهم المشينة بنفس أساليبهم الرخيصة ، أو ربما بأساليب أخرى أكثر رخصا ودونية مما سبقها . ثم أني ، يا سيدي ، اعتقد جازما إن من يقف وراء هذه الحملة المسمومة المسعورة هم أنفسهم من يقودون الهجمة العدوانية الشرسة علينا عربا ومسلمين ، فيغزون بلداننا ، ويحتلون أوطاننا ، ويغتصبون أرضنا ، ويقتلون شبابنا وصبياننا ، ويؤدون أطفالنا ، ويذلون شيبنا ، ويثكلون نساؤنا ، ويستحيون إعراضنا ، ويهينون مقدساتنا ، وينتهكون حرماتنا ، وينهبون ثرواتنا ، ويستبيحون إنسانيتنا ، ويسخرون من معتقداتنا ، ويدمرون مدننا .. قاتلهم الله أنى يجرمون ..، وهو ما يعني أولا ، إن تلك الرسوم الشائهة التي خطتها أيادي المضلين ، وتلك الكلمات الرذيلة التي جادت بها قريحة وضيعة نساء العالمين لم تكن نزوات فردية ، إنما هي جزء من تخطيط اعم واشمل تتبناه جهة بعينها يستهدف العرب خصوصا والمسلمين عموما . وان اؤلئك الرسامين الضالين ، ومن نشر لهم ، وتلك الكاتبة الوضيعة ، ليسوا إلا أدوات منفذة مأجورة لتلك الجهة . وهو ما يعني ثانيا ، إن الهدف الحقيقي لتلك الحملة يتجاوز مجرد الإساءة إلى محمد صلى الله عليه وسلم كذات ، وان اُفرغ شكل هذه الحملة في رسوم شائهة وكلمات رذيلة تسيء إلى شخص رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم ..، وأحسب إن اختيارهم لهذا الشكل كان مقصودا بحد ذاته ، فمن خلاله سيضمنون صرف أنظارنا عن هدفهم الحقيقي ، ويطمأنون إلى انشغالنا بسواه . ويصح بعد هذا إن نقرر إن هدفهم الحقيقي من وراء هجمتهم العدوانية الشرسة وحملتهم المسعورة المسمومة على السواء ، هو محمد صلى الله عليه وسلم كموضوع وليس كذات . فمحمد صلى الله عليه وسلم كذات لم يكن ملاكا مخلدا ، إنما خلق بشرا سويا ، وبعث بشرا نبيا ، فبلّغ الرسالة ، وأدى الأمانة ، وجاهد في الله ذروة الجهاد حتى أتاه اليقين ، وغفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، ووعده الوسيلة والفضيلة والدرجة العالية الرفيعة ، وأختصه دون جميع الأنبياء والمرسلين بالمقام المحمود ..، ثم توفاه الله بشرا منذ إلف وأربعمائة عام ، فأصبح كذات ، ومنذ ذلك الحين ، في ذمة الرحمن ..، هذه الحقيقة ، يا سيدي يا رسول الله ، قد تغيب عن كثيرين منا وقت الأزمات والملمات ، فيختل من توازننا بقدر ما تغيب عنا ..، وفي هذا الصدد أستذكر موقف صاحبك الوفي ، وصديقك الصدوق ، ورفيقك الأمين ، وخلفيتك الأول أبي بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه حين وقف مخاطبا جمع المسلمين الأوائل المضطرب بعد إن توفاك الله .. فقال فيهم :(( أيها الناس : من كان يعبد محمدا فان محمدا قد مات ، ومن كان يعبد الله فان الله حي لا يموت )) ..وصدق الصديق الصدوق ..، فقد كان الأول من بين صحبك الكرام ، والأول من بين قادتنا العظام من بعدك ، من فَهِمَ حق الفهم قوله تعالى :((وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ))(آل عمران/144) .. فأدرك حق الإدراك خطورة التركيز والتعلق بمحمد صلى الله عليه وسلم كذات دون محمد صلى الله عليه وسلم كموضوع . وترتيبا على ما تقدم أضيف فأقول : إن محمد صلى الله عليه وسلم كذات سوف لن يضره ، بأي حال من الأحوال ، رسوم شائهة ، أو كلمات رذيلة ، أو تصرفات مشينة تأمل النيل منه ، فهو الحقيقة المشرقة المشعة على مر الزمان ، والغربيون يدركون ذلك تمام الإدراك ، ويدركون أيضا إن لا سلطان لهم في تغييرها ، ولا حيلة لهم في حجبها .. ألم يختاروك يا سيدي بأنفسهم ، بعد مئين من السنين على وفاتك ، الأول في عظمته من بين أعظم مئة شخصية في التاريخ الإنساني ..؟ بلى قد فعلوا ، ولا يملك أحدا ، منهم أو من سواهم ، إلا الاعتراف بهذه الحقيقة شاءوا ذلك أم أبوا . إما محمد صلى الله عليه وسلم كموضوع فهو الإسلام دينا وشريعة وأخلاقا وحضارة وتاريخا ومصيرا ... فالإسلام مضمونه في الدين إن لا اله إلا الله ربا للعالمين ، لتسقط إلوهية كل المتجبرين في الأرض من الأكاسرة والقياصرة وحتى الأمريكان والصهاينة ، ومضمونه في الشريعة العدل والكفاية للناس أجمعين ، ليسقط الاستغلال إقطاعيا كان أم رأسماليا ، وليسقط الاستبداد فرديا كان أم فئويا ، ومضمونه في الأخلاق حسن المعاملة ومكارم الخلق ، ليسقط التعالي والاستكبار دوليا كان أم محليا ، ومضمونه في الحضارة الخير والسلام ، ليسقط العدوان والتسلط شرقيا كان أم غربيا ، ومضمونه في التاريخ والمصير الإنسان أولا .. الإنسان أولا بالمفهوم الإنساني لا بأي مفهوم مادي أو مثالي .. وهذا الذي يقلقهم ويقض مضاجعهم ، هذا الذي يتصدى لعدوانيتهم البغيضة ويحاصر طموحاتهم غير المشروعة ويتقدم ظافرا – رغم ما يحشدون من مكر وما يشيعون من أكاذيب – ليستوطن في كل عام عقول المئات من مواطنيهم في مواطنهم . ولكل هذا رأيت ، يا سيدي يا رسول الله ، إن من الضرورة الملحة إن لا تبقى تصرفاتنا في مواجهة هذه الحملة المسعورة المسمومة محصورة بالتعبير عن الغضب منها ، أو محدودة برد الفعل عليها ..، اعني لابد إن تكون لنا مبادرات متواصلة على شتى الأصعدة وأفعال مؤثرة في مختلف النشاطات لكي نوضح أصول عقيدتنا ومفردات قيمنا ومثلنا ونعرض لتاريخنا ومنجزات حضارتنا ونشرح حقيقة ودوافع ما يواجهنا من اعتداءات منظمة وتجاوزات ممنهجة ونرد بالحجة والبرهان على عدوانية الحملات المسعورة المسمومة التي تطالنا عربا ومسلمين ، ونكشف زيفها ، ونفضح غاياتها المتناقضة مع القيم الإنسانية النبيلة والمثل العليا التي تحتضنها شعوب المعمورة بمختلف أعراقها وحضاراتها وأديانها ، والمتعارضة مع القواعد والأعراف السائدة في التعامل على المستوى الإنساني الدولي ..، تلك القيم والمثل والقواعد والأعراف التي هذبها الإسلام واكسبها مضمونا إنسانيا واقرها أصولا في المعاملة بين الناس قبل إن تدفع البشرية الملايين من الضحايا قرابين لها . فبهذا وحده يمكن لنا إن ندفع عن معتقداتنا وقيمنا ومقدساتنا حقد الحاقدين عليها وكراهية الكارهين لها ، ونستوثق احترام الآخرين لها بعد إن يتعرفوا عليها حق معرفتها ويفهموها حق فهمها ، لا كما يعرضها شائهة عليهم المأجورين من مرتزقة أعدائنا وأعداء الإنسانية أجمعين ، وبهذا وحده أيضا يمكن إن نضمن إجهاض أية محاولة لتكرار مثيل لهذه الحملة مستقبلا..، وبهذا وحده سنضيف نصرا عزيزا لما تسطره فصائل الحق المبين ، مقاومتنا الباسلة في فلسطين والعراق وسواها من بلاد العرب والمسلمين ، من ملاحم العز والبطولة ذودا عن الأرض والعرض والدين .. وصلوات ربي وسلامه عليك يا سيدي يا رسول الله يوم ولدت ويوم مت ويوم تبعث حيا ..

العراق المحتل في 15/3/2008
* رَغِمَ أي أُذِل وعُفِرَ بالتراب .

ليست هناك تعليقات: