الاثنين، 22 ديسمبر 2008

ظاهرة المنتظر الزيدي

لم تكد تمضي عدة أيام على صولة المنتظر الزيدي بنعليه على رأس دولة المحتلين وكبير عصابة المجرمين بوش الرجيم ، حتى تناقلت قناة روسيا اليوم وتحت عنوان :((انتقال الحذاء كوسيلة للتعبير عن الرفض من العراق إلى أوكرانيا)) وعلى الرابط http://rtarabic.com/news_all_news/23719 هذا الخبر:((بينما كان يلقي أحد رؤساء التنسيق العام لمجلس أوكرانيا الناتو خطاب افتتاح مركز التعاون الأوروبي الأطلنطي في إحدى الجامعات بمدينة أوديسا جنوب أوكرانيا ، فوجئ بقذفه بحذاء صحفي ، تعبيرا عن رفض صاحب الحذاء على توسع الناتو في أوكرانيا. وخاطب الصحفي الطلاب قائلا: " انتم طلاب واعدون ، ولا حاجة لكم للاستماع إلى هذا الكهل الغبي "))(الخبر منشور أيضا على موقع الدار العراقية) .
فهاهو صحفي آخر ، من بلد حكومته موالية لأمريكا (كان لأوكرانيا قرابة 1600 جندي ضمن قوات الغزو الأجنبي لوطننا انتشروا ضمن محيط محافظة واسط وولوا منسحبين نهاية عام 2005 بعد إن قتل منهم نحو عشرين جنديا بحسب ادعاءاتهم) ، يقتدي بمنتظرنا ويسدد حذاءه إلى رأس من رؤوس الانتهازية السياسية عندهم ناعتا إياه بالغبي وذلك تعبيرا عن رفضه لانضمام بلاده إلى حلف الناتو .
ومع هذا فلم يردنا عن هذه الواقعة إن أية جهة صحفية في أوكرانيا قد ((استغربت)) من هذا التصرف أو أنها تعتبره ((موقف مهني محرج))..، كما فعل من قبلها مجلس نقابة الصحفيين العراقيين الذي جاء في بيان له عقب جلسة عقدها بكامل أعضاءه ما نصه : إن ((ما قام به مراسل قناة البغدادية خلال المؤتمر الصحفي من تصرف شخصي غير مسبوق وبعيداً عن أصول المهنية جعل نقابتنا في موقف مهني محرج)) .. وأضاف البيان : ((وإشارة إلى ما تقدم فان استغرابنا لهذا التصرف الشخصي غير المسوؤل إنما يأتي من باب المسؤولية للحفاظ على حرية الرأي باستخدام الأساليب الديمقراطية المتبعة في الدول المتحضرة)) . ويبدو إن السبب وراء هذا التباين في المواقف إن أوكرانيا ليست من الدول المتحضرة !! ، وبالتالي فان مؤسساتها الصحفية لا تبالِ - كما هو حال مجلس نقابة الصحفيين العراقيين- بالحفاظ ((على حرية الرأي باستخدام الأساليب الديمقراطية )) !!.. ويبدو أيضا إن مجلس نقابة الصحفيين العراقيين أكثر تحضرا من الاتحاد الدولي للصحفيين الذي اصدر بيانا حول صولة منتظرنا الزيدي جاء فيه بالنص :((أنه يجب إطلاق سراح الصحفي العراقي الذي رمى حذاءه نحو جورج بوش بسبب الدور الأمريكي في العراق ويرى الاتحاد الدولي للصحفيين أن احتجاج الصحفي يمكن أن يعكس الإحباط الشديد الناتج عن سوء معاملة المواطنين العراقيين أثناء الاحتلال الأمريكي للعراق خلال السنوات الأربع الماضية حيث كان الصحفيون احد الضحايا الرئيسية)) . وسبحان الله ، إذ بينما يصف الاتحاد الدولي للصحفيين صولة منتظرنا الزيدي بأنها تعكس ((الإحباط الشديد الناتج عن سوء معاملة المواطنين العراقيين)) وبما يعني تماما إن الاتحاد يقيم تصرفه على انه تعبير عن إرادة ومعاناة شعبية ، يصر مجلس نقابة الصحفيين العراقيين ويكرر لأكثر من مرة بيانه المعلن على إن صولة منتظرنا الزيدي كانت ((تصرفا شخصيا)) !! . وعلاوة على ذلك ، لم يفوت نقيب الصحفيين العراقيين هذه الفرصة ليدلو بدلوه توكيدا لموقف مجلس نقابته المنافق والبعيد كل البعد عن أية قيمة وطنية ومهنية ، فصرح قائلا : أن ((ما حصل يعبر عن احتقان شخصي رغم أنه ليس من أدوات العمل الصحفي)) !!.. ولكن بماذا يفسر من نُصِبَ نقيبا على الصحفيين العراقيين الموقف الموحد للملايين من أبناء شعبنا الصابر بتبني صولة منتظرنا الزيدي واعتمادها تعبيرا حقيقيا وبليغا عن ما في نفوسهم من الآلام وما في ضمائرهم من معاناة جراء الاحتلال الأمريكي الغاشم لوطننا ؟ .. ثم بماذا يفسر الموقف الموحد لمئات الصحفيين والكتاب والشعراء والمثقفين العراقيين ؟ .. ونقول العراقيين حصرا ليس جهلا بالأقلام العربية الحرة التي سطرت أروع كلمات التأييد لصولة منتظرنا الزيدي ، ولا تجاهلا للألسن اليعربية الفصيحة التي تنادت بابلغ عبارات المساندة له ولها ، فلا يبخس حق أبناء عمومته الاصلاء أصحاب المواقف القومية النبيلة إلا من هو عاق لأمة العرب أو حاقد عليها ..، وإنما نقول العراقيين حصرا لنحاجج ذاك المُنصّب نقيبا على صحفيي العراق بالموقف الموحد لمن يزعم هو تمثيلهم . أم تراه لا يرى فيما توحد عليه أبناء العراق الغيارى ونخبهم المثقفة من موقف وطني إلا تعبيرا عن احتقان في شخص ذواتهم ؟ .. إننا على يقين بأن كل ذي بصيرة لبيب لن يخطئ في التعرف على ما يقف وراء موقف مجلس نقابة الصحفيين العراقيين ونقيبها من رؤية منافقة ودوافع مرائية هدفها الكسب الشخصي والتزلف لحكومة المحتلين على حساب حرية وطننا واستقلاله وهموم أبناء شعبنا ومآسيهم بشكل عام ومعاناة الصحفيين منهم بشكل خاص . ولا ينخدعن احد بما روج له مجلس النقابة ونقيبها من مبررات متهافتة لموقفهم المشين ، فيكفينا في هذا المقام إن نشير ونشيد في آن معا بالموقف الوطني الأصيل لنقابة المحامين العراقية ونقيبها العراقي الأستاذ ضياء السعدي .. فأين الثرى من الثريا ؟ .. ويا لخسران صحافة ذاك مجلس نقابتها ، ويا لخسران صحافة ذاك نقيبها .. بل قل يا لبؤسهم معا حين يتصنعون ((المهنية)) ويتعمدون حجب حقائق الأمور بغربال مهلل ...
كما ولم يردنا عن هذه الواقعة الجديدة أن ثمة زملاء مهنة لذلك الصحفي الأوكراني قد سابقوا حراس الأمن على طرحه أرضا ثم تدافعوا وتناطحوا فيما بينهم على ضربه والتنكيل به كما فعلها بعض النطاحين ممن يزعمون ((زمالة المهنة)) لمنتظرنا الزيدي ..، ولم يردنا أيضا إن ثمة أصوات نشار قد نالت من شخصه أو حطت من فعله أو تذاكت عليه بمزايدات رخيصة من الكلمات بمثل الأصوات النشاز من التي انبرت للنيل من شخص بطلنا الهمام منتظر الزيدي عبر توافه مداخلاتها الزاعمة زعما زائفا معرفتها بعلوم النفس الإنسانية ، والتي انخرطت في سعار لاهث للحط من صولته بفعلها الشجاع ودلالاتها الوطنية عبر وضيع تحليلاتها المدعية ادعاءا واهيا درايتها بفقه القوانين أو بالأعراف والتقاليد الاجتماعية . ولم يردنا أي من ذلك ليس لان أوكرانيا تخلو من الأصوات الناشزة ، فالحقيقة انه ما من مجتمع أنساني يخلو منها ، غير إن أصوات المداحين الرداحين الشاتمين اللاطمين من جوقة حكومة المحتلين وأحزاب العهر السياسي المطبلين للديمقراطية الأمريكية الندابين للمظلومية الصفوية المهللين للعرقية والطائفية مدعي الثقافة ومنتحلي المهنية المتسكعين بين مسالك الخيانة المتناحرين على فضلات موائد السحت الحرام المستقتلين أبدا في المبالغة بولائهم وطاعتهم للمحتلين الأوباش ..، هي الأبشع نشازا والأشد نكرا من كل أصوات الخلائق المنكرة . ولأنها أصوات نشاز منكرة ، ولأنها صادرة عن نفوس مردت على الخسة والدناءة والدونية .. فهي لا تستحق عناء الانتباه لها فضلا عن عناء الرد عليها ..
على أية حال ، فها هي صولة منتظرنا الزيدي التي أسست لأسلوب عراقي شعبي جديد في مقاومة الاحتلال الأمريكي الغاشم ورفض خططه ومشاريعه الاستعمارية ، والتي أثلجت صدور العراقيين والعرب والمسلمين المستعرة من استمرار عدوان المحتلين الأمريكان وظلمهم ، والتي أفرحت سائر شعوب المعمورة المنكوبة بالهيمنة الامبريالية الأمريكية ، والتي أذلت جبروت أمريكا المتغطرسة وأطنبت بتمريغ كبريائها وطغيانها في الوحل ، والى الحد الذي جعلت من رأس دولة المحتلين ، الذي مابرح يختال كما الطواويس ويكرر كما الببغاوات قيادة دولته المارقة للعالم الحر ، محلا للشماتة والتندر على جميع الألسن ، وهدفا تصوب نحوه كل حين الملايين من أحذية الناس ومن كل فج عميق ..، ها هي صولة منتظرنا بحلتها الوطنية الأصيلة تتحول اليوم إلى ظاهرة صحفية عالمية في التعبير عن رفض التبعية للأجنبي ومناهضة الانقياد وراء المشاريع الامبريالية الأمريكية ..، فحري بنا إدامة الاحتفاء بها والإشادة بصاحبها وموتوا بغيضكم يا من كنتم وستبقون دون الحذاء مرتبة ..

العراق المحتل في 22/12/2008

السبت، 20 ديسمبر 2008

هذه الاتفاقية ح 5 ( الاخيرة )

( 5 ) تواجد غير محدد بعدد معين وغير محصور بزمان معين للقوات المسلحة الأمريكية بشتى صنوفها مع من يساندها من المرتزقة والطفيليين على عموم الإقليم العراقي ، وحرية مطلقة في إنشاءها للقواعد العسكرية ومخازن الأسلحة على أية رقعة من ارض العراق إلى جانب ما هو مشيد منها الآن ، وتصريح غير مقيد لطائراتها وسفنها وآلياتها بمختلف أنواعها وبغض النظر عن إعدادها بارتياد الإقليم العراقي واستخدام كافة مساحاته وممراته ومسالكه جوا وبحرا وبرا ، وحق حصري لإفراد تلك القوات والمتعاقدين معها بحمل السلاح وحيازته واستخدامه تحت مظلة الدفاع الشرعي ، وتجريد كامل للقضاء العراقي من ولايته على ما يرتكبونه جميعا من جرائم وانتهاكات بحق العراقيين وممتلكاتهم ، وعدم خضوعها لسلطان القوانين والأنظمة العراقية النافذة في أي شأن من شؤون نشاطها داخل الإقليم العراقي ، وممارسة حرة في تصدير واستيراد ما تشاء من السلع والأشياء دون النظر لمشروعية المتاجرة فيها ومعفاة من الضرائب والرسوم وأية ضوابط تنظيمية سارية ، وتنازل مبرم عن كافة المطالبات والتعويضات المادية والأدبية سواء ما كان منها عن وقائع سابقة أو لاحقة ...، هذا بعض من صور ((السلطة الممتازة)) التي منحتها هذه الاتفاقية للمحتلين الأمريكان ، فما الذي منحته للعراق ؟
لاشيء .. فعلا لاشيء . فانسحاب قوات المحتلين ((من المدن والقرى والقصبات العراقية في موعد لا يتعدى تاريخ تولي قوات الأمن العراقية كامل المسؤولية عن الأمن في أية محافظة عراقية ، على إن يكتمل انسحاب قوات الولايات المتحدة من الأماكن المذكورة أعلاه في موعد لا يتعدى 30 حزيران عام 2009 ميلادي))( المادة الرابعة والعشرون-2) كذبة خرقاء يفضح الواقع زيفها حيث تشهد المحافظات والمدن التي تزعم قوات المحتلين تسليم ملف الأمن فيها إلى ما تسميه ((السلطات المحلية)) استمرار انتشار وتواجد تلك القوات وتواصل نشاطاتها المسلحة ضد أبناء شعبنا فيها . كما إن الزعم بانسحاب قوات المحتلين ((من جميع الأراضي والمياه والأجواء العراقية في موعد لا يتعدى 31 كانون الأول عام 2011 ميلادي))(المادة الرابعة والعشرون-1) ، هو مجرد أكذوبة بلهاء يدحضها تكرار تعهد المحتلين في غير موضع من اتفاقيتهم سيئة الصيت على حماية وترسيخ ما أقاموه من نظام سياسي عميل قائم على أساس من المحاصصة البغيضة طائفية كانت أم عرقية أم مناطقية ، وما استحدثوه من نظم قانونية واقتصادية واجتماعية تعمل على تفتيت وحدة العراق أرضا وشعبا وسلخه عن انتمائه القومي وطمس هويته العربية الأصيلة ، وتعهدهم أيضا بدعم حكومتهم العميلة وضمان أمنها واستمرار وجودها (الديباجة والمواد الرابعة-1 والسابعة والعشرون-1و2) . إما عن مضغتي الرميم ، الخروج من الفصل السابع (المادة الخامسة والعشرون) وحماية الأصول العراقية (المادة السادسة والعشرون) ، والتي ما انفك عملاء المحتلين وسائسيهم يلوكون بهما تبريرا وتمريرا لهذه الاتفاقية ، فالمؤكد إن الهدف من وراءهما هو استبدال وصاية مجلس الأمن الدولي على أموال وشؤون الدولة العراقية بوصاية أمريكية مباشرة . غير ذلك فأن جميع ما نصت الاتفاقية على إعادته للسلطات العراقية قد عادت ووضعته تحت سيطرة المحتلين ، مثاله ما نصت عليه من نقل ((المراقبة والسيطرة على المجال الجوي العراقي إلى السلطات العراقية))(المادة التاسعة-3) ، تم أعادته للمحتلين تحت زعم ((دعم مؤقت للسلطات العراقية في القيام بمهمة مراقبة المجال الجوي العراقي والسيطرة عليه))(المادة التاسعة-4) ، ومثاله أيضا ما جاء بالنص ((تمتلك حكومة العراق جميع الترددات ، وتتولى السلطات العراقية تخصيص ترددات لقوات الولايات المتحدة))(المادة الحادية عشرة-2) ، ثم عادت فمنحت قوات المحتلين ((حق استخدام الوسائل والخدمات الضرورية الخاصة بنظمها لضمان القدرة الكاملة (أي دون شريك أو رقيب) لتشغيل نظم الاتصالات))(المادة الحادية عشرة-3) . ومثاله أيضا ما جاء في صدر المادة الثامنة والعشرون بتولي ((الحكومة العراقية المسؤولية الكاملة عن المنطقة الخضراء)) مع بدء سريان الاتفاقية ، ثم ما لبثت إن تراجعت عن ذلك ، وفي ذات المادة ، لتنيط مهام الأمن الرئيسية في تلك المنطقة بقوات المحتلين .
وبعد .. فهذه هي اتفاقيتهم التي يتفاخرون بإبرامها بما منحته من ((سلطة ممتازة)) لسائسيهم المحتلين على سائر الإقليم العراقي وما فيه وما عليه . هذه هي اتفاقيتهم التي يزايدون بمكاسبها بما سلبت من مصالح العراق وحقوقه المشروعة . هذه هي اتفاقيتهم التي صادقوا عليها في مسخرة غير مسبوقة حين ضمّنوا قانون التصديق عليها بندا مفاده :((تعرض (اتفاقية انسحاب القوات الأمريكية من العراق وتنظيم أنشطتها خلال وجودها المؤقت فيه) على الشعب العراقي للاستفتاء الشعبي العام في موعد أقصاه يوم 30 تموز2009))(المادة2-أولا من قانون تصديق الاتفاقية) ، أي بعد أكثر من ثمانية أشهر على توقيعهم لها وتصديقهم عليها ، وبعد سبعة أشهر كاملة على دخولها حيز النفاذ (المادة الثلاثون-4) . فأية صفاقة تلك التي تتملك عقول أولئك الخونة العملاء حين توافقوا على عرض ما صادقوا عليه بعد سبعة أشهر كاملة على دخوله حيز النفاذ وتحوله واقعا قانونيا قائما على رؤوسهم ؟ .. وأية حماقة تتلبس نفوسهم الضالة المضلة حين توهموا بأنهم بهذه الفقرة البائسة إنما أسغفلوا هذا الشعب وضمنوا تمرير ما ابرموه وصادقوا عليه ؟ ..
على أية حال ، ومع وضوح موقف شعبنا القاطع برفض هذه الاتفاقية وكل ما يتمخض عنها ، ومع تواصل ضربات الظفر التي تكيلها طلائعنا الباسلة المقاومة للمحتلين وصنيعتهم ، فأن مآثر الإباء والشهامة والنخوة الضاربة في أعماق تاريخنا المجيد والتي يتوارثها أبناء شعبنا فرادى وجماعات جيلا بعد جيل لم تتأخر في الرد على صفاقة أولئك الخونة العملاء وحمقهم وعلى ما ابرموه وصادقوا عليه فجاءت صولة المنتظر الزيدي بنعليه على رأس دولة المحتلين وكبير عصابة المجرمين لتؤكد ثبات موقف شعبنا الصابر على رفض مشاريع المحتلين ومناهضة خططهم وأجنداتهم الرامية لترسيخ احتلالهم لوطننا العزيز وشرعنة اغتصابهم له ، ولتعلن للعالم أجمع استمرار مقارعة هذا الشعب العظيم لمحتليه الأوباش وإذنابهم الأقزام ومواجهته الشجاعة لهم بأساليب لن تتوقف عند حدود ما هو تقليدي ومتاح من أسلحة القتال وأدوات المقاومة عند كل الشعوب ، وإنما تتعداهما إلى أساليب متجددة في المقاومة وطرق مبتكرة ومتفوقة في التعبير عن الرفض تنضحان عن عقل شعب يعربي هو الأول معرفة وحضارة ورقيا بين كل شعوب الدنيا . وقطعا لن تكون صولة المنتظر الزيدي بنعليه على رأس دولة المحتلين وكبير عصابة المجرمين هي آخر ملاحم المجد ولا ختام وثبات العز لشعبنا الصابر ضد محتليه وجلاديه ، فالأيام القادمات ستحمل لهم بالتأكيد المزيد من صولات الحق ، والمزيد أيضا على رؤؤسهم من كل نعال جديد ..

العراق المحتل في 20/12/2008

الاثنين، 15 ديسمبر 2008

دعوني أقبل منتظرا ..

دعوني أُقبلُ منتظرا .. دعوني أُقبلُ كلتا يديهِ .. دعوني أُقبلُ منه ذاتَ اليمين وذاتَ الشمالِ .. شمالُهُ البارة التي أستجابت بكل حميتها ليمنيه الحرة حين أستصرختها بأسم العراق ، كل العراق ، قائلة : يا أختُ هو ذا الوغدُ قاتلُ أحبتنا ، هو ذا المجرمُ ميتم أطفالنا ، هو ذا الظالمُ مُثكِلُ أمهاتنا وأخواتنا ، هو ذا الدوني مستبيح شرفنا ، هو ذا الوضيع منتهك أعرضنا ، هو ذا الزنديق مدنس مقدساتنا ، هو ذا الفاسد المفسد محتل أرضنا العابث بوطننا ، هو ذا شيطان العصر ابن شياطين كل العصور ..، فلتعينينني يا أخت عليه .. ألم يأمرنا رب العزة الذي لا نسجد لسواه إن نرجم الشيطان ..، هو ذا يا أخت شيطانهم ، فلنرجمنه بما دون أرجلنا ، ولنحييّ معا منسك التقوى الذي ورثناه عن أبينا إبراهيم الخليل صلوات ربنا وسلامه عليه ، ولنوفِي معا بما علينا من دَِينٍ لشعب ننتمي له ونحبه ولوطن نعتز به ونجله .. أجابتها ذاتَ الشمال : لبيك وسعديك يا أخت ، والله لن تكوني إلا أنتِ رأس الحربة في صولتنا على رأس ذاك الأفاق الأثيم ..
دعوني أُقبلُ منتظرا .. دعوني أُقبل من انتظرناه طويلا .. دعوني أقبل كلتا يديه ، وأعفرُ وجهي براحتيهما الطاهرتين ..، الله ما أزكى عطرهما .. عبير تراب الرافدين ينضح منهما ..
دعوني أُقبلُ منتظرا .. دعوني أُقبل ليث العراق الزيدي ، وأباهي به نسبا .. الله ما أسعدكِ يا أمهُ بين أمهاتنا ، فهذا نبتكِ الطاهر يورق رفضا ومقاومة .. الله ما أفخركَ يا أبيهِ بيننا ، فهذا زرعكَ المبارك يثمرُ غيرةً ونخوةً .. الله يا لكبرياء عشيرته بين عشائر العراق ، فهذا شبلها الفحل قد لطم الباطل بنعله ..
دعوني أُقبل منتظرا .. دعوني أُقبل فارس الكلمة الحرة الملتزمة ، بل فارس كل الكلمات .. فمن قال أن بالرصاصة وحدها تتحرر الأوطان ؟
دعوني أُقبل منتظرا الصوتٌ المندفعٌ من عمق جراحات العراق ، والفعلُ الثائرُ من عميق آلامنا ، المتأجج من أنين اليتامى .. من عويل الثكالى .. من مر المهانة ..
دعوني أُقبلُ منتظرا .. دعوني أُقبل رأس الشهم ، العراقي الغيور ، العربي الأصيل .. دعوني أقبل من سيظل ابد الدهر عنوانا لمجدنا ..
دعوني أُقبل منتظرا .. وأبصق بوجه كل من يعاديه ، وكل من يمس شخصه وفعله البطولي ..
دعوني أُقبل منتظرا وأصيح بعلو الصوت .. الله الله يا عراق .. هذا بعض نصرك ، بعض غضبتكَ ، ووالله لن يغادركَ نصر ، لن يفوتكَ ظفر .. مادام فيك قيصر ، ومادام فيك منتظر ..

العراق المحتل في 15/12/2008

الأحد، 14 ديسمبر 2008

هذه الاتفاقية ...ح4

( 4 ) برغم دأب المحتلين الأمريكان المتواصل دون انقطاع أو فتور على الترويج لـ((شرعية)) احتلالهم للعراق العربي ، و((مشروعية)) ما يترافق معه من تصرفاتهم وسلوكياتهم وأجنداتهم ، وذلك عبر كل ما هو متاح لهم من قنوات السياسة والدبلوماسية وما هو تحت قبضتهم من وسائل الدعاية والإعلام ..، إلا أنهم يدركون ، لاشك يدركون – وطبقا لما يتبجحون هم أنفسهم التمسك به من معايير حقوق الإنسان وقواعد القانون الدولي وشرعة الأمم المتحدة- ، إن ما يوغلون به من عدوان ، وما يرتكبونه من الجرائم والانتهاكات السافرة ، وما يلحقونه من الخراب والتدمير بالعراق العربي وأهله ..، أنما يرتب عليهم مسؤوليات مادية وأدبية سيجبرون على أدائها كاملة غير منقوصة طال زمان احتلالهم لعراقنا أم قصر . والمحتلون الأمريكان إذ يدركون هذه الحقيقة فأنهم يجهدون أنفسهم مبلغ الجهد في محاولات لا تنتهي للحيلولة دون وقوعها أو على الأقل لتلافي أشد تبعاتها عليهم ، اعني المسؤوليات المادية . وتوكيدا لذلك ، وبناءً على ما منحته لهم اتفاقيتهم سيئة الصيت من ((سلطة ممتازة)) على الإقليم العراقي وما فيه وما عليه ، فقد جاء فيها :((يتنازل الطرفان عن حق مطالبة الطرف الآخر بالتعويض عن أي ضرر أو خسارة أو تدمير يلحق بممتلكات القوات المسلحة أو العنصر المدني لأي من الطرفين)) ثم تضيف ((أو المطالبة بتعويض عن إصابات أو وفيات قد تحدث لإفراد القوات المسلحة والعنصر المدني والناجمة عن تأديتهم واجباتهم الرسمية في العراق))(المادة الحادية والعشرون-1) . ومع إن النص قد استهل بكلمة ((الطرفان)) ، إلا إن الواضح منه تماما إن المقصود بشطره الأول هو الجانب العراقي تحديدا ، وان المقصود بشطره الثاني هو الجانب الأمريكي حصرا ، وذلك لان التنازل عن حق التعويض وان كان ملزما لكلا الطرفين بموجب النص ، إلا إن مضمون هذا التنازل ليس موحدا لكل منهما ، فبينما حصر الشطر الثاني من النص تنازل المحتلين عن حق التعويض بحالات الإصابة والوفاة ((الناجمة عن تأديتهم واجباتهم الرسمية في العراق)) ، وبما يفهم منه إن أية حالة إصابة أو وفاة أو ضرر تحل بقوات المحتلين أو بعناصر المرتزقة والطفيليين الساندة لها أو المتعاقدة معها وتكون خارج نطاق واجبهم الرسمي ]حصرت الاتفاقية بالمحتلين وحدهم سلطة القرار بما هو رسمي من واجبات قواتها ومن بمعيتهم (المادة الثانية عشرة-9)[ لا يشملها التنازل وتكون موجبة للتعويض ..، جاء التنازل في الشطر الأول من النص –الذي يخص الجانب العراقي تحديدا- عاما غير مقيد . علاوة على ذلك فإن النص في هذا الشطر قد جاء مطلقا من حيث الزمان بحيث تخضع لإحكامه كل حالة ضرر أو تدمير موجبة للتعويض ألحقتها ، أو تلحقها ، قوات المحتلين ومن بمعيتهم بالعراقيين منذ انطلاق عدوانهم على العراق ولأي وقت تبقى فيه تلك القوات ومن بمعيتها على الأرض العراقية ، فتدخل ضمن ما توجب الاتفاقية التنازل عنه . وإضافة لما سبق بيانه فان النص في هذا الشطر جاء مخصوصا بالعراقيين . أي إن التنازل عن حق التعويض ينحصر بالعراقيين أشخاصا وبممتلكاتهم أموالا دون سائر من طالهم الضرر أو حل بهم التدمير بفعل أو بتسبب من قوات المحتلين ومن بمعيتها من المرتزقة والطفيليين !! . بمعنى إن كل متضرر من قوات المحتلين ومن بمعيتهم ، بشخصه كان الضرر أم بماله ، يحق له المطالبة بالتعويض عن ما أصابه من الضرر (المادة الحادية والعشرون-2) ويشترط لذلك فقط إن لا يكون عراقيا . ويستوي بعد هذا إن يكون من جنسية دولة أخرى أم بلا جنسية أصلا ، ويستوي أيضا إن يكون مقيما بصفة مشروعة في العراق أم من المتسربين خلسة إليه ، ويستوي كذلك إن يكون من عناصر مخابرات الدول التي ما انفكت تسرح وتمرح منذ خمس سنين على طول ارض العراق وعرضها أم من عصاباتها التي ما برحت تعيث فسادا وتنخر نخر الأرضة بالعراق أرضا وشعبا .
وليس هذا كل شيء ، فقد جاء في هذه الاتفاقية :((يحتفظ الطرفان بحق الدفاع الشرعي عن النفس داخل العراق كما هو معرف في القانون الدولي النافذ))(المادة الرابعة-5) . غير إن حق الدفاع الشرعي الذي يمنحه هذا النص لطرفي الاتفاقية ، لا يمكن – عمليا- إلا إن يكون لأحدهما دون الآخر ، حيث يفترض بالطرف الآخر في الاتفاقية (حكومة المحتلين) أن تكون هي صاحبة السيادة في البلاد ، وان ممارستها لسيادتها تخولها وحدها السلطة المطلقة في ردع أي تحدٍ لسلطانها الداخلي على سائر الإقليم العراقي وما فيه وما عليه ، وبالتالي فليس ثمة ما يدعو لتبرير ردعها للخارجين عن سلطانها داخليا تحت زعم حق الدفاع الشرعي ، إنما هو مظهر أصيل من مظاهر ممارستها لسيادتها على البلاد . أذن لامناص من إن يكون النص على حق الدفاع الشرعي محصورا بالمحتلين الأمريكان وحدهم .
ولكن ضد مَن تقرر الاتفاقية هذا ((الحق)) ؟ .. بديهي إن أي من طرفي الاتفاقية لا يمكن إن يكون ندا للآخر ، وليس مصدر البداهة في ذلك كون احد طرفي الاتفاقية عميلا للآخر وحسب وإنما لان هذه الاتفاقية – وكما عرفها أصحابها- هي اتفاقية أمنية ، وان إبرامها لابد كان يستند على ثقة متوطدة بين طرفيها ، وان الثقة بين أي طرفين منبعها الإحساس المتبادل بينهما بالأمان إلى الآخر . كما ولا يتصور تحت أي ظرف قيام أي وضع عدواني بين طرفيها ، وليس مصدر انعدام التصور هنا كون أحدهما صنيعة الآخر وحسب وإنما لان هذه الاتفاقية – وكما وصفها أصحابها- ترسي تعاونا ((مبني على أساس الاحترام الكامل لسيادة كل منهما))(الديباجة) . فلم يبقى إلا إن يكون حق الدفاع الشرعي الذي تحصره الاتفاقية بالمحتلين الأمريكان مقررا لمواجهة أي فعل مقاوم لاحتلالهم وأي تصرف مناهض لوجودهم ينهض به شعبنا الصابر .
والحقيقة إن فقه القانون الدولي يجمع على ضرورة إن يكون هناك عدوانا مسلحا مفاجئا ودون أي مسوغ مشروع من دولة ، نعم .. دولة وليس شعب محتل ، على أخرى ليكون للثانية الحق بالدفاع الشرعي ردا على ذلك العدوان ..، هذا في حين إن جميع أفعال الشعوب التي تستهدف مقاومة محتلي أراضيها وجميع تصرفاتها التي تناهض وجودهم تدخل ضمن دائرة حقها في الدفاع الشرعي عن وجودها الذي قررته المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة ، وضمن حقها في مقاومة الاستعمار الأجنبي الذي نص عليه القرار الاممي رقم 2787/1971 ، وحقها في الكفاح المسلح من اجل الحرية وتقرير المصير الذي أرسته الجمعية العامة للأمم المتحدة في قرارها المرقم 3214/1974 ، وحقها في مقاتلة المحتلين بكافة الوسائل المتاحة لها الذي أكدته لجنة حقوق الإنسان في قرارها 19/1989 ...، إلا إن جهود المحتلين الأمريكان ، وطيلة عقود ماضية ، تتظافر مع جهود حلفائهم الصهاينة للترويج لرؤية منحرفة عن حق الدفاع الشرعي دوليا بحيث يحرموا الشعوب من حقها المشروع في الدفاع عن وجودها وحريتها وفي ذات الوقت يسلبوا الدول حقها في الرد المشروع دفاعا عن سيادتها واستقلالها ، وكل ذلك ليضفوا المشروعية على أنشطتهم العدوانية فيما بات يطلقون عليه تسمية ((مكافحة الإرهاب)) .. وها هم اليوم صنائعهم من العملاء الخونة يؤازرون مسعاهم ويعضدون خطاهم فيما صادقوهم عليه من حق مزعوم للدفاع الشرعي ، وهو في حقيقته ليس إلا انتقام من شعبنا الصابر وطليعته المقاومة الباسلة سجلوه نصا في اتفاقيتهم سيئة الصيت ..، فلينظر كل ذي عقل لبيب إلى أي مدى يوغل المحتلون الأوباش في استهانتهم بدماء العراقيين وحقوقهم ، وليتمعنوا إلى أي درك من الخيانة والعمالة انحدر صنائعهم الأقزام من المنصبين حكومة لسائسيهم .

العراق المحتل في 13/12/2008

السبت، 6 ديسمبر 2008

هذه الاتفاقية ...ح3

( 3 ) حينما قال ملك فرنسا لويس الرابع عشر (1638-1715) :((الدولة هي أنا))..، لم يكن يلغِ ذلك الكيان المعنوي الذي أسمه الدولة والذي يقف هو على رأس السلطة فيه وحسب ، أنما كان إضافة إلى ذلك ينصب من نفسه بديلا عنها بكل ما تتضمنه من مؤسسات وما تقوم عليه من نظم وتشريعات وقوانين وما تجسده من سلطة للشعب الفرنسي على إقليمه برا وبحرا وجوا . ولان ذلك الملك الذي دام حكمه لاثنين وسبعين سنة كان فلتة زمانه فيما قال وفعل ، فقد حفظه لنا التاريخ مثالا على الاستبداد السلطوي في عصر البشرية الحديث .
بمثل ذاك الذي قاله لويس الرابع عشر قالت أمريكا لصنائعها من المارقين الأفاقين : السلطة هي إنا ..، فما كان منهم إلا إن خروا لها ركعا سجدا ثم بصموا بعشرهم على ما أسموه اتفاقية منحت سائسيهم المحتلين ((سلطة ممتازة)) على الإقليم العراقي وما فيه وما عليه . ولقد أشرنا فيما مضى من حديث إلى بعض من صور هذه السلطة المقننة نصوصا في متن اتفاقيتهم سيئة الصيت ، واليكم اليوم مزيد .. فقد منحت المادة السابعة من هذه الاتفاقية قوات المحتلين الحق في تخزين كافة أنواع الأسلحة والمعدات والمهام التي تُقّدِر هي ، وهي وحدها ، الحاجة إليها آنيا أو تتوقع الاحتياج لها مستقبلا ، ليس في قواعدها فقط وإنما في أية ((مواقع أخرى)) من ارض العراق ، هكذا جاء بالنص !! مع إن ذات الاتفاقية قد منحتهم الحرية الكاملة في إقامة ما يشاؤون من قواعد وفي إي مكان يختارونه (المادتان الثانية-1 والسادسة-1) . فلماذا أذن ((مواقع أخرى)) ؟ .. بديهي إن النص قد جاء خاليا من ذكر أسباب ذلك ، إلا إن ورود عبارة ((معدات دفاعية وتجهيزات ومواد تحتاجها قوات الولايات المتحدة ..)) بصيغة النكرة المطلقة ، التي لم تستثنِ من تلك الأصناف المذكورة نوعا بعينه إلا إن يكون معرفا بذات النص ، لا يمكن تفسيره إلا على إن شيئا مما يراد تخزينه لحاجة قوات المحتلين إنما يقتضي إن تكون مخازنه بعيدة عن مقرات قواعدها أما لأسباب فنية تتعلق بالمخزون أو لأسباب أمنية تتعلق بأمن تلك القواعد وسلامة القوات المتواجدة فيها . فهل تراهم يسعون لتغدو ارض العراق مخرنا لأسلحتهم القذرة ، أم تراهم يعملون لتكون مقبرة لنفايات بحوثهم وتجاربهم عليها ؟ ..الأيام كفيلة بفضح ما يحرصون التستر عليه .
ومع هذا ، فان ما منحته هذه الاتفاقية من ((سلطة ممتازة)) للمحتلين الأمريكان لم يكن ليتوقف عند حدود إقرار سلطانهم غير المقيد بمكان وغير المحدد بزمان على كامل الإقليم العراقي ، وإنما تجاوزه إلى تقنين عدم خضوع قواتهم الغازية ومن بمعيتها من المرتزقة (شركات الحمايات) والطفيليين (شركات الإسناد والدعم والتجهيز) للنظم القانونية النافذة فيه . وتطبيقا لذلك فقد جاء في نص المادة الثالثة عشرة من اتفاقيتهم : ((لأفراد قوات الولايات المتحدة وأفراد العنصر المدني حيازة وحمل الأسلحة ..إثناء وجودهم في العراق)) . والعنصر المدني كما عرفته ذات الاتفاقية هو :((إي مدني يعمل لدى وزارة دفاع الولايات المتحدة))(المادة الثانية-4) ، وذلك بغض النظر عن طبيعة عمله وعن الجنسية التي يحملها . وحيث إن عبارة ((الأسلحة)) الواردة في النص قد جاءت عامة مطلقة فهي تشمل بالتأكيد كل ما أعد ليفتك بالأنفس البشرية وما يحيط بها من أحياء وأشياء .. وكل ذلك يأتي خلافا للموانع والقيود التي تقررها نصوص قانون الأسلحة رقم 13 لسنة 1992 المعدل النافذ والتي يفترض أنها سارية المفعول على كل قدم تطأ الإقليم العراقي . وتطبيقا له أيضا فقد أعفت المادة السادسة عشرة من الاتفاقية قوات المحتلين ومن بمعيتها من المرتزقة والطفيليين من أية ضرائب أو رسوم (بضمنها الرسوم الكمركية) أو جبايات تقررها القوانين العراقية النافذة على إي من المواد أو السلع التي تشتريها سواء تم شراؤها من داخل العراق أم خارجه . وتطبيقا له أيضا منحت الاتفاقية قوات المحتلين والمتعاقدين معها الحق باستيراد أية معدات أو تجهيزات أو مواد أو تكنولوجيا ، والحق أيضا بإعادة تصديرها ، ودون مطالبتهم بالكشف عن ماهية ما يستوردونه ، أو ما يزمعون إعادة تصديره ، أو كميته أو الغرض من استخدامه ، بل ودون مطالبتهم بدفع أية رسوم (بضمنها الرسوم الكمركية) أو ضرائب أو جبايات عنه . ولا يقتصر كل ذلك على المواد والتجهيزات المخصصة لفعاليات وأنشطة قوات المحتلين ومن بمعيتهم من المرتزقة والطفيليين ، وإنما يمتد ليشمل أيضا المواد والتجهيزات المخصصة للاستخدام الشخصي (المادة الخامسة عشرة-2) . ثم زادت فمنحتهم الحق الكامل بتصدير أية بضائع أو مواد من العراق .. نعم من العراق ، وإلى أية جهة كانت !! (لن يغلب أيٌ منا في معرفة ما يسيل له لعاب طمعهم وجشعهم فيتحايلون لسلبه ونهبه بكل ما أوتوا من وسائل النصب والخديعة التي ورثوها عن أجدادهم وآبائهم الغابرين) ، ودون إن يخضع ما يصدروه للتفتيش والتحقق من شرعية محتوياته ، ودون إن يُقيد ما يصدروه بأية قائمة لما هو ممنوع من التصدير أو بأي قائمة لما هو ممنوع من التداول تقررها القوانين النافذة ، بل ودون إن يلزموا بدفع أية رسوم أو ضرائب عنه (المادة الخامسة عشرة-1) .
وعلاوة على كل ما سبق ، وغيره مما لم نتطرق له ، فأن الاتفاقية سيئة الصيت لم تكتفِ بالنص على تعطيل سريان القوانين العراقية على المحتلين ومن بمعيتهم من المرتزقة والطفيليين وإعفائهم من أية التزامات تفرضها عليهم ، وإنما جعلت من القوانين الأمريكية نافذة المفعول بحقهم وعلى إي جزء كانوا عليه من الإقليم العراقي (المواد العاشرة والثانية عشرة-3 والسابعة عشرة-1و2و3 والثامنة عشرة-2) . بل زادت وسعت بكل سبيل إلى تجريد القضاء العراقي تجريدا كاملا من ولايته الشاملة على إقليمه وما عليه . وهذه سابقة في ميدانها لم نعرف لها شبيها ، ولا قربا في الشبه ، في أية معاهدة أمن أو دفاع مشترك أو حتى ((حماية)) أبرمتها الولايات المتحدة ، أو إي من دول الاستعمار الحديث ، مع أية دولة أخرى من دول عالمنا المعاصر سواء كانت تلك الدولة من الراغبين في إبرام المعاهدة أم من المكرهين عليها . ومع إن لهذه السابقة أكثر من موضع في الاتفاقية سيئة الصيت إلا إننا سنكتفي للتدليل عليها بالوقوف عند موضع واحد منها : الولاية القضائية . إذ على الرغم من الكلمات المنمقة والعبارات المبهرجة التي تم نثرها في غير مكان من متن هذه الاتفاقية حول ((احترام القوانين والأعراف والعادات العراقية))(المادة الثالثة) و ((الاعتراف بحق العراق السيادي في تحديد وفرض القانون الجنائي والمدني على أراضيه))(المادة الثانية عشرة) ..، إلا أنها ظلت مجرد كلمات وعبارات مفرغة من إي مضمون . فقد أعفت الاتفاقية قوات المحتلين ومن تسميهم ((إفراد العنصر المدني)) جميعا من الخضوع لولاية القضاء العراقي عن أية جريمة (جناية كانت أم جنحة أم مخالفة) يرتكبونها كلا أو جزءً على الإقليم العراقي ، كما وأعفتهم عن أية مسئولية أخرى تقررها القوانين العراقية النافذة سواء جاءت الجريمة المرتكبة أو المسؤولية المتحققة ضد الأشخاص مواطنين عراقيين كانوا أم من المقيمين أم ضد الأموال منقولة وغير منقولة عامة كانت أم خاصة ، واكتفت بالإعلان عن إن :((للعراق الحق الأولي لممارسة الولاية القضائية على إفراد قوات الولايات المتحدة وإفراد العنصر المدني بشأن الجنايات الجسيمة المتعمدة .. حين ترتكب تلك الجرائم خارج المنشآت والمساحات المتفق عليها وخارج حالة الواجب)) (المادة الثانية عشرة-1) . وهو إعلان صوري يناقض ظاهره باطنه لأنه في واقع الأمر يتضمن أولاً سلب القضاء العراقي الولاية الحصرية والكاملة في نظر كافة الجرائم التي ترتكب على الإقليم العراقي انطلاقا من مرحلة التحقيقات الأولية وحتى إصدار الإحكام الباتة فيها ، وذلك تحت ما ابتكروه من مسمى ((حق أولي)) . ويتضمن ثانيا سلب القضاء العراقي اختصاصه الوظيفي بنظر كافة أنواع الجرائم جنايات كانت أم جنح أم مخالفات ، وذلك بحصر ولايته بما أسموه ((الجنايات الجسيمة المتعمدة)) .. هذا دون بيان لما هو جسيم متعمد من تلك الجنايات لكي يبقى تقدير جسامتها من اختصاص المحتلين أنفسهم . ويتضمن ثالثا حصر الاختصاص المكاني للقضاء العراقي فقط بما هو خارج ما يقيمه المحتلون ومن بمعيتهم من القواعد العسكرية والمنشآت الأخرى ، وذلك بتقييد ولايته تحت عبارة ((حين ترتكب تلك الجرائم خارج المنشآت والمساحات المتفق عليها)) . ويتضمن رابعا تقييد الولاية المطلقة للقضاء العراقي في نظر ما يرتكب من جرائم ودون اعتداد بظرف ارتكابها ، وذلك بحصرها تحت مسمى ((خارج حالة الواجب)) . ومن ذا الذي سيفصل في كون الجريمة ارتكبت ((خارج حالة الواجب)) أم داخلها ؟ .. المؤكد أنهم هم ، وهم وحدهم ، أصحاب القول الفصل في ذلك !!(المادة الثانية عشرة-9) .
ولم يكن ذلك كل شيء ..، إذ كان لابد للمحتلين من إن يواصلوا تجريد القضاء العراقي من ولايته على كامل الإقليم العراقي ليستكملوا ما تقرر لهم من ((سلطة ممتازة)) ..، لذا فقد أوجبت اتفاقيتهم على ((السلطات العراقية)) تسليم من يُلقى القبض عليه من قوات المحتلين ومن بمعيتهم من المرتزقة والطفيليين (وهل تقدر تلك السلطات على فعل ذلك ؟ ) لارتكابه ((جريمة جسيمة متعمدة خارج المنشآت والمساحات المتفق عليها وخارج حالة الواجب)) إلى قوات المحتلين خلال 24 ساعة من وقت إلقاء القبض عليه ، وتتولى تلك القوات مهمة احتجازه في معسكراتها لحين إكمال التحقيق والمحاكمة فيما ارتكبه من جريمة (المادة الثانية عشرة-5) !! . غريب هذا الأمر ، لاشك في ذلك ، غير إن ما هو أكثر منه غرابة إن هذه الاتفاقية تخلو من إي نص صريح أو ضمني يشير إلى المكان الذي سيقضي فيه من تثبت إدانته ((بجناية جسيمة متعمدة)) عقوبته ، إذا ما قررت محكمة الموضوع معاقبته بعقوبة سالبة للحرية !! .. ترى هل فات المحتلين الانتباه إلى هذه الملاحظة فنسوها ، أم أنهم مطمئنون إلى عدم صدور إحكام على إي من قطعانهم ولو كان من المذنبين ؟ ..

العراق المحتل في 6/12/2008

الاثنين، 1 ديسمبر 2008

هذهِ الاتفاقية ...ج2

فيما لا يتفق فقهاء القانون الدستوري والنظم السياسية على تعريف واحد للدولة ، فأنهم يجمعون على ضرورة إن تتوافر فيها ثلاثة عناصر هي الأرض (الإقليم) والشعب (السكان) والسيادة ، هذا في حين يضيف بعضهم الاعتراف أو الاستقلال أو كلاهما معا إلى ما يجب توافره فيها من عناصر . وأيا ما كان الأمر فأن الملاحظ إن جل اهتمام فقهاء القانون الدستوري والنظم السياسية خلال بحوثهم في موضوعة الدولة كان ، وما يزال ، منصبا على توسيع البحث وتأصيل التنظير في عنصر السيادة .
والسيادة ، ذلك المفهوم حديث النشأة في علوم القانون والسياسة الذي أبتكره المفكر الفرنسي جان بودان (1529-1596م) وأرسى أولى دعائمه النظرية فيما نشره عام 1576م تحت عنوان ((الكتب الستة في الجمهورية)) ..، تتجسد عمليا بالسلطة العليا والمطلقة للدولة في أدارة شؤونها ضمن الحدود الجغرافية لإقليمها وفي إطار علاقاتها الخارجية . فيفهم من ذلك إن للدولة في ممارسة سيادتها (السلطة) مظهرين مميزين ، الأول داخلي يتمثل في بسط سلطانها المطلق ونفاذ نظمها الداخلية على كامل إقليمها وكل ما فيه وجميع من هم عليه . والثاني خارجي ويتمثل في عدم خضوعها لسلطة أية دولة أخرى وحريتها الكاملة في تنظيم علاقاتها مع غيرها من الدول بناءً على ما تقرره نظمها الداخلية . إذ السلطة ، ذلك المصطلح الشائع استخداما بين كثير من المختصين كمقابل أو كمرادف أو كبديل في بعض الأحيان عن مصطلح السيادة ، هي في واقع الحال ليست إلا الممارسة العملية للسيادة ..، وذلك بالنظر إلى إن السيادة أوسع دلالة وأشمل مضمونا من السلطة ، وان حق السيادة هو أصل الحق في السلطة ومصدرها .
وفي كل دولة من دول عالمنا المعاصر تم تفويض ممارسة السيادة (السلطة) إلى ذلك المكون المعنوي الذي اصطلح على تسميته الحكومة ، والتي أناطت بدورها ، نقول أناطت ولا نقول وزعت ، ممارسة سيادة دولتها على مؤسساتها الرئيسية الثلاثة : التشريعية والتنفيذية والقضائية ، بحيث تتولى كل منها ، وعبر حشد من الأجهزة المتخصصة التابعة لها ، ممارسة كامل سيادة الدولة في ميدان نشاطها واختصاصها الوظيفي .
والحكومات في كل دول العالم ، وان كانت هي صاحبة السلطة المطلقة في ممارسة سيادة الدولة ، إلا إن ذلك لا يعني بأي حال من الأحوال حريتها المطلقة في إن تفعل ما تشاء أو تتصرف بما تشاء دون قيد أو حد ..، فسلطة الحكومة ، كل حكومة ، في ممارسة سيادة الدولة محكومة ومقيدة بتجسيدها الكامل لمظهري سيادة دولتها داخليا وخارجيا لا أكثر من هذا ولا اقل . لا أكثر من هذا بمعنى انه لا يجوز لها إن تمارس سيادة دولتها في غير الحدود والقيود التي ترسمها نظمها الداخلية النافذة في زمان معين . ولا اقل منه بمعنى انه لا يجوز لها إن تتنازل أو تتهاون في ممارستها لسيادة دولتها أو إن تساوم عليها ..، فأن أتت أية حكومة بهذه أو تلك كان ذلك عدوانا منها على سيادة الدولة يتوجب رده . وفي هذا الصدد يقول الأستاذ جان دابان (1889-1971م) في مؤلفه ((الدولة أو السلطة)) :((عندما يتصرف الحاكمون تصرفا يناقض غاية الدولة أو يسيئون استعمال سلطاتهم الدستورية لا يكون من حقهم إن يظلوا حكاما ويتعين عزلهم من وظائفهم ولو بالقوة إذا لزم الأمر)) .
عقب هذه المقدمة الموجزة ، نعود إلى موضوع حديثنا الأساسي : هذهِ الاتفاقية .. فنقول : لعل من ابرز ما يواجهنا عند قراءتنا المتأنية لما أبرمته حكومة المحتلين مع سائسيها من اتفاقات ، إن بنود ومضامين ما تم إبرامه لم تكتفِ بتخويل المحتلين الأمريكان صلاحيات واسعة أو استثناءات متميزة ولا حتى امتيازات متفوقة في ميادين مواضيعه ، وإنما منحتهم ((سلطة ممتازة)) على كامل الإقليم العراقي وما فيه وما عليه . وهي سلطة لأنها تكافئ في وجودها وسلطانها الفعلي ما للحكومات من سلطة مطلقة في دولها . وهي ممتازة لأنها تتقدم بسلطانها ونفوذها على ما تزعمه حكومة المحتلين من سلطة شاملة على الإقليم العراقي وما فيه وما عليه . مصداق ذلك أولا ، إن ما ابرموه من اتفاقية تحت عنوان ((اتفاق بين جمهورية العراق والولايات المتحدة الأمريكية بشأن قوات الولايات المتحدة في العراق وتنظيم أنشطتها خلال وجودها المؤقت فيه)) قد منحت حق الوجود ((المؤقت)) لقوات المحتلين الأمريكان على الإقليم العراقي (المادة الأولى) ، بضمنها عناصر شركات الحمايات (المادة الثانية-2) ، وجميع الشركات الأخرى المتعاقدة حاليا مع الجيش الأمريكي وتلك التي سيتم التعاقد معها مستقبلا ومهما كان نشاطها أو خدماتها التي تقدمها لقوات المحتلين ومن أية جنسية كانت وكافة مستخدميها وأيا كانت الجنسية التي يحملونها (المادة الثانية -5) ..، ثم زادت فمنحت تلك القوات الغازية كامل الحق في أنشاء ما تريد من القواعد العسكرية (اختارت لها اتفاقيتهم تسمية "المنشآت والمساحات المتفق عليها") وعلى أي جزء من الإقليم العراقي تراه مناسبا لمهامها ، وبأي عدد تجده كافيا لها ، وبأي مساحة تقدرها مجزية لاستخداماتها ، وبأي مهام تخصص لتلك القواعد (المادتان الثانية-1 والسادسة-1) ، مضافا إليه حق تلك القوات في إدخال أية تغييرات إنشائية على ما هو قائم ألان من قواعدها وثكناتها أو إضافة أية منشآت أو تحسينات جديدة عليها (المادة السادسة-2) . ومصداقه ثانيا ، إن اتفاقيتهم قد منحت جميع طائرات المحتلين حربية كانت أم مدنية من العاملة ضمن الإقليم العراقي أو من المكلفة بمهام خارجه ومن شتى الأنواع والإحجام ، الحرية الكاملة بدخول الأجواء العراقية أو الخروج منها أو التحليق فيها أو التزود بالوقود عبرها في أي وقت تشاء ولأي وقت تريد ، ومنحتها أيضا الحرية الكاملة في الهبوط على أي جزء من الأراضي العراقية والمكوث عليه ما شاءت أو الإقلاع منه وقتما تشاء وكل ذلك دون حاجة إلى أي أذن مسبق بذلك (المادة التاسعة-2) ..، ثم زادت فمنحت جميع السفن والقطع البحرية التي تملكها قوات المحتلين وتلك التي تعاقدت على استخدامها سواء ما كان منها من الوحدات العاملة ضمن الإقليم العراقي أو ما كان منها موجها لمهام أخرى في مناطق أخرى ، الحرية الكاملة في دخول المياه الإقليمية العراقية أو الخروج منها أو البقاء ضمنها وقتما تشاء ، كما ومنحت آليات المحتلين العسكرية بمختلف أنواعها والمركبات ذات الاستخدام المدني أصلا والمخصصة لاستخدام قواتهم أو لإسنادها (شركات الحمايات) أو لخدمتها (شركات الدعم والتجهيز) ، الحرية الكاملة في دخول الأراضي العراقية أو الخروج منها والحركة على طول الأراضي العراقية وعرضها والتنقل على جميع الطرق وكل ذلك وقتما تشاء وكيفما تشاء (المادة التاسعة-1) . ومصداقه ثالثا ، إن اتفاقيتهم قد منحت جميع عناصر قوات المحتلين وعناصر جميع الشركات المتعاقدة معها وبغض النظر عن جنسياتهم ، الحرية الكاملة في دخول الأراضي العراقية أو الخروج منها عبر أي من المنافذ الحدودية في أي وقت كان ودون مطالبة لأي منهم بجواز سفر أو بتصريح دخول للأراضي العراقية (المادة الرابعة عشرة-1) ، ثم زادت فمنحتهم الحرية الكاملة في دخول الأراضي العراقية أو الخروج منها عبر القواعد العسكرية (المادة الرابعة عشرة-3) .. تصوروا .. عبر القواعد العسكرية التي يسيطر عليها المحتلين أنفسهم !!.
بعد كل هذا ..، أية سلطة تلك التي يتوهمها صنيعة المحتلين فيما مئات الألوف من أوباشه ومرتزقته وطفيلييه يسرحون ويمرحون على ارض العراق الذي يحاججون باستقلاله ؟ .. وأية سيادة تلك التي يزعمونها فيما سادتهم يشيدون قلاعهم ويبنون حصونهم على ارض العراق الذي يدعون حكمه بما يشاؤون من المساحات وبما يختارون من المواقع ؟ .. وأي سلطان لدولتهم ذاك الذي يروجون له فيما الآلاف من طائرات سائسيهم وسفنهم والياتهم تجوب أجواء العراق الذي يتشدقون بحريته وتمخر عباب مياهه وتدنس أرضه ؟ .. ومع ذلك فليس هذا كل شيء ، إن هو غيض من فيض ((مكارمهم السخية)) لاؤلياء نعمتهم التي ما أبقت عليهم ورقة توت واحدة ليتستروا بها على شيء من عورات خيانتهم وعمالتهم ، أو يداروا بها على بعض من سوءات خستهم ودناءتهم ..

العراق المحتل في 1/12/2008

الأربعاء، 26 نوفمبر 2008

هذهِ الاتفاقية .. ح1

على مدى عدة أشهر خلت ، كنا – كما الكثيرين غيرنا – نحرص على متابعة ما يذيعه المحتلون الأمريكان وعملائهم من تصريحات بهلوانية ، وما يتفنون في استعراضه من مشاهد مسرحية حول ما أسموه أبتداءا بالمعاهدة أو الاتفاقية الأمنية ، ثم نشروه أخيرا موقعا من إطرافه تحت عنوانين مبتكرين حمل أولهما أسم ((أتفاق بين جمهورية العراق والولايات المتحدة الأمريكية بشأن انسحاب قوات الولايات المتحدة من العراق وتنظيم أنشطتها خلال وجودها المؤقت فيه)) ، وحمل الثاني أسم ((اتفاق الإطار الاستراتيجي لعلاقة صداقة وتعاون بين جمهورية العراق والولايات المتحدة الأمريكية)) .
ولم يكن مصدر حرصنا على متابعة تلك التصريحات البهلوانية والمشاهد المسرحية نابعا عن انبهار بتفوق حبكتها السياسية ، أو عن تقدير بدقة صناعتها الإعلامية .. أبدا ، فالواقع أن جميع تلك التصريحات والمشاهد كانت فاضحة في غوايتها السياسية ، مفضوحة في فبركتها الإعلامية ، بائسة فيما اعتمدته من أساليب التسويق الدعائي المبتذلة . كما ولم يكن دافعا لحرصنا على متابعتها محاولة استكشاف ما تحتويه موضوعات عناوينها من مضامين أو أهداف ..، فالثابت عندنا بأن جميع خطط المحتلين ومشاريعهم وأجنداتهم التي ما انفكوا ناشطين في تنفيذها على ارض عراقنا المحتل ، وفي شتى المجالات والتوجهات ، أنما تتناغم في حركتها وتتساند في مراميها باتجاه تحقيق أهداف إستراتيجية عدوانية لا تتعداها هي : ترسيخ الاحتلال الأمريكي لعراقنا العربي ، وتفتيت وحدة شعبه وتمزيق نسيجه الاجتماعي ، وطمس انتماءه العربي وهويته القومية ، وإبقاءه حبيسا ، ولأجل غير معلوم ، ضمن دائرة المطامع الامبريالية العالمية . ولم يكن أيضا محركا لحرصنا على متابعتها حاجة لاستبيان المواقف المعلنة للقوى الراقصة هزا أو ردحا أو لطما على مسرح المحتلين السياسي أو رصد ما قد يطرأ على مواقفها المعلنة من تحولات ، فالحقيقة إننا نؤمن بثبات بأن جميع الأحزاب والتجمعات والأشخاص المنخرطة في محفل العهر الأمريكي المسمى ((العملية السياسية)) وما يتصل به من مؤسسات وممارسات ، أو المؤيدة لها أو الداعمة لوجودها واستمرارها ، وبدون استثناء أي منها ، هي قوى عميلة وخائنة . وان مواقف تلك القوى ، معلنة كانت أم خفية ، وفي كل الأحوال ، لا تخرج ، ولا يمكن إن تخرج ، عن مساق عمالتها للمحتل ونهج خيانتها لوطننا مادامت تبقي على عضويتها ومشاركتها في ذلك المحفل الماجن ، أو مغازلتها له ، حتى وأن انحصرت عضويتها فيه بمجرد الوجود السلبي ، وحتى لو اقتصرت مشاركتها فيه على تبني المعارضة المتواصلة لإقرانها ، وحتى لو توقفت مغازلتها له عند خطابات التمني وبيانات الرجاء . هذه الرؤية المبدئية إذ تشكل مقياسا لا يخطئ في تصنيف تلك القوى وتقييم مواقفها ، فأنها تظل ، وتحت شتى الظروف ، معيارا بالغ الدقة في فرز الأصيل من المواقف الوطنية عن ما اعتادت بعض تلك القوى العميلة الخائنة أن تنافق به جماهير شعبنا الصابر . فما هو وطني مستخلص من أصوله الصافية النقية يستحيل إن يختلط في وعي الوطنيين النجباء وضمائرهم بما هو دعي منتحل من مستنقع العمالة والخيانة ... إنما جاء حرصنا على متابعة ما تابعناه بناء على مسؤوليات تمليها علينا وتلزمنا بها رؤيتنا الوطنية . فنحن –أولا– معنيون بكل ما يخص حاضر العراق ووجوده ومستقبله ، ونحن –ثانيا– من المعنيين بكل ما يمس هويته القومية وانتماءه العربي ، ونحن – ثالثا- في مقدمة المعنيين بكل ما يستهدف حريته ووحدته أرضا وشعبا وسيادة , ونحن –رابعا- من أول المعنيين بمناهضة محتليه الغزاة ومقاومة احتلالهم لأرضنا واستعبادهم لشعبنا وهيمنتهم على مقدراتنا ومصادرتهم لسيادة وطننا وإنهاءه بكل ما هو متاح لنا من وسائل وأنشطة وفعاليات .
غير إن حرصنا على متابعة ما تابعناه ، ومشاركتنا حول موضوعه – كما الكثيرين غيرنا - في غير قليل من الحوارات المسؤولة والنشاطات الموجهة الساخنة حينا الغاضبة في أغلب الأحيان ..، لا يعني بأي حال رجوعا عما سبق وأعلناه موقفا ، لم نزل نتمسك به حتى يومنا هذا ، من بطلان كل ما أدخله ويدخله المحتلون الغزاة ومن بمعيتهم على عراقنا العربي من نظم قانونية وسياسية واجتماعية واقتصادية وثقافية منذ احتلالهم له وحتى رحيلهم عنه طائعين أو مرغمين ..، وبطلان كل ما أبرموه ويبرمونه من اتفاقات ، وما عقدوه ويعقدونه من تصرفات ، وما أقاموه ويقيمونه من مؤسسات ، وما منحوه ويمنحونه من الامتيازات ، وما رتبوه ويرتبونه من الالتزامات مادية كانت أم معنوية شخصية كانت أم عينية داخلية كانت أم دولية ..، فحق المقاومة المشروع الذي أرست أسسه وتناقلته كل شرائع السماء ، ثم قننته البشرية فيما تصادقت عليه ، وعبر آلاف السنين ، من أعراف ملزمة ، ثم صادقت عليه في مواثيق ومعاهدات متعددة ، وحرصت جميع شعوبها على تضمين دساتيرها وقوانينها الداخلية نصوصا قاطعة الدلالة على اعترافها به واحترامها له بل والتحريض عليه وتعهدها بحماية من ينهض به .. ، إن هذا الحق الإنساني المقدس إذ يسبغ الشرعية الكاملة على جميع أنشطة وفعاليات مقاومتنا للمحتلين ومن بمعيتهم ، فأنه في المقابل يجرد جميع أنشطة وفعاليات المحتلين الغزاة من أي غطاء شرعي ويرتب البطلان المطلق على كافة تصرفاتهم في ما هو موضوع لعدوانهم ، فكل ما بني على الباطل هو باطل لا محالة ، والعدوان أيا كان صاحبه وتحت أي زعم كان عدوانه ، يبقى على قمة الباطل الذي تدينه شرائع السماء وتأنفه النفوس السوية على توالي العصور والحقب .
نريد إن نقول : إن اعتقادنا الراسخ ببطلان ما انتهى إليه المحتلون الغزاة ومن بمعيتهم من اتفاقات ، أو بأي أسم آخر يختارونه لها ، بناءً على ما قدمنا له من رؤية وطنية نتبناها ، واستنادا على إيماننا المطلق بشرعية مقاومته وإنهائه بكافة الوسائل المتاحة ، وحتمية زواله أن عاجلا أم آجلا ..، لا يعفينا ، ولا يمكن إن يعفينا ، من مسؤولية تفنيده وتعرية طروحاته بأسلوب إسقاط الحجة للكشف عن حقيقته وحقيقة المشاركين فيه ..، فلقد تعلمنا من كتاب الله العزيز أن أثبات ضلالة المشركين بوحدانية الله تعالى والكافرين بإلوهيته كثيرا ما كانت تأتي من خلال مواجهتهم بما يرددونه من مزاعم وما يتداولونه من طروحات ، فينكشف فسادهم ، وينفضح ستر خبائث تصرفاتهم . ولكي نقطع على عملاء المحتلين خونة العراق فرصة الظهور إمام العالمين بمظهر الحريص على وحدة العراق واستقلاله الساعي لخيره واستقراره فيما أبرموه مع سائسيهم ونشروه على الملأ من اتفاقات ..، ولكي نفضح زيف أدعائهم ((الاستقلال والسيادة)) ، ونكشف عن خرافة ما يزعمونه من الوطنية ..، ولكي نلقم الألسن القبيحة والأقلام الرخيصة التي استأجروها أو تطوعت لخدمتهم لتبرير عمالتهم للمحتل وخيانتهم لعراق العروبة ، وللترويج لطائفيتهم المقيتة وعنصريتهم السقيمة ، ولتمجيد جرائمهم ودناياهم ، وللتسبيح دوما بحمد سائسيهم المحتلين ، وللتباكي دائما من ((إرهاب)) المقاومين لاحتلالهم ..، سنتصدى عبر حلقات متتالية من هذا الحديث لتحليل وتقييم ما ابرموه من اتفاقات مع سائسيهم المحتلين من وجهة نظر قانونية صرفة ..، لٌنريَّ كل من انطلت عليهم التصريحات الطنانة والمشاهد المسرحية السمجة والمزاعم الواهية لحكومة المحتلين فصدقوها ومنحوها من تأييدهم ودعمهم وتعاطفهم ، إلى أي عمق من درك العمالة والخيانة أنحدر أولئك الضالين المضلين بكذبهم ونفاقهم ودجلهم ، ولنثبت ، بالبرهان القاطع ، أن تلك الحفنة من حثالة البشر قد مردوا على التصرف أبدا بالضد من حرية العراق واستقلاله وبالنقيض تماما من مصالحه وحقوقه المشروعة .

العراق المحتل في 26/11/2008

السبت، 27 سبتمبر 2008

مكانكَ في القلوبِ يا جمال ..

الثامن والعشرين من أيلول .. يوم من أكثر أيام الحزن والخسارة التي تختزنها الذاكرة العربية عن تاريخنا الحديث . ففي مثل هذا اليوم من عام 1970 ثُكِلَت امتنا العربية بابنها البار الزعيم الخالد جمال عبد الناصر . وكان مما يزيد حزن امتنا المجيدة على ابنها البار ، ويعظم من خسارتها فيه ، إن رحيله عنها قد جاء في اشد أوقاتها حاجة إليه . ولقد كان من مفهوم التصرف الإنساني حينذاك إحاطة الملايين من أبناء شعبنا العربي في مصر لنعش الرئيس الراحل حتى مثواه الأخير في مظاهرة جماهيرية بالغة الرهبة والعنفوان وليس لها مثيل بالوصف أو بالكم فيما نعرفه من تاريخ شعوب المعمورة . وكان من معقول الفعل الجمعي اجتماع الملايين من أبناء شعبنا العربي في مسيرات تشييع رمزية مهيبة طافت شوارع وأزقة العشرات من المدن والحواضر العربية في ظاهرة لم تعرف لها امتنا العربية شبيها على مدى تاريخها المجيد . وكان من متوقع القلوب الشغوفة حبا بعبد الناصر إن يعتصرها الألم حزنا على فقدانه ثم يصرعها فيُغَيّب الوعي عن أصحابها لساعات طوال ، بل إن ثلة من تلك القلوب المرهفة حسا بحب عبد الناصر لم تطق مصيبتها فيه فأبت إلا اللحاق بروحه الطاهرة في عليين . وكان – أيضا- من مقبول المواقف ما أعلنه بالقول أو أفصح عنه بالفعل حشد كبير من زعماء العالم ونخبه وقادة دوله ومؤسساتها وملايين أخرى تستعصي على الحصر من أبناء شعوبه من مناصري نهج عبد الناصر التحرري وخطه السياسي المستقل ، عن عميق حزنهم وبالغ آلمهم لخسارته . أريد إن أقول : إن كل ذلك ، ورغم تفرد ظاهرة عبد الناصر التاريخية به وتفوقها فيه عن سائر الظواهر القيادية لسواه من القادة العظام في عالمنا المعاصر ، قد يقع فيما يمكن تخيله أو تصوره أو حتى تفهمه على انه من معقول ردود الفعل الإنساني تجاه عظيم النوازل وجلل المصائب الحالة عليه ..، غير إن مما هو غريب حقا عن منطق الأشياء إن لا يتردد جمع غير قليل من المخالفين لأفكار عبد الناصر ، والمناهضين لمواقفه ، والمعارضين لسياساته وتوجهاته ، بل وحتى المتآمرين على نظام الدولة التي يرأسها والأمة التي ينتمي إليها ، والمحاربين لهما بعدوانية شرسة بكل ما أتيح لهم من أساليب الحرب وإشكالها ..، لا يترددوا عن اعترافهم علانية بشجاعته ونزاهته ، واحترامهم لصلابته ، وإشادتهم بأدق التعابير الصريحة بقدرته على تعبئة جماهيره ومقدرته المتفوقة على قيادتها ، بل إن الكثيرين من هؤلاء لم يخفوا مدى انبهارهم بظاهرة عبد الناصر التاريخية وشخصيته المؤثرة واستقطابه لباب عقول وقلوب أوسع قاعدة جماهيرية ، خصوصا وان استقطابها لجماهيرها لم يتوقف عند حدود رعايا دولته القائم على سدة الحكم فيها ، وإنما امتد متسعا إلى ما هو خارج حدودها الإقليمية ، متوسعا عنها شرقا وغربا ودون قيد من أية حدود قائمة ، حتى غدا عن جدارة ، وفيما لم يسبقه إليه أي رئيس عربي من قبله ، زعيما لكل العرب ..، وحتى غدا عن استحقاق ، وفيما لم يسبقه إليه أي مناضل عالمي ، رمزا نضاليا لكثير من حركات التحرر الوطني وعلى امتداد سطح البسيطة .
وعلى اثر رحيل عبد الناصر كتب الشاعر العربي نزار قباني يرثيه ، فقال :
قتلناكَ.. يا آخرَ الأنبياءْ
قتلناكَ..
ليسَ جديداً علينا
اغتيالُ الصحابةِ والأولياءْ
فكم من رسولٍ قتلنا..
وكم من إمامٍ..
ذبحناهُ وهوَ يصلّي صلاةَ العشاءْ
ولكن .. وبرغم ما حل بأمتنا العربية من الحزن الفاجع والخسارة الجسيمة لفقدها ابنها البار ، فان الحقيقة المؤكدة التي كنا ، ولم نزل ، نؤمن بها ونؤكدها هي : إن جمال عبد الناصر لم يكن نبيا ، وما كان من الصحابة ، وما كان من الأولياء ..، إنما كان أنسانا ثائرا قائدا صادقا بكل ما تحمله هذه الكلمات من دلالات معانيها المضيئة . فلقد كان عبد الناصر أنسانا عايش معاناة شعبه الرازح تحت الاحتلال والعبودية وفساد الحكم والاستبداد وتسلط الإقطاع ورأس المال ، وتعايش مع آلام شعبه وحرمانه ، وتلبس همومه وبؤسه ، وشاطره آلامه وأحلامه ..، وحين خيرته دنياه بين عروضها رفض بكل ما ورثه من عناد وإصرار أهله الصعايدة العرب الاقحاح ما اعترضته ، أو عرضت عليه ، من المغريات والامتيازات وأختار إن ينحاز بقوة لا تعرف اللين إلى جانب كل الضعفاء من أبناء شعبه .. الفقراء المسحوقين المظلومين المغلوبين على أمرهم ..، في مواجهة أولي القوة والبطش من المحتلين المتسلطين والأغنياء المتجبرين والحكام الظالمين الفاسدين .
ولقد كان عبد الناصر ثائرا أدرك بعمق إن التصدي للعدوان والظلم والفساد ، ومواجهة جميع القوى المتسلطة على رقاب أبناء شعبه المتحكمة بشرايين حياتهم والمستأثرة بخيراتهم ، واقتلاعها من جذورها وإزالة آثار عدوانها وظلمها وفسادها ، واستعادة حرية الوطن المسلوبة وكرامة المواطن المستباحة ، وفرض المساواة وتكافوء الفرص بين أبناء الشعب الواحد ، وبسط العدالة بكل صورها والحياة الآمنة بجميع إشكالها لهم جميعا ..، أدرك وبعمق إن كل هذا ، أو بعضه ، لا يمكن إن يتحقق إلا بالنهج الثوري المتمسك أبدا بالتغيير الجذري للعلاقات المعوجة السائدة في المجتمع والنظم القانونية الساندة لوجودها ، وبما يسقط جميع المتآلهين على الشعب المتسيّدين بالباطل على إرادته الحرة ، لتسمو كلمة أبناءه منفردة بكامل السيادة على جميع ربوع وطنهم وفي عموم مؤسسات دولتهم . وهذا ما كان ، فلقد اسقط عبد الناصر الثائر ورفاقه في الثالث والعشرين من تموز / يوليو 1952 نظام الحكم المستبد الفاسد ، فكانت تلك الصفعة الأولى التي تسددها طليعة الشعب المسلحة والثمرة الشرعية للتيار الوطني التحرري في مصر العربية لأعداء شعبها ، لتتوالى بعد ذلك ضرباتها الموجعة لقوى الظلم والفساد والاستغلال فتحقق انتصاراتها المتلاحقة والمشرفة في معارك جلاء القوات المحتلة وتحديد الملكية الزراعية والقضاء على سيطرة رأس المال وبناء وتحديث القوات المسلحة واستعادة المنهوب من خيرات الوطن ومقدراته وتوظيفه بكل مهارة ودقة في إبرام وتسريع خطط التنمية الاقتصادية والاجتماعية وفي شتى ميادين الحياة العامة وتجسيد سلطة الشعب الكاملة على نفسه وأرضه ودولته من خلال إقرار وتنظيم المؤسسات التشريعية والدستورية .
وكما كانت انجازات ثورة عبد الناصر ورفاقه مكاسب عظيمة وانتصارات مذهلة حلقت بمصر العربية منطلقة في سماوات التحرر والبناء والتنمية الخلاقة ، كانت أيضا ضربات قاصمة لوجود الاستعمار وقاطعة لدابر الهيمنة والتبعية وساحقة لواقع التخلف ، فكان بديهيا إن تتكالب عليها قوى العدوان المتعددة سواء ما كان منها مثخنا بهزيمته المرة من ضربات ثورة عبد الناصر متوثبا بحقده المتأجج عليها للانتقام منها ، أو ما كان منها مستهدفا هزيمة الثورة عقابا لها على مساندتها ومعاضدتها لقوى التحرر التي تقاوم احتلاله لأوطانها ، أو ما كان منها ساعيا لوئد الثورة وإنهاء مدها التحرري كضمان لابد منه لاستمرار وجوده وتحقيق غاياته العدوانية في المنطقة . وهذا ما كان حين انطلقت قطعان العدوانيين متشاركة متآمرة بعدوانها الثلاثي الغاشم نهاية تشرين أول /أكتوبر 1956 . غير أن ثورة يقودها عبد الناصر كان لابد لها إن تنتصر على العدوان وأهله ولو كانوا من دول العالم العظمى ، فلقد تصدى لهم وقاومهم وقاتلهم ببسالة باهرة وعلى امتداد سوح وطننا العربي جيش يعربي هو شعب عبد الناصر ، ولقد هزمهم هزيمة منكرة شعب يعربي هو جيش عبد الناصر .
وإزاء هذا النصر المجيد تنادت جماهير امتنا العربية بابنها البار الثائر جمال عبد الناصر قائدا لمعارك تحررها ضد الاستعمار والهيمنة والوصاية ، فكانت تلك هي المرة الأولى من مرتين لا سواهما في كل التاريخ العربي بايع فيهما الشعب العربي قائدا له بعيدا عن ما يقيد هذا الشعب في دوله القائمة من نظم دستورية وقانونية ، ودون اعتداد منه بأية حدود إقليمية مصطنعة تجزئه ، وكان جمال عبد الناصر في كلتيهما هو الزعيم الذي بايعته جماهير أمته قائدا لمعارك تحررها .
وتحت هذه القيادة التاريخية الفذة رفرفت رايات الحرية على ربوع وطننا الكبير فأفشل شعبنا العربي مؤامرة الامبرياليين الأمريكان وحلفائهم الصهاينة بالعدوان على سوريا العربية عام 1957، ثم أقام أول دولة وحدودية عربية في تاريخه الحديث في 26 شباط/فبراير 1958 ، ثم أشعل الثورة التحررية في العراق في 14 تموز/ يوليو 1958 ليسقط الملكية الفاسدة وليقبر معها حلف بغداد العدواني ، ثم لتنتصر ثورة الجزائر التحررية في 19 آذار/ مارس 1962 وليهزم الاستعمار الفرنسي بعد ما يناهز مئة وثلاثين عاما من احتلاله لها ..، ولتتوالى بعد ذلك انتصارات المد القومي التحرري العربي تدك قلاع العبودية وتنهي الوجود الاستعماري عن أرضنا العربية الطاهرة .
وستأتي المرة الثانية يومي 9 و10 حزيران /يونيو 1967 وعقب الهزيمة الغادرة التي حلت بالأمة وقائدها . فما إن أنبرى القائد عبد الناصر يخاطب أمته معلنا استقالته من منصبه الرسمي وتركه لكل دور قيادي يشغله ، مؤكدا في الوقت ذاته على تحمله كامل المسؤولية عن الهزيمة المرة واستعداده التام للمثول إمام محاكم الشعب والنزول عند حكمها ..، حتى هبت جماهير شعبنا العربي ليس في مصر العربية وحدها ، وإنما في جميع إرجاء وطننا العربي الكبير ، تعلن رفضها استقالة أبنها البار ورئيسها وزعيمها عبد الناصر ، وتصدح حناجرها بصوت موحد يتمسك به ويجدد مبايعتها له قائدا لمعارك تحررها .
وكما تمسكت جماهير امتنا العربية بعبد الناصر قائدا لمعارك تحررها ، فان ابنها التي ما عهدته إلا بارا بها لم يخذلها ، لتعاود الأمة قطاف ثمار نضالها وصبرها مزيدا من الحرية تحت قيادته ، فها هو السودان العربي يفجر ثورته التحررية في 25 أيار / مايو 1969 ، لتلحق به ليبيا العربية بثورتها التحررية في الفاتح من أيلول / سبتمبر 1969 ، ولتستمر محتدمة متصاعدة معارك التحرر في فلسطين المغتصبة والجنوب العربي ضد المحتلين المستعمرين ، ويترادف مع كل ذلك وغيره إعادة بناء لجيش مصر العربية وإدامة للاشتباك مع الصهاينة وإعداد وتجهيز متواصلين لمعركة الثأر وتحرير الأرض التي تحققت بعد حين .
وإذا كان من معقول التصرف مبايعة جماهير امتنا العربية لابنها البار جمال عبد الناصر قائدا لمعارك تحررها بعد تحقيقه نصره الناجز على دول العدوان الثلاثي الغاشم ..، فأن من خارق المعهود إن تتمسك أمة ما بقائد وتبقي على قيادته لها في وقت حلت به وبها الهزيمة العسكرية المرة وشبه الكاملة !!.. وأنها لواقعة لم يعرف لها التاريخ الإنساني نظيرا وحتى يومنا هذا .. وهاهنا من حقنا ، بل من واجبنا ، إن نسال : لماذا تمسكت أمة أطبقت الهزيمة على أوداجها بقائد هزمته جيوش العدوان الغادرة حتى كادت آثار هزيمته تحيط به من كل مكان ؟ ..
بأي منطق آخر سوى منطق الأمة التي تجزل الوفاء لمن أوفى المبدأ والموقف لها من أبنائها ، وتتمسك بمن بَرَّ واخلص النية والعمل إليها منهم ، سيتعصي علينا فهم ما حدث . ولقد كان جمال عبد الناصر وفيا لامته ، بارا بها ، متمسكا بثوابتها وقيمها ، متفانيا في الذود والدفاع عنها ، شجاعا في مواجهة أعدائها ، مخلصا في العمل من اجلها ، أمينا ممسكا على أهدافها وتطلعاتها ، صادقا على الدوام معها ..، وعلى هذا بقي لآخر رمق من حياته .
لقد قال عبد الناصر يوما : (( لقد أعطتني هذه الأمة من تأييدها ما لم يكن يخطر بأحلامي .. وليس عندي ما أعطيه غير كل قطرة من دمي ..)) .. نشهد الله تعالى على انك يا ناصرنا قد أعطيت بجود غير معهود وغير مسبوق معا كل قطرة من دمك الطاهر من اجل حرية هذه الأمة التي كرمها الله ورفعتها وكرامتها ، فكان حقيقا على شعبها العظيم من مشرق وطنها الكبير وحتى مغربه إن يبايعك مادمت حيا قائدا وزعيما له وأنى جاءت الأقدار ، وكان حقيقا عليه بعد إن توفاك الباري إليه إن يحملك جيلا بعد جيل نبعا للحب وسط القلوب ..، ففي هذه الدنيا قلوبنا وحدها من تليق مكانا يحتضن فارس امتنا وابنها البار وزعيمها المغوار جمال عبد الناصر .. ورحمك الله يا قائدنا العظيم ، والهم أمتك الثكلى بخسارتك الصبر والسلوان .

العراق المحتل في 27/9/2008

الثلاثاء، 2 سبتمبر 2008

كذبةٌ أسمها ((المصالحة الوطنية)) ..

نشر موقع إذاعة سوا وعلى الرابط
http://www.radiosawa.com/article_pop.aspx?id=1673199
خبرا جاء فيه : ((اختتمت في العاصمة اللبنانية بيروت الاثنين أعمال مؤتمر للمصالحة بمشاركة رجال دين عراقيين بارزين من الشيعة والسنة ناقشوا على مدى يومين سبل وضع حدٍّ لأعمال العنف في بلدهم . وأشار القس اندرو وايت مدير مؤسسة الإغاثة والمصالحة في الشرق الأوسط الجهة المنظمة للمؤتمر إلى أن من أبرز المشاركين الشيخ أحمد الكبيسي والشيخ عبد اللطيف هميم رئيس جمعية علماء ومثقفي العراق، إضافة إلى أحد وكلاء المرجع السيستاني ومستشار رئيس الوزراء نوري المالكي للشؤون الدينية. وأضاف القس وايت الذي يعرف بأسقف بغداد الانجليكاني كونه المسؤول عن كنيسة سان جورج الانجليكانية في بغداد: " لقد عقد كبار رجال الدين العراقيين من السنة والشيعة اجتماعات مهمة للغاية، وخرجوا بنتيجتين أساسيتين: الأولى هي اعتراف الجانبين بأن الوضع الأمني في العراق قد تغير بصورة لافتة مؤخراً، والثانية هي شجبهم الواضح للعمليات الإرهابية وأعمال العنف، ومن بينها الهجمات الانتحارية. لقد وضع الجانبان وثيقة أو نوعا من فتوى تحرم العنف في العراق")) . انتهى الخبر .
وعلى الرغم من إن ما يسمونها ((المصالحة الوطنية)) تشكل ، ومنذ بضع سنين ، محورا أساسيا في المشروع السياسي للمحتلين الأمريكان المتداول تحت عنوان ((العملية السياسية)) ، وتحتل موقع الصدارة شبه الدائم في أغلب تصريحات سياسييهم ودبلوماسييهم وقادة قطعانهم ، ويجترها على الدوام سائر عملائهم فيما يعلنون عنه من فتاوى ومشاريع رنانة وما يذيعونه من بيانات وخطب طنانة ..، فأن مما هو ملاحظ ابتداءا إن هذا الخبر لم يحظى بذات التغطية الإعلامية التي سبق وحظيت بها أخبار مماثلة حول ذات موضوعه . ففيما دأبت على نشر الإخبار المماثلة له والترويج لها عشرات الفضائيات والإذاعات والصحف ومواقع لا حصر لها على الشبكة العنكبوتية ، وخصوصا ما كان منها تابعا للمحتلين وعملائهم أو مواليا لهم مرتزقا على فتات فضلات موائدهم ..، لم تتطرق لهذا الخبر ، لا من قريب ولا حتى من بعيد ، أية وسيلة إعلامية ، ولم تطبل له أبواق دعاية المحتلين وعملائهم ، ولم تتراقص له الأقلام المنافقة المأجورة ، باستثناء المصدر المشار إليه أعلاه وثلاثة مواقع أخرى على الشبكة العنكبوتية (أحدها موقع جماعة علماء ومثقفي العراق والتي شارك أمينها العام وشخصيات أخرى منها في أعمال ذلك المؤتمر) .
ترى أتؤشر هذه الملاحظة مسلكا جديدا في تعامل المحتلين مع اللاهثين وراء عمليتهم السياسية ، المستدرجين لحضيض مشاريعها ؟ .. أم أنها تجسد الخطوة الأولى في توجه ينحى إليه المحتلون ويقضي بإسقاط هذه الورقة من لعبتهم السياسية ، أو على الأقل تحجيم دورها ، بعدما استنفذت الإغراض المتوخاة منها ، وكما سبق لهم وفعلوها ، بل واعتادوا على فعلها ، في غير مكان وغير زمان .. وما ورقة ((مجالس الصحوات)) عن مثل هذا المنحى ببعيد ؟ ..
على أية حال ، سنكتفي بطرح هذين السؤالين بعدما اشرنا إلى الملاحظة السابقة عليهما ودون الإسهاب تحليلا أو تقييما لما يقف وراءها من دوافع وأجندات ، أو ما يثور بعدهما من أسئلة أخرى ، تاركين لقادم الأيام الكشف عن كل ذلك .
ونحسب انه لن يختلف اثنان على أن الدعوة إلى ((المصالحة الوطنية)) في مجتمع ما تفترض التسليم أولا بأن ثمة نزاعا قائما أو صراعا حالا ، أو على الأقل خلافا حادا وظاهرا ، بين مكونات ذلك المجتمع . كما وتفترض التسليم ثانيا بوجود مبررات موضوعية لذلك النزاع القائم أو الصراع الحال أو الخلاف الحاد الظاهر . اعني إن يكون ثمة ما هو مختلف عليه موضوعيا بين مكونات المجتمع الواحد حول وجود أو ماهية أو أولوية ما يواجهونه من مشكلات اجتماعية في زمان معين . وبدون هاتين المسلمتين تصبح الدعوة إلى ((المصالحة الوطنية)) مجرد شعار فارغ من أي مضمون . هذا إن لم تكن شعارا مضللا يخفي الداعون إليه من وراءه غايات أخر .
وإذا كنا لا ننكر وجود صراع مستعر وعنيف على امتدادات ساحة عراقنا المحتل ..، صراع دفع فيه شعبنا الصابر طيلة أكثر من خمس سنين ماضية ، ولم يزل يدفع حتى يومنا هذا ، أغلى التضحيات من زكي دماء أبناءه ، وعفيف أعراض حرائره ، وعزيز كرامة إنسانيته ، كما ودفع أيضا أفدح الخسائر من هنيء استقراره ، وغالي ممتلكاته وخيراته ، وفرص تطوره وتقدمه ..، إلا إن ما هو مستقر حقيقة راسخة في وعينا وضمائرنا إن هذا الصراع ليس قائما فيما بين مكونات شعبنا الواحد . فشعبنا الصابر بكل مكوناته يقف طرفا فيه في مواجهة حشر من محتلي أرضه ومنتهكي سيادته الغاصبين لاستقلاله المغتصبين لحريته المعتدين على وجوده ووحدته وكرامته ، ومن ربيبي الخيانة وصنيعة العمالة نبت الحرام وحصاده . أنه صراع الوجود والحرية والكرامة بين شعبنا الصابر بكل مكوناته وبين جلاديه المحتلين وعملائهم الموغلين معا بالعدوان عليه وإيذاءه وظلمه . أنها حقيقة لا يملك إنكارها أو التغاضي عن إدراكها كل ذي عقل لبيب . وهذا من ناحية .
من ناحية أخرى فأن ما يؤجج هذا الصراع ويزيد على الدوام من سعيره هو وجود المحتل وتفاقم جرائمه وشراسة عدوانيته ، وليس ما أعتاد إن يلوكوه كالبهائم خونة عراق العروبة وعملاء محتليه ومن تحلق حولهم واقتات من سحت علائقهم عن ((المظلومية التاريخية)) أو ((الصراعات الدينية والمذهبية)) أو ((التناحرات العرقية)) .. إلى ما سواها من مصطلحات خائبة أبدعتها لهم قريحة سائسيهم المحتلين وكانوا لها من المروجين . فحقيقة الأمر أنه كما لا يمكن إن توجد على وجه هذه البسيطة دولة واحدة تصطبغ بشرة سائر أبناء شعبها بلون واحد ، أو تتوحد جميع ألسنتهم على لغة واحدة ، أو تجتمع كل قلوبهم وعقولهم على أدراك واحد وفهم موحد ..، فأنه لم يوجد فيما نعرفه من تاريخ الدول ، سواء ما كان منها قائما أو منقرضا ، شعب بعينه ينحدر من أصل عرقي واحد ، أو يتدين بمعتقد ديني واحد ، أو ينتهج مذهب فقهي واحد . وليس شعبنا العراقي العربي بشاذ عن هذه الحقيقة الاجتماعية الإنسانية . ولن نغالي أبدا حين نقرر إن التنوع العرقي والتعدد الديني والمذهبي في مجتمعنا ، كانا على مر تاريخه وما يزالا ، من أهم مصادر قوته وتماسكه وغناه . وان شعبنا بجميع مكوناته لم يضق يوما بهذا التنوع الباهر ولا بذاك التعدد المبهر ، ولم يتوقف يوما ومنذ فجر تاريخه المجيد عن توظيف هاتين الميزتين أثراءا متميزا وخلقا متفوقا في بناءه الحضاري الشامخ ..، إنما ضاق دائما بجميع البدع التي تظهر تنوع مكوناته العرقي على أنها نوعية متميزة أو ممتازة في العرق ، وضاق أبدا بجميع الضلالات التي تصور تعدد دياناته ومذاهبه على أنها تعداد مفاضلة فيما بين الأديان والمذاهب أو فيما بين المتعددين بأديانهم أو بمذاهبهم أو بإعدادهم . وأن هذا الشعب العظيم لم يزل يضيق بهؤلاء وهؤلاء حتى يومنا هذا ، فترى جميع مكوناته مجمعة ، برغم كل ما تكابده من جرائم المحتلين الغزاة وعدوانيتهم ، وبرغم كل ما تعانيه من سطوة وقسوة المتباهين بنوع عرقهم ، وبرغم كل ما تنوء به من غدر وفتك المتنطعين بوحدانية هدايتهم ..،على التمسك بوحدتها شعبا واحدا لوطن واحد ، رافضة بأبلغ صور الرفض جميع مشاريع تقسيمها في كانتونات عرقية أو تجزئتها على إقطاعيات دينية أو مذهبية ، مصرة في ذات الوقت على التميز بموقفها هذا عن سائر المنافقين المتزلفين لودها من المدعين وصلا بها أو الزاعمين تمثيلا لها أو المتوهمين زعامة عليها .
كذبة إذن ، واكبر كذبة ، ما يروج له المحتلون وعملائهم من دعوات ((المصالحة الوطنية)) ..، فهي ليست إلا محاولات زائفة وبائسة ويائسة لمد عمر احتلالهم لعراق العروبة من خلال السعي لإقناع مكونات شعبه الصابر العظيم بأن ما يحتويهم منذ خمس سنين مضين من صراع عنيف ومحتدم إنما هو قائم فيما بينهم كعراقيين ، وان منشئوه ما جبلوا عليه منذ آلاف السنين من تنوع أعراقهم وتعدد دياناتهم ومذاهبهم . وهي محاولات زائفة لأنها تختلق أطرافا للصراع القائم على امتداد ساحة عراق العروبة غير أطرافه الحقيقيين . وهي محاولات بائسة لأنها تتحايل على المبرر الموضوعي للصراع القائم فعلا فيما تروجه لترهاتها الخائبة كبديل عنه . وهي محاولات يائسة لان لجوء المحتلين إليها وتمسكهم بها يأتي بعد يقينهم من عجز آلتهم الحربية المدمرة الفتاكة عن تحقيق نصر استراتيجي منظور على مقاومة شعبنا الباسلة لهم ، ثم جاءت خسائرهم المتفاقمة في الأشخاص والمعدات والأموال نتيجة الضربات الموفقة لفصائل مقاومتنا الباسلة لتضعهم في مأزق حقيقي ولتحملهم حملا على تغيير أولويات الركائز الأساسية لإستراتيجيتهم ليقدموا جبرا على منهجهم العدواني عوامل الحل بمكر السياسة على عناصر الحسم بقوة السلاح .
فهل يتنبه اللاهثون وراء مشاريع المحتلين ممن لم نزل نتوسم الصدق في نواياهم والإخلاص في مواقفهم ما هم إليه ساعون ، فيتوقفون عن الانجرار وراء سراب المحتلين وأكاذيبهم ، ويحتفظون لذواتهم بما حفظته لهم ذاكرة شعبهم من تقدير وتبجيل ؟ .. أم تراهم سيكابرون ويحثون خطاهم فيما أركسوا به ليتجرعوا مرارة الندم حين ينبذهم شعبنا الصابر إلى صف خونة قضاياه المصيرية وذلك بعد إن يبلغوا مختارين قاع أوهام المحتلين وضلالاتهم ؟ .. ولآت حينَ مندمِ .

العراق المحتل
2/9/2008

الأحد، 17 أغسطس 2008

نحن .. والعملاق الروسي ..



وأخيرا استفاق العملاق الروسي من غفوة سباته . استفاق ، وكما كل العمالقة ، مستنهضا كامن نشاطه ، متحاملا على نعاسه وتكاسله ، متثائبا بفاغر فمه ، مستنشقا بملء رئتيه نسائم النقاء المتسربلة عبر هضاب سيبريا وسفوح الاورال ، فاردا ذراعيه ذات اليمين وذات الشمال .
وتشاء الأقدار إن تتزامن استفاقة هذا العملاق المارد مع اجتياح دبيب من القوات المسلحة الجورجية لاوسيتيا الجنوبية .. واوسيتيا الجنوبية هي الجزء الجنوبي من اوسيتيا التي دخلت تحت الولاية الروسية منذ عام 1878 م . ثم قسمت إلى كيانين شمالي وجنوبي الحق الأول منهما عقب تفكك الاتحاد السوفيتي بالاتحاد الروسي بينما الحق الثاني بجورجيا . ومنذ ذلك الحين تحول جورجيا دون وحدة شطري اوسيتيا ، وقد استخدمت القوة المسلحة لأكثر من مرة ضد اوسيتيا الجنوبية لإرغامها على التخلي عن سعيها للوحدة مع اوسيتيا الشمالية والانضمام إلى الاتحاد الروسي ، وكان آخرها الهجوم المسلح واسع النطاق في الثامن من هذا الشهر . نقول : شاءت الأقدار إن تتزامن استفاقة الدب الروسي مع اجتياح دبيب من القوات المسلحة الجورجية لاوسيتيا الجنوبية ، فما كان منه وهو للتو يقف منتصبا إلا إن داس بطرف الإصبع الأصغر لقدمه اليمنى على دبيب تلك القوات فأحالها مجتمعة قاعا صففا في برهة من زمن . وإزاء هذه الهزيمة المنكرة التي منيت بها القوات الجورجية ، تراكض سياسيو دولتها وهم متباكين بعالي صوتهم منتخين حلفائهم في الغرب الأوربي الأمريكي .. ولكن يا لحسرتهم .. ما من مجيب . فأعاد لنا هذا المشهد المذل ما اختزنته ذاكرة تاريخنا القريب من مشهد إذلال مشابه مر بحلفاء العدوان الثلاثي الغاشم على مصر العربية . إذ وعقب تأميم الزعيم الراحل جمال عبد الناصر رحمه الله تعالى لقناة السويس البحرية ، شنت القوات الانكليزية والفرنسية والصهيونية هجوما مسلحا مدبرا شاملا على مصر العربية ابتدأ بأختراق صهيوني على جبهة سيناء بعيد ظهيرة يوم 29 تشرين أول/1956 ليعقبه بعد ليلة واحدة غزو للأراضي المصرية وقصف عنيف بالطائرات والمدافع والبوارج البحرية للعديد من مدنها نفذته القوات الانكليزية والفرنسية لسبعة أيام متواصلة ولم توقفه مجبرة إلا منتصف ليلة 6-7 كانون أول/1956. ولقد تصدى شعبنا العربي في مصر بتلاحم خلاق بين جيش الشعب وشعب الجيش ، ومؤازرة والتفاف صميمين وراء القيادة الوطنية للبلاد ..، لهذا العدوان الآثم ببسالة فائقة ، وشجاعة نادرة ، ومقاومة فذة عنيدة أذهلت الأعداء وأبهرت كل شعوب الدنيا . وإزاء هذه المقاومة الباسلة الثابتة لشعب كاد إن يكون اعزلا بالمقارنة مع هول ترسانة القتل والدمار التي أنزلتها به آلة الحرب الغاشمة لدول حلف العدوان الثلاثي ، كان لابد لكثير من شعوب العالم وقادة دولها وحكوماتها ، أن تتحرك ردا للبغي والعدوان ودعما للحرية والعدل والسلام . وهذا ما كان ، فقد تجاوز الدعم ، من العديد من شعوب ودول العالم ، مجرد إصدار بيانات التأييد ، أو إعلان تصريحات التنديد ، إلى فتح مراكز التطوع للقتال إلى جنب شعبنا في مصر العربية . هذا علاوة على فتح مراكز أخرى للتبرع بالعيني من الأشياء والمهمات التي تسعف الجرحى وتعين المتضررين والمشردين من أبناء مدن المواجهة . ولقد كان من أكثر القرارات جرأة على العدوان والعدوانيين ، وانتصارا للحرية والعدل والسلام ، هو ألإنذار الذي وجهته القيادة السوفيتية إلى حكومات دول العدوان الثلاثي بتوقيع الماريشال بولجانين رئيس الوزراء الروسي آنذاك والمتضمن أمرا سوفياتيا لتلك الدول بالإيقاف الفوري لحربها العدوانية وإلا دكت عواصمها بالصواريخ السوفيتية . وحينذاك أيضا سارع العدوانيون مهرولين متباكين منتخين بحليفتهم وقائدة معسكرهم الامبريالي الولايات المتحدة الأمريكية ، فما كان لهم من مجيب . فما أشبه الليلة بالبارحة ، إلا إن ليلتنا هذه قد زادت فشهدت صفعة ساحقة أنزلها العملاق الروسي بالقزم الجورجي ، بعدما توهم ذلك القزم فيمن حالفهم لأكثر من عشر سنين خيرا ونصرة .
وكما كان موقف الاتحاد السوفيتي المتصدي بكل ثقله السياسي والعسكري للعدوان الثلاثي على مصر العربية مدخلا لسيادة نظام عالمي جديد كان من ابرز سماته أفول نجم الهيمنة الاستعمارية التقليدية وهزيمتها في اغلب مناطق العالم تحت ضغط المد المتصاعد لحركات التحرر الوطني في كل من أسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية ..، فأن الموقف الحازم الذي اتخذته روسيا الاتحادية تجاه جورجيا يؤشر بداية لحقبة جديد في العلاقات الدولية من المؤكد إن من ابرز سماتها نهاية عصر الهيمنة الانفرادية الأمريكية وعودة متسارعة لعالم متعدد الأقطاب .
وكما كان انتصار الولايات المتحدة الأمريكية قائدة التحالف الثلاثيني العدواني على العراق العربي فيما سمي حرب الخليج الثانية عام 1991 ، وهيمنتها شبه المطلقة – كنتيجة مباشرة لذلك الانتصار- على كامل منطقتنا العربية وعموم العالم ..، احد الأسباب الرئيسية وراء شرذمة الاتحاد السوفيتي وتفككه دولا شتى ..، فان الفشل المستمر الذي يلاحق المشروع العدواني الأمريكي في منطقتنا العربية وعموم العالم ، ومنذ غزوها لأفغانستان المسلمة وعراق العروبة واحتلالهما بالكامل احتلالا مباشرا ، رغم حشدها كامل قوتها وترسانتها العسكرية ، واستعانتها ، بالترغيب حينا والترهيب أحيانا أخرى ، بترسانة وإمكانيات حلفائها الآخرين ، وأنفاقها بسخاء أستنزف أموالا طائلة وأرقاما مهولة من موازنتها وودائع خزائنها ، وتجنيدها لقطعان لا آخر لهم من الخونة والعملاء والعصابات والمرتزقة ، وتفننها في ابتكار وتطبيق شتى الخطط والأجندات والسياسات ، وتوظيفها غير المحدود لماكينة دعايتها وأعلامها ، واستخدامها واسع النطاق لكل الأساليب القذرة والأسلحة المحرمة ، وفي شتى ميادين حربها المسعورة على شعبي أفغانستان والعراق الصابرين ..، سيبقى سبب رئيسي لاستفاقة العملاق الروسي من غفوته التي طالت لزمن جيل كامل .
إن المشروع العدواني الأمريكي ما كان ليفشل ابتداءا ، ولا إن يستمر في فشله لاحقا وحتى يومنا هذا ، لولا المقاومة الباسلة التي نهضت بها طلائع شعبي أفغانستان والعراق الصابرين . فلقد تمكنت حركتي المقاومة الوطنيتين في كل من أفغانستان والعراق من التصدي ببسالة فائقة لزعيمة محور العدوان وقائدة المعسكر الامبريالي ، القوة الأعظم عسكريا واقتصاديا وسياسيا في عالمنا المعاصر ، ثم دفعها دفعا ، إلى وحل الهزيمة المنكرة . غير انه من نافلة القول ، ودون أي غرور أو تهوين من دور مقاومة أخوتنا ورفاق النضال التحرري في أفغانستان المسلمة ، ودون أي سلب لدورهم الفعال والمؤثر في هزيمة المشروع الأمريكي وسحق ما رصد له من عناصر العدوان ..، أن نؤكد حقيقة مفادها إن مقاومتنا العراقية اليعربية الباسلة هي من تتقدم صفوف جميع المقاومين للهيمنة الاستعمارية الأمريكية المناهضين لمشروعها الكوني ، فيما جمعته من رصيد المواجهة المتميزة والانتصارات الباهرة والضربات النوعية المتفوقة والخسائر الجسمية التي أنزلتها بقطعان المحتلين الغزاة وحلفائهم وعملائهم ، وهي التي لم تزل تمسك بخطامهم مجتمعين ، ولم تزل تبقيهم ومنذ خمس سنين ، ضمن دوامات وحل الخسران والهوان حتى باتوا قاب قوسين أو أدنى من هزيمتهم الشاملة الساحقة النهائية بأذن الله تعالى .

العراق المحتل
16/8/2008

الثلاثاء، 12 أغسطس 2008

ويستمر (الطك) عراقيا يعربيا

ويستمر (الطك) عراقيا يعربيا ..

( 1 ) بداية هذا الأسبوع نشرت لي مقالة بعنوان ((حظ في السحاب .. وعقل تحت التراب)) ، قلت فيها :(( إن من مبتكر السلوك المنحط لخونة عراق العروبة وعملاء محتليه تعمدهم قلب ما أستقر في وعي شعبنا الصابر من مفاهيم وقيم رأسا على عقب ..، وذلك من خلال تزييفهم لحقائق الأمور ، وتحريفهم لوقائع الإحداث ، وحرصهم الدائم على تشويه الغايات السامية والمقاصد النبيلة للفعل المقاوم المتصدي ببسالة قل نظيرها لوجود سائسيهم المحتلين وخططهم الامبريالية وسياساتهم الاستعمارية . فالاحتلال ، عند اؤلئك الدجالون الأفاقون ، تحرر من العبودية ، والانغماس في تنفيذ مشاريعه وخططه الاستعمارية انتصار للحرية ، وقتل ما يزيد على المليون وربع المليون عراقي وتشريد عدة ملايين أخرى وإطلاق يد أراذل المجرمين على من تبقى منهم ممسكا بوطنه هو عندهم نصر ناجز لمظلوميتهم التاريخية ، ونهب ثروات العراق وتدمير مدنه وحواضره وتفتيت مؤسسات دولته إقرار لعدالتهم المنسية ، ومسخ هويته الحضارية وسلخه عن محيطه العربي وانتماءه القومي وتجزئته وتقسيمه ترسيخ لتعدديتهم وتوكيد لديمقراطيتهم ، والطائفية والعنصرية عندهم هما المرجعية فالولاء لهما لا يتقدم عليه ولاء آخر ، والعمالة عندهم هي الوطنية ، والخيانة نزاهة وشفافية ، ومقاومة المحتل وسياساته وخططه وأعوانه عندهم إرهاب وخروج على قانونهم ... )) .
ولم تكد تمضي بضعة أيام على نشر مقالتي حتى دفع الواقع العراقي بشاهد على صدق ما قلت . فها هو احدهم يكتب تحت عنوان ((خاتمة (الطك) لأهالي ديالى)) *، فاضحا ومفصحا في آن معا عن ذلك السلوك المبتكر لخونة عراق العروبة وعملاء محتليه .
دعونا أولا ، وقبل التعرف على مضمون ما حمله ذلك العنوان وتعريته ، نتعرف على شخص كاتبه .
( 2 ) الكاتب هو فارس حامد عبد الكريم ، عمل مديرا عاما في ما يسمى هيئة النزاهة العامة التي تم تشكيلها بموجب الأمر رقم 55 الصادر في 28/1/2004 عن ما يسمى سلطة الائتلاف الموحدة التي أنشأها المحتلون الأمريكان عقب احتلالهم لعراقنا العربي لإدارة وتوجيه جميع نشاطات مؤسسات الدولة ، ونصبوا مندوبهم السامي ((بول بريمر)) رئيسا عليها وحاكما على عراقنا المحتل . ثم عين بمنصب نائب رئيس الهيئة المذكورة لفترة من الزمن ، ليطاح به من قبل خصومه ، ثم ليعود إلى منصبه ثانية بقرار حكم قضائي . وغني عن البيان إن من وقع عليه الاختيار ليكون مديرا عاما في مثل هذه المؤسسة ، ثم رقى لمنصب نائب لرئيسها ، لابد إن يكون من أصحاب الحظوة عند المحتلين الأمريكان وعند دهاقنة عملائهم . ولابد إن يكون أيضا من المهادنين للمحتلين الغزاة ، الداعمين لاحتلالهم واستمراره ، المؤيدين لخططهم وسياساتهم ، المشاركين في برامجهم وأجنداتهم . وهو لاشك أيضا من المناهضين لكل من يقاوم أولياء نعمته المحتلين الغزاة ، ولكل رافض لوجودهم . وبدون ذلك – على الأقل - لا يعقل إن يقع اختيار المحتلون وزبانيتهم المقربين عليه لينصبوه على ما نصبوه من مناصب في مؤسسة هم ابتدعوها . وهي المؤسسة التي أناط بها المحتلون مهام محاربة الفساد الإداري والمالي الذي استشرى عقب احتلالهم لعراق العروبة بين عملائهم وأجهزة حكومتهم العميلة ، غير أن هذه المؤسسة التي ابتدعوها زاحمت فاسدي حكومتهم العميلة بفسادها حتى أزكمت روائح فسادها أنوف دواب المحتلين ليطالب قطيع منهم بلسان أحدهم (رئيس لجنة النزاهة في مجلس دواب المحتلين) جهارا نهارا بإقالة رئيسها ومحاسبة المفسدين من مسؤوليها . وهي ذات المؤسسة التي خطفت أخبارها والاتهامات الموجهة إليها أضواء الإعلام فترة من الزمن ، خصوصا بعدما منع رئيس حكومة المحتلين(نوري المالكي) سفر رئيسها (القاضي راضي حمزة الراضي) على خلفية اتهامه بالفساد ، ولكن الأخير تمكن من استغفاله والهرب إلى أمريكا مصرحا من هناك بأنه يملك وثائق وأدلة على فساد رأس الحكومة ومن بمعيته من مستشارين ووزراء وانه سيضعها أمام أنظار النواب الأمريكان ..، فغضب الأول وأزبد وأرعد وتوعد من هرب بالقصاص ..، إلا انه وبعد مضي بضعة أيام على وعيده – وبقدرة قادر – وافق على منحه تقاعدا مريحا في دولة العم سام !!.. ترى أي ثمن كان يقف وراء تخلي المتوعد عن وعيده ؟ . وأي ثمن قد قبضه الهارب عن سكوته ؟ .
والكاتب يزعم انه حاصل على شهادة البكالوريوس في القانون بتقدير جيد جدا ، والمتفوق الأول على دورته ، وحاصل على شهادة الماجستير في القانون أيضا ، التخصص : فسلفة (هكذا جاءت بالنص في بطاقته التعريفية المنشورة على مركز النور) قانون ، تشريع ، مدني ، إداري .. ، وهو تخصص لابد إن ينفرد به الكاتب دون سواه من القانونيين في العالم أجمع . إذ يعرف حتى المبتدئين في الدراسات الأولية للقانون أن ثمة توزيع مستقر فقهيا وأكاديميا لاختصاصات القانون على فروعه الثلاث الشائعة وهي القانون العام ، والقانون الخاص ، والقانون الدولي . فالقانون المدني الذي يزعم الكاتب التخصص فيه هو من فروع القانون الخاص ، بينما القانون الإداري الذي يزعم التخصص فيه أيضا هو فرع من فروع القانون العام ، فكيف تسنى للكاتب الزعم بأن يجمع التخصص في كلا القانونين (المدني والإداري) على السواء وبشهادة اختصاص واحدة ، مع إن كلا منهما يتبع فرع من فروع القانون ؟ .. هذا خصوصا وان الكاتب لم يورد في سيرته التعريفة الزعم بحصوله على شهادتي ماجستير كل منهما باختصاص محدد . وهذا – أيضا - مع تنحية ما زعمه عن تخصصه في فلسفة القانون والتشريع الذين هما من أصول العلوم القانونية . واضح أذن أن الكاتب بهذا الزعم إنما أراد إن يلبس نفسه جلباب التخصص بعلوم لا يفقه استحالة جمعها بشهادة اختصاص واحدة ، وفي ظنه إن مثل هذا الزعم سينطلي على عموم الناس . ولسنا ندري أهي مجرد نزوة للتبختر في نفس الكاتب قضاها ؟ .. أم هو ذات المسلك المعتاد عند صنيعة المحتلين وتوابعهم ، الشبيه تماما بمسلك الزميل السابق للكاتب في عمله ، مدير عام دائرة الوقاية والشفافية في ذات الهيئة التي ينتسب إليها الذي سبق وأنتحل وثيقة مزورة بشهادة جامعية صادرة عن كلية الإدارة والاقتصاد / جامعة بغداد ، فلما افتضح أمره ولى هاربا بما حمله من أموال الفساد (سبحان الله ما يتم فضح أمر أحدهم حتى ينجو بفعلته هاربا إلى خارج الديار ، وبرغم ذلك يقولون : أنها دولة قانون !!) ، فسيق إلى محكمتهم الجنائية المركزية التي أصدرت بحقه حكما غيابيا يقضي بسجنه 15 عاما بالتمام والكمال * .
( 3 ) كان لابد للكاتب لكي يكون على مسلك أقرانه المبتكر من إن يقلب حقائق الأمور رأسا على عقب ، لذا بدأ ما كتب بتصوير رومانسي حالم عن المشهد العراقي الراهن حيث ((رحيق عسل ورد وفاكهة برتقال ورمان بساتينها تنقله الفراشات والنحلات العاملات الى بيوتات العراقيين كافة )) و((ما برح البلبل الفتان يغني على أغصانها بأعذب الألحان)) . وهو تصوير يناقض تماما ما هو كائن فعلا في الواقع ، حيث أزير طائرات المحتلين من كل نوع ومن كل لون ومن كل حجم يصرع السكون أناء الليل وأطراف النهار ، وحيث هدير سرف (جمع سرفة وهي الحزام الناقل لحركة الدروع على الأرض) مجنزرات المحتلين ودباباتهم يصم آذان السامعين من كل الأعمار ، وحيث بنادق ورشاشات عساكر المحتلين وشرطة وحرس حكومتهم العميلة لا تتوقف عن إطلاق رصاصاتها تصويبا أو تحذيرا ، في كل طريق يسلكونه ، وعبر كل شارع يقطعونه ، وحيث الخراب والتدمير والقتل يوزعه المحتلون على سائر مدننا وأحيائنا وقرانا ، وحيث البطش والغدر تفتك به عصابات وميلشيات حكومتهم العميلة التي هندموها فالبسوها ثيابا للشرطة أو الحرس ، وحيث هوان الذل ، وذل الهوان ، تسقيه حكومة المحتلين العميلة لعموم شعبنا الصابر فتحرمه الكهرباء والماء وسائر الخدمات الأساسية الأخرى التي لا تفتقدها كثير من أفقر شعوب الأرض ...، وما هذا إلا غيض من فيض ما يعيشه عراق العروبة ويعانيه شعبه الصابر منذ أكثر من خمس سنين .
( 4 ) يقول الكاتب :((ابن ديالى ، سني أو شيعي ، مسلم أو مسيحي ،عربي او كردي ، هو عراقي دائماً ... لا يقبل مطلقاً ان تداس كرامة وطنه او شعبه والموت دون ذلك.)) ، ولعمري انه قول الحق أريد به الباطل ، وإلا فهل من كرامة الأوطان إن تدنس أراضيها قطعان المحتلين ؟ . وهل من كرامة الأوطان إن تُقَطّع أوصالها بقرار من محتليها ؟ . وهل من كرامة الشعوب إن تستعبد وتستعمر وتذل وتنتهك حرماتها من أجنبي غازٍ ؟ . وهل من كرامة الشعوب إن يفرض عليها مستعمروها ما تختاره إرادتهم دون إرادتها ؟ ..
ثم ها هم العراقيون النجباء الاصلاء الأوفياء لوطنهم ودينهم وقيمهم الأمناء على عهدهم ، ها هم منذ خمس سنين يذودون عن كرامتهم التي امتهنها المحتلون وعملائهم فيصولون عليهم في كل حين ، وفي كل مكان ، صولة الحق وينزلون بهم وبأعوانهم مر عذاب الله العزيز ، ومع هذا فان الكاتب لا ينفك عن تكرار وصمهم بـ((الأشرار)) و ((الإرهابيين)) و((القاعدة)) !! .. ألم يكن حريا به - وهذا قوله- الدعوة إلى قطع أرجل وأيادي كل أجنبي دنس تراب وطننا العزيز فأحتل أرضنا واستعبد شعبنا ؟ .. فلماذا إذن انقلبت الحقائق عنده فأحالت العراقي الذائد عن كرامة وطنه وشعبه إلى ((إرهابي ، شرير ، من القاعدة)) ؟ . هل فات الكاتب الاطلاع على ما اعترف به قادة المحتلين الأمريكان بأنفسهم ، من انه لا وجود لتنظيم القاعدة في العراق قبل نيسان/2003 * ، أي قبل تاريخ احتلالهم لوطننا العزيز ، وبما يعني إن المحتلين الأمريكان هم من جلب القاعدة إلى عراقنا العربي ، وهم وحدهم من يتحملون كامل المسؤولية عما ترتكبه وينسب إليها من أفعال إرهابية ... فلماذا إذن يكرر الكاتب ، ويصر ، على وصم الفعل البطولي لمقاومتنا الباسلة الذي ينال المحتلين الأوباش وعملائهم الأنذال بـ((الإرهاب)) ؟ .. ولماذا يحصر سفك دماء العراقيين بمن يسميهم ((الإرهابيين)) ، ويعني بهم مقاومينا الإبطال ، متغاضيا الإشارة – مجرد الإشارة ولا نقول ذكر- جرائم المحتلين الأمريكان بحق العراقيين على طول بلادنا وعرضها ..، جرائمهم التي لم يسلم منها طفل ولا امرأة ولا شيخ ناهيك عن شباب بعمر الورد ورجال زهوة لإقرانهم ..، جرائمهم التي لاحقت حتى المعتقلين في سجونهم فنالت من حياتهم ومن حيائهم ..، جرائمهم التي طالت الآمنين في مساكنهم ، والعابدين في المساجد ودور العبادة ، والراقدين في المشافي ، والتلاميذ والطلبة في المدارس والمعاهد والجامعات ، جرائمهم التي لم تتوقف عند القتل والإيذاء الجسدي لملايين من العراقيين بل تعدتها إلى اغتصاب حرائرهم ، وانتهاك أعراض النساء والرجال منهم على حد سواء ، وسرقة بيوتهم وممتلكاتهم ، والتخريب المتعمد لمدنهم ومنشآتهم ..، جرائمهم التي لم تسلم منها بيوت الله جوامع وكنائس . أم ترى هذا الكاتب لا يعتقد فيها جرائم تدين المحتلين الأمريكان ، مع أنهم -وتحت ضغط الرأي العام- كثيرا ما يجبروا على الإقرار بمسؤوليتهم عنها . ثم لماذا يصر على حصر سفك دماء العراقيين بمن يسميهم ((إرهابيين)) ، ويعني بهم مقاومينا الأشاوس ، ويبرأ ميلشيات الحكومة العميلة وأحزابها الخائنة والعصابات الصفوية لإيران الفارسية التي تعيث فسادا وإفسادا على أرضنا الطاهرة ، من جرائمها الخسيسة الدنيئة التي أزهقت أرواح مئات الآلاف من العراقيين ، وشردت الملايين منهم ، وانتهكت الحرمات ، واستباحت المقدسات ، ونهبت وسرقت ودمرت حتى لم يعد في قوس جرائمها من منزع ، فراح المحتلون الأمريكان وعملائهم يواجهونهم ويطاردونهم ، وحتى الساعة ، بعدما باتوا خطرا محدقا بهم ، واعترفوا معا بأن هذه المجاميع التي أسموها ((مسلحة)) كانت الأكثر دموية وشرورا ضد العراقيين . أم تراه في هذه لا يشاطر سائسيه المحتلين وعملائهم بما توجسوا به من خطرهم وما اعترفوا به من جرائمهم وشرورهم ؟ . باختصار شديد .. لماذا يصر هذا الكاتب على لصق ما ارتكب من جرائم بحق العراق العربي وأهله بأبنائه الذائدين عن حماه وكرامته ، فيما يتعامى عن حقائق تدين المعترفين بارتكابها وتسميهم بأسمائهم ؟ .. ثم إن الكاتب يزعم انه قانوني ، ألم يفقه أن من أصول قواعد الإثبات المرعية قانونا : أن الإقرار دون أكراه هو سيد الأدلة . فبأية حجة أذن يهدر إقرار المجرمين بذنب جرائمهم .
( 5 ) ويزعم الكاتب إن روابط القربى والنسب بين مكونات الشعب العراقي تمتد إلى 5000 ألاف عام ، وان محاولات تفتيتها وتمزيقها ستبوء بالفشل . فنسأل : ومن سعى في تفتيت هذه الروابط ومحاولة تمزيق لحمتها وفك عراها غير المحاصصة الطائفية التي روج لها المحتلون الأمريكان ولم يزل ينفذ أجندتها عملائهم الطائفيون العنصريون الخونة ؟ .. فالقاصي والداني يعرف تمام المعرفة خلو عراق العروبة ، قبل تدنيس المحتلين وعملائهم لأرضه ، من أية حالة من حالات الصراع الديني أو المذهبي أو العرقي بين مكوناته ..، حيث كل العراقيين من أقصى الوطن إلى أقصاه في ألفة ومحبة ومصاهرة على شرع الله تعالى ..، ما سمع أحد يوما إن عراقيا قتل آخر أو انتهك عرضه أو سلب حقوقه لأنه على غير ما يعتقده ديانة أو غير ما يؤمن به مذهبا أو غير ما ينتمي له نسبا . فقط بعد احتلال عراقنا العربي صرنا نسمع بمثل ذلك ، وبما هو أكثر منه بشاعة وشناعة ، حيث يفتي معمموا الاحتلال وسدنة المجوس الصفويين باستباحة دم العراقي ويحرضون رعاعهم بكل وسيلة على أنفاذ فتاواهم .
أن البعيد قبل القريب يدرك اليوم أن تقسيم العراق ولايات طائفية عنصرية هو واحد من أهداف الغزو الأمريكي له ، وهو هدف التقى عليه أعداء العراق العربي المتحالفين منهم والمتصارعين فأضحى محورا لسياستهم جميعا تجاهه ، ولعل من اقرب مشاريع المحتلين السياسية التقسيمية للذكر في هذا الشأن مشروع السناتور ((بايدن)) الذي أقره كونجرسهم منذ نحو عامين . وها هي النزعة الطائفية والعنصرية التي روج لها المحتلون ونفذتها عصابات حكومتهم العميلة وميلشيات أحزابها المجرمة ، تفتك بالبلاد فبعد ((إقليم كردستان)) و((إقليم الجنوب)) ، تأتي الدعوة لاقتطاع كركوك العربية ، والدعوة إلى ((إقليم البصرة)) ، والصراع على الحدود بين الانبار والنجف !! (تصوروا) .. وسوف لن يتوقفوا عند هذا الحد ، لان تقسيم العراق العربي هدف التقت عليه مصالح المحتلين الأمريكان وحلفائهم الصهاينة وغرمائهم الفرس المجوس على السواء ، ولان الطائفية والعنصرية سمة لصيقة بعقول وسلوك ونفوس كل خونة عراقنا العربي وعملاء محتليه . فكل هذه الإطراف من يزرع الأحقاد والبغضاء والعداوة بين العراقيين ، وكل هذه الإطراف من يستفيد من تناحر العراقيين وتقاتلهم .
( 6 ) أما عن ديالى الباسلة ، التي هي اليوم مسرح لعملية إبادة ممنهجة ومتعثرة تشنها قطعان المحتلين ورعاع حكومتهم العميلة على مقاومينا الإبطال وحواضنهم الوفية هناك ، أملا في القضاء عليهم وعليها ، أو تحجيمهم وتحجيمها على اقل تقدير ، فأن مجرد تعثر تلك العملية وإعلان القائمين عليها تمديد مهلها وتوقيتاتها ، وتسترهم وراء ما يكررونه من مزاعم صعوبة تضاريس الأرض ، والحركة الدائمة للعدو ، لدليل قاطع على فشلها .وان هذا الفشل هو ما دفع قطعان المحتلين ورعاع حكومتهم العميلة لان يمعنوا في إزهاق أرواح الأبرياء هناك ، ويكثروا من اعتقالاتهم بين صفوف شباب ديالى ورجالها ، وهو ذات المسلك الذي سبق واتبعوه في البصرة ومدينة الثورة والسماوة وذي قار والموصل ، وكان الفشل في كل منها حليف لا يفارقهم . وسيستمر (الطك) بالمحتلين وعملائهم من ليوث ديالى الإبطال الأوفياء لوطنهم ، سيستمر (الطك) بالمحتلين وعملائهم من جميع مقاومينا الشجعان أولي الغيرة والحمية والنخوة حتى تحرير كامل أرضنا من دنس الغزاة والحاقدين بأذن الله العزيز ، ويومئذ فقط يفرح العراقيون ، كل العراقيين الشرفاء ، بنصرهم المجيد ..، ويومئذ فقط سيعلم الأفاقين ، خونة عراقنا العربي وعملاء محتليه ، أي منقلب ينقلبون .
* http://www.arabvoice.com/modules.php?op=modload&name=News&file=article&sid=11266&mode=thread&order=0&thold=0 * http://www.eyeiraq.com/show/6738.html
*
http://www.albadeeliraq.com/new/showdetails.php?id=17471&kind=news

العراق المحتل
12/8/2008

الاثنين، 11 أغسطس 2008

على هامش بحث الدكتور نوري المرادي

على هامش بحث الدكتور نوري المرادي

في الجزء الخامس من بحثه القيم الرصين عن السيدة الطاهرة فاطمة الزهراء عليها وعلى أبيها وبعلها وذريتها أفضل السلام وأزكى التسليم ، تناول الأستاذ الدكتور نوري المرادي موضوع بيعة الغدير وما يتصل بها من فروع * ، ذلك الموضوع الذي يشكل العمود الفقري للاعتقاد الصفوي بالنص الرباني على استخلاف نبينا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه من بعده أماما وخليفة على المسلمين .
وفي معرض تفنيده لمزاعم وحجج وأسس ذلك الاعتقاد الصفوي ، انقض الدكتور المرادي وعبر سبع فقرات مستقلة في مداخلها على مضمون وبنية ذلك الاعتقاد السقيم ، ليحيله ، بقوة الحجة ودقة البرهان ومنطق العقل الرشيد ، إلى هشيم من الترهات المتهالكة والمزاعم الفاسدة ..، وليسدد بالقول الحق ضربة قاصمة إلى عماد العقيدة الصفوية وأُس معتقداتها المنحرفة الضالة .
وكان مما يفهم عن ما نقله الدكتور المرادي من نص يعتمده عموم الصفويين لحديث وواقعة بيعة الغدير ، أورده محمد كاظم القزويني في كتابه الموسوم ((الإمام علي من المهد إلى اللحد)) ..، إن هذه الواقعة قد حدثت في يوم صيفي هو يوم الخميس الثامن عشر من شهر ذي الحجة الحرام من العام العاشر للهجرة النبوية المباركة ، إذ جاء فيه عن بيان ميقاتها ما نصه :((في السنة العاشرة للهجرة وفي يوم الخميس الثامن عشر من ذي الحجة وبينما كان الرسول عائدا من حجة الوداع وفي منطقة غدير خُم القريب من الجحفة، وكان الوقت قائظا وفي ظهيرة شديدة الحر، أوقف الرسول ص الجموع الغفيرة التي كانت معه ليخطب....)) . وهذا – اعني ميقاتها - ما تتفق عليه الروايات الصفوية ، إذ جاء في رواية أخرى منها ما نصه : ((لقد كان الوقت وقت الظهيرة ، وكان المناخ حارّاً إلى درجة كبيرة جداً، وكان الشخص يضع قسماً من عباءته فوق رأسه والقسم الآخر منها تحت قدميه ...)) .
غير انه ولدى مقابلة التاريخ الهجري الذي تتشدق به الرواية الصفوية ليوم واقعة بيعة الغدير بالتاريخ الميلادي ، تبين إن يوم الواقعة الموافق ((18 ذي الحجة عام 10 هـ)) يقابله في التاريخ الميلادي يوم ((15 آذار عام 632 م)) أو يوم ((16 آذار عام 632 م)) أذا ما تحسبنا لأقصى نسبة خطأ محتملة في المقابلة ..، بمعنى إن يوم الواقعة هو من الأيام الداخلة ضمن فصل الربيع وليس فصل الصيف . فإذا ما أضفنا لذلك ما تفصله المصادر العلمية عن مناخ البقاع المطهرة لمكة المكرمة والمدينة المنورة وما بينهما (حيث تقع منطقة الجحفة المعروفة هذا اليوم باسم رابغ على منتصف الطريق بين مكة المكرمة والمدينة المنورة والتي يجري فيها غدير خم) بقولها :((تصل الحرارة إلى أعلى معدلاتها (حوالي 45 درجة مئوية)في الفترة من (يونيو/ حزيران) إلى (سبتمبر/ أيلول) ، وتبلغ أدنى معدلاتها (حوالي 10 درجة مئوية) من(ديسمبر/كانون أول) إلى (يناير/كانون ثاني) ..، بينما تسقط معظم الأمطار مابين (نوفمبر/تشرين ثاني) وحتى (إبريل/ نيسان) ...)) ...، سيثبت لنا إن واقعة الغدير حدثت في مناخ ربيعي معتدل على أسوأ الفروض ، وليس في مناخ صيفي ((قائظ)) أو ((شديد الحرارة)) كما تزعم المصادر الصفوية للرواية .
من جانب أخر ، فان الرواية الصفوية تجزم بان الواقعة قد حدثت يوم الخميس ، بينما تكشف المقابلة التاريخية ليوم 18 ذي الحجة من عام 10 هـ انه يصادف يوم الأحد (عند الأخذ بتاريخ 15 آذار632 م كتاريخ ميلادي مقابل له) أو يوم الاثنين (عند الأخذ بتاريخ 16 آذار 632م كتاريخ مقابل له)..
وإذ نقرر إن ما قدمنا له لا يعدو إن يكون هامشا بسيطا يعاضد وبقوة الحجة والبينة ما أثبته الأستاذ الدكتور المرادي في بحثه من نقد أتى على ذلك المعتقد الصفوي من أساسه ..، فان ما هو مؤكد أنه حين تفشل أية رواية تاريخية جازمة في سردها لوقائعها وأحداثها ، قاطعة فيما تتمسك به من توقيتات زمنية لها ، عن أثبات توافق وتطابق تلك التوقيتات مع البيان الزمني للتاريخ ، فإنما تعلن بالدامغ من الدليل كذبها وتلفيقها وان تواتر جمع من الكاذبين الملفقين على روايتها جيلا من بعد جيل . وقديما قالت العرب : بذات فمه يفتضح الكذوب .

*http://www.shenaar.net/shenaar-folder/almorady-folder/nor1/34.html

العراق المحتل
11/8/2008

الأحد، 10 أغسطس 2008

حظ في السحاب .. وعقل تحت التراب

( 1 ) العمالة والخيانة .. مصطلحان مترادفان شائعان ، لم يخلو منهما تاريخ مجتمع من المجتمعات الإنسانية . واحسب إنهما ، ومنذ الاحتلال الأمريكي الغاشم لعراقنا العربي وحتى يومنا هذا ، من أكثر المفردات تداولا بين الأوساط النخبوية والجماهيرية العربية . ومع هذا فان لكل منهما – كمصطلح- أكثر من دلالة واحدة في المضمون .
فمصطلح العمالة قد درج استخدامه في علوم الاقتصاد للدلالة على قوة العمل (الأيدي العاملة) ، بينما يتم تداوله بين جمهور السياسيين والمثقفين للدلالة على التبعية السياسية للأجنبي . أما مصطلح الخيانة فهو أكثر تعددا في دلالاته من سابقه ، بالنظر لان ساحة تداوله كمصطلح تمتد لتدخل العديد من النظم والقيم والسلوكيات . وكأمثلة على ذلك ، فأن إحكام العبادات في شريعتنا الإسلامية الغراء تعتبر الكفر بعد الإيمان خيانة ، والمداهنة في التدين خيانة ، والغدر خيانة . كما إن إحكام المعاملات فيها تعتبر التطفيف في الموازين خيانة ، والغش والتدليس في البيوع خيانة ، وعدم الوفاء بالعقود والعهود خيانة . وضمن منظومة أعرافنا الاجتماعية الموروثة يعتبر خوض الزوج بأوحال العلاقات الجنسية غير الشرعية ، مع قيام رابطة الزوجية ، خيانة سافرة لتلك الرابطة . وضمن أطار نظامنا القانوني العقابي يعتبر النكوص عن أداء الأمانة لمن أئتمنها خيانة ، وهي جريمة يعاقب عليها القانون النافذ أيضا . كما وتعد جميع أشكال التخابر مع دولة أجنبية أو مع أية جهة أو شخصية مرتبطة بها ، وكافة طرق السعي لدى العدو دولة ومؤسسات ووسائل مساعدته بأي تصرف مادي أو معنوي والالتحاق ضمن صفوفه أو حشد الأشخاص أو الأموال لمصلحته ، وذلك بهدف تمكينه أو تسهيل مهمته في اجتياح الوطن أو اقتطاع جزء منه أو تهديد أمنه واستقلاله ووحدته ..، تعد جميعها أفعالا لجرائم كبرى ، وكل منها تعتبر خيانة . وبهذه الدلالة الأخيرة يتم تداول مصطلح الخيانة بين جمهور السياسيين والمثقفين . أعني : كدلالة على تجسيدها لواحد أو أكثر من الأفعال المجرمة قانونا والتي تمس أمن الدولة (شعبا وأرضا وسيادة) وتهدد وجودها واستقلالها ووحدتها . وبهذه الدلالة أيضا نستخدمها فيما يلي من حديث .
( 2 ) يفهم مما سبق بيانه إن العمالة بدلالتها السياسية تتضمن حكما التجريم بالخيانة بدلالتها القانونية العقابية . فكل عميل خائن ، غير إنه ليس كل خائن عميل . وذلك لان التبعية للأجنبي لابد وان تحمل التابع حملا إلى إطاعة أوامر المتبوع ومساعدته بكل وسيلة متاحة على تحقيق أهدافه ، فيرتكب من الأفعال المجرمة ما يدخله حتما في خانة الخونة لأوطانهم وشعوبهم .
ويفهم منه أيضا إن الإدانة بالخيانة تستوجب ثبوت ارتكاب المدان بها لواحد أو أكثر من أفعالها المجرمة بنص القانون النافذ ، إذ بدون ذلك ينعدم الركن المادي لجرم الخيانة . بينما ثبت الإدانة بالعمالة بتبني التبعية السياسية للأجنبي فكرا أو ممارسة ، وذلك لان تبني التبعية السياسية للأجنبي فكرا لابد وإن يقود صاحبها إلى الترويج لها والدفاع عنها بين أوساط الناس في المجتمع ، وهو تصرف محظور قانونا ، سواء كان قوليا أم فعليا .
( 3 ) وإذا كانت شعوب الأرض ، وعلى مر العصور ، قد اختلفت في كثير مما تؤمن به من قيم وما تتبناه من نظم سياسية واقتصادية واجتماعية وحتى أخلاقية ..، فإنها قد اتفقت ، فيما اتفقت عليه ، على ازدراء العمالة والخيانة ومقتهما ، واعتبارهما مفردتين منبوذتين ، ومسلكين مشينين لا يليقان إلا بالساقطين الأرذال من بني البشر . ولهذا كان منطقيا إن تتوافق التشريعات العقابية لجميع الشعوب على اعتبار هاتين المنقصتين من كبائر الجرائم ، وعاقبت من تثبت إدانته بأي منهما بالإعدام ، هذا بغض النظر عن الأسلوب الذي تنفذ فيه هذه العقوبة . فيظهر من ذلك مدى حزم المجتمعات الإنسانية على ردع كل من تسول له نفسه من أعضائها سلوك سبل العمالة والخيانة وذلك لإدراكها العميق بما تمثلانه من اعتداء سافر وتهديد حقيقي لوجودها وسلامة أمنها الداخلي ..، فأن عز الردع عن إن يردع ضعاف النفوس وثبت سقوطهم في أوحال الخيانة والعمالة ، فسيكون الموت إعداما جزاءا وفاقا لعمالتهم وخيانتهم .
وكل شعوب الدنيا قد تغفر لأبنائها ، ولو كانوا حكاما عليها ، ما يمكن إن يرتكبوه بحقها من الظلم أو القهر أو البطش ، لكنها لا يمكن إن تغفر لأي منهم خيانته لها أو عمالته لأعدائها . وكل شعوب الدنيا قد تقبل تبريرا لجرم زينته الأهواء أو دفعته الأقدار لأحدهم ، فتشمله بسماح عفوها ، لكنها لا يمكن إن تقتنع بما يمكن إن يتحجج به الخونة والعملاء تبريرا لخيانتهم لها وعمالتهم لأعدائها .
( 4 ) وإذا كان من معهود المسلك الشائن عند كل الخونة والعملاء ترويجهم بين الناس لشرعية خيانتهم ، ومشروعية عمالتهم ، فيسوقون تبريرا لذلك ، في كل آن ومكان ، ما اعتادوا على اجتراره كالبهائم من مزاعم كسر قيود ظلم الظالمين واستبداد المستبدين وعبودية المستعبدين (بفتح الباء) ..، متعامين , وبإصرار غبي ، عن ما ثبت في إدراك ووعي وقيم جميع الأمم والشعوب من أن الوسائل الفاسدة والسبل المنحرفة لا يمكن إن تكون أبدا أسلوبا مشروعا ومقبولا لتحقيق الغايات النبيلة – طبعا هذا بفرض صحة ما يزعمون - ..، وإذا كان من شائع نهجهم الضال استماتتهم على الدوام في تزيين خسيس تصرفاتهم ودنيء أفعالهم وإظهارها بمظهر الانجازات الخلاقة والفتوحات الباهرة ..، فان من مبتكر السلوك المنحط لخونة عراق العروبة وعملاء محتليه تعمدهم قلب ما استقر في وعي شعبنا الصابر من مفاهيم وقيم رأسا على عقب ..، وذلك من خلال تزييفهم لحقائق الأمور ، وتحريفهم لوقائع الإحداث ، وحرصهم الدائم على تشويه الغايات السامية والمقاصد النبيلة للفعل المقاوم المتصدي ببسالة قل نظيرها لوجود سائسيهم المحتلين وخططهم الامبريالية وسياساتهم الاستعمارية . فالاحتلال ، عند اؤلئك الدجالون الأفاقون ، تحرر من العبودية ، والانغماس في تنفيذ مشاريعه وخططه الاستعمارية انتصار للحرية ، وقتل ما يزيد على المليون وربع المليون عراقي وتشريد عدة ملايين أخرى وإطلاق يد أراذل المجرمين على من تبقى منهم ممسكا بوطنه هو عندهم نصر ناجز لمظلوميتهم التاريخية ، ونهب ثروات العراق وتدمير مدنه وحواضره وتفتيت مؤسسات دولته إقرار لعدالتهم المنسية ، ومسخ هويته الحضارية وسلخه عن محيطه العربي وانتماءه القومي وتجزئته وتقسيمه ترسيخ لتعدديتهم وتوكيد لديمقراطيتهم ، والطائفية والعنصرية عندهم هما المرجعية فالولاء لهما لا يتقدم عليه ولاء آخر ، والعمالة عندهم هي الوطنية ، والخيانة نزاهة وشفافية ، ومقاومة المحتل وسياساته وخططه وأعوانه عندهم إرهاب وخروج على قانونهم ... . ثم إن كثيرين من اؤلئك الأفاقين قد غرهم ما خلعه عليهم سائسيهم المحتلين من ألقاب ومسميات ، وما أسندوه إليهم من المناصب والكراسي ، وما البسوه إياهم من أقنعة الرياء والدجل ، وما دسوه في أفواههم وبطونهم من السحت الحرام ، فرحوا ينظرون من جهل عقولهم وتوافه أفكارهم وضال معتقداتهم وساقط تبريراتهم لما يزيفون من حقائق الأمور ، زاعمين الدراية بما يخوضون فيه من علوم ومعارف يجهلونها ، ومدعين زورا وتزويرا التخصص في ميادينها بشهادات علمية يفتقدونها ، ومنتشين بما يحسبونه حظوة عند سائسيهم المحتلين قد رفعت من شأن حظوظهم في هذه الحياة الدنيا لما فوق السحاب . وقد فات اؤلئك الأفاقين بان سحب المحتلين التي تحتضنهم ، سحب صيفية عقيمة عابرة . عقيمة حيث لا مطر فيها ، وان أمطرت فلا بلل منها ، وان بللت فلا نبت ولا ثمر يرجى من وراءها . وعابرة إذ عاجلا وليس آجلا ستبددها حرارة صيفنا اللاهبة ، أو تبتلعها رياح شتائنا الغاضبة . وحين تولي سحب المحتلين منقشعة عن سماء عراقنا العربي سيدرك اؤلئك الأفاقون بان ما حسبوه حظا في السحاب إن هو إلا وهم من أوهام عقولهم القابعة أبدا تحت التراب .

العراق المحتل
10/8/2008

الثلاثاء، 5 أغسطس 2008

أوهام التوبة ..

أوهام التوبة ..
( 1 ) منذ أسابيع خلت والحديث عن اتفاقية أمنية مزمع إبرامها بين المحتلين الأمريكان وحكومتهم العميلة ما يكاد ينقطع لفسحة زمن حتى يعود مجددا وبأكثر مما كان عليه في اتساع رقعة حواراته وتشعب قنوات مساراته وكثرة مجالات توقعاته ..، وبما يؤشر انه سيظل حديثا للساعة والى حين .
وعلى الرغم من حرص الإدارة الأمريكية على عدم نشر أي نص مكتوب لكل أو لجزء مما هو مزمع إبرامه ، وتكتمها عن الإعلان بأي تصريح يكشف حقيقة ما يجري الترتيب له من وراء الأبواب المغلقة لما يزعمون أنها قاعة تفاوض تجمع نفر من كوادرها السياسيين والعسكريين والأمنيين بحفنة من صنائعها العملاء ..، فأن المحتلين الأمريكان لم ينفكوا عن التأكيد ، بمناسبة وبدون مناسبة ، وعبر تصريحات العديد من مسؤوليهم ، ابتداءا من رئيسهم المجرم بوش وحتى مندوبهم الحاكم في بغداد رايان كروكر ، بأن هدف ما يجري ((التفاوض)) عليه ينحصر في ((تنظيم عمل وانتشار القوات الأمريكية على الأراضي العراقية)) . وهو ما يفهم منه إن ما يتم ترتيبه لإبرامه لا يتعدى بأي حال من الأحوال تقنين أساليب عمل وتوزيع قواتهم الغازية وبما يسهل عليها أداء مهامها ، ويضمن لها الحماية المتوخاة سواء عند تنفيذها لتلك المهام أو في قواعدها الدائمة ، ودون إن يتجاوز ذلك إلى ما يخص وجودها ومدى استمراره ، أو حجم تلك القوات ونوعية تشكيلاتها ، أو ما تتمتع به حتى ألان من ضمانات حرية حركتها زمانا ومكانا ، وشمولية سلطتها في التحري والمتابعة والحجز والقبض والتجريم على كل الأشخاص ، وعدم مسؤوليتها عن أية إضرار تنجم عن أي من تصرفاتها .
من جانب آخر فان المسميات المتغيرة لما يتم الترتيب لإبرامه والذي روج له ابتداءا على انه ((مذكرة تفاهم أمني)) ، ثم تحول إلى ((معاهدة أمنية)) ، ثم إلى ((اتفاقية أمنية طويلة المدى)) ، ثم أخيرا إلى ((بروتوكول أمني)) ، لم تفلح في تشتيت وعي عموم المتابعين والمهتمين عن الانتباه إلى وحدة مضمونها . فمع أن أهل الاختصاص يميزون بين القوة الملزمة الكامنة في كل مصطلح من المصلحات سالفة الذكر ، ومدى ما يتطلبه أبرام أي منها من أحكام وإجراءات وصلاحيات هي بالضرورة مختلفة عن بعضها البعض ..، إلا إن ذلك لا يمنع مطلقا من إن يفرغ مضمون اتفاق معين في شكل مذكرة أو معاهدة أو اتفاقية أو بروتوكول أو سواها ودون إن يؤثر ذلك بأي حال من الأحوال على ثبات ذلك المضمون أو الزاميته لإطرافه .
وهكذا لم يعد خافيا عن بصيرة كل ذي عقل لبيب مضمون ما يحرص المحتلون الأمريكان التستر عليه وما يرتبون هم وعملائهم لتنفيذه على ارض الواقع ، وان تغيرت مسمياته ، فهو ليس إلا تكريس لسياسات وخطط احتلالهم لعراق العروبة .
( 2 ) وباستثناء قلة تافهة أشهرت تأييدها ، وعلى بياض ، لما يزمع إبرامه بين المحتلين وعملائهم .. ثم زادت فهللت وطبلت لما يخفون ترتيبه ، مع جهلها الكامل به ، ثم زادت فتراقص رعاعها فاقدي الغيرة والحياء عرايا على أسنة الحروف ومخارج الكلمات بما يسوقونه من مبررات لموقفهم الخياني ..، فان الغالبية العظمى من أبناء شعبنا الصابر قد عارضت بصريح القول وواضح الفعل ما يزمع إبرامه وبأية تسمية كانت .
وإذا كان مما هو متوقع ومفهوم إن يتبنى الرافضون للاحتلال الأمريكي لوطننا العزيز من أبناء شعبنا الصابر ، والمناهضون لسياساته وخططه وزبانيته ، والمؤمنون الملتزمون بحرية العراق العربي أرضا وشعبا وأرادة كشرط أول وأساس لأية عملية بناء له أو نهوض به ..، موقفا قاطعا في رفضه لما يزمع إبرامه وما يتم الترتيب له بين المحتلين وعملائهم ..، فان من المستغرب وغير المفهوم إن يصر جمع من صنيعة المحتلين السائرين مع ركب مؤيدي خططه وسياساته المنخرطين في ما يسمى ((العملية السياسية)) والملوثين بما يشغلونه من مناصبها وكراسيها ، على حشر أنفسهم حشرا بين حشود الرافضين المقاومين لما يسعى لإبرامه سائسيهم المحتلين واقرانهم من العملاء والخونة . ويزيدنا استغرابا واستهجانا في آن معا ما يسوقه اؤلئك المنافقون الدجالون الساقطون سقوطا حرا إلى عميق أوحال خيانة الأوطان والعمالة للأجنبي من حجج هي الأكثر قبحا من قبيح أفعالهم لتبرير ما يزعمون انه رفض لما يزمع إبرامه سائسيهم مع اقرانهم . تلك الحجج التي حبكوها من واهن أفكارهم السقيمة وتافه معتقداتهم الضالة ورخيص ولاءاتهم المشينة ، ثم رفعوها لافتة تزعم ((انتهاك المعاهدة للسيادة الوطنية)) !! .. وكأن احتلال كامل أرضنا الطاهرة واستباحتها بالطول وبالعرض من قبل مئات ألوف الجنود والمرتزقة الأجانب ، لا يشكل مصادرة للسيادة العراقية ..، وكأن سلب حرية وإرادة كامل شعبنا الصابر واستعباده بالحديد والنار وانتهاك حرماته والتشريد القسري للملايين من أبناءه بعيدا عن مناطق سكناهم أو خارج حدود وطنهم ، لا يمثل استلابا للسيادة العراقية ..، وكأن نهب ثروات العراق الوطنية وهدم بناه التحتية ونشر الخراب والتدمير في شتى إرجاءه ، واختلاق الفتن وتأجيج الكراهية والبغضاء والأحقاد بين أبناء الشعب الواحد والتحريض على الفرقة والاقتتال فيما بينهم ، لا يعد استيلاءا على السيادة العراقية ..، وكأن ما أزاله المحتلون وغيروه بقوتهم الغاشمة من نظمنا وتشريعاتنا ومؤسساتنا لم يكن إعداما للشرعية العراقية ..، وكأن ما فرضوه من واقع سياسي وقانوني وأداري لم يكن وئدا للمشروعية الوطنية .. إلا بئس ما يزعمون ، وبئس ما هم به يتحججون .
( 3 ) وإذا كان ثمة بعضا ممن لا نملك التشكيك بصدق توجهاتهم قد ضللته شعارات المعارضة وبيانات التنديد ومسيرات الاحتجاج لاؤلئك المنافقين الأفاقين وإذنابهم ، فتوهموا الظن فيهم وفيما يزعمون خيرا ..، ناسين أو متناسين ((إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا ))(النجم/28) . وإذا كان قسما من هذا البعض قد أوغل أكثر في أوهامه فاعتبر ذلك ((صحوة)) للضمير الوطني فيهم ، متغافلا أو متجاهلا بان ضمائر اؤلئك الضالين المضلين قد ماتت ملعونة ، وشبعت موتا ولعنا ، منذ إن اختاروا بملء إرادتهم الخائنة تأييد المحتل ، ومساندتهم له في احتلاله لعراق العروبة ، ودعمهم له في تنفيذ خطط تمزيق العراق الواحد وتدميره وشرذمة شعبه وإفقاره ، ومعاضدتهم لقواته وعصاباته في تصفية وملاحقة مقاومينا البواسل ، ومساهمتهم غير المحدودة مع زبانيته في تنفيذ أجنداته على مختلف الأصعدة ، ومعاونته على شرعنة وترسيخ وجوده بكل ما تحت أيديهم من أدوات ووسائل الغش والخداع والتضليل باسم الدين تارة ، وباسم المظلومية التاريخية تارة أخرى ، وباسم الديمقراطية وحقوق الإنسان تارة ثالثة .. ، وان هيهات لميت من هذه الدنيا إن يدب فيه نبض الحياة إلا يوم يبعثون . نريد إن نقول : إذا كان هذا البعض قد انطلت عليه الأعيب اؤلئك المنافقين الأفاقين فظن واهما باحتمالية تراجعهم أو تحييدهم عن ما سبق لهم واختاروه طائعين من موالاة للمحتلين ومناصرة لسياساتهم ، أو إن قسما منه قد وسوست إليه أوهامه بإمكانية تبنيهم للموقف الوطني الرافض لما يزمع المحتلون إبرامه والترتيب له مع عملائهم ..، فان الحقيقة الساطعة كالشمس في رابعة النهار ، والتي لا يجوز إن تغيب عن وعي الوطنيين ولا يقبل تغاضيهم عنها تحت أي ظرف من الظروف ، تفيد باستحالة اجتماع العمالة والوطنية استحالة مطلقة ، فكلاهما نقيض الآخر وضده . ومن بعيد المستحيلات الإنسانية المنقولة والمعقولة تلاقي أي نقيضين على موضوع تناقضهما . لذا فلن يكون وطنيا أبدا من تآمر على حرية وطنه واستقلاله ووحدته ووجوده ، أو من تواطأ مع الأجنبي على غزوه وتدميره واستباحته ونهبه ، أو من أعان المحتلين لوطنه راغبا طائعا ولو بشق تمرة ، ولو بنبس شفاه ، ولو ببصمة إبهام ، ولو بإشارة مبهمة ، ولو بالحياد معهم عند المقدرة على التصرف المقاوم لوجودهم . فما بالكم باؤلئك المنافقين الأفاقين الذين ما زالوا ، ومنذ سنين عديدة ، يمرغون وجوههم كل يوم مرات ومرات ساجدين للمحتلين مسبحين بنعماء عمالتهم إليهم . وما بالكم بهم وهم يخوضون ، ومنذ خمس سنوات ، بنجيب دماء أبناء شعبنا الصابر . وما بالكم بهم وهم ، ومنذ احتلال وطننا العزيز ، يعيثون فسادا وإفسادا في ارض الفراتين ، ولم يسلم من كيد غدرهم ملايين العباد ، ولم تنجو من لؤم مكرهم كل البلاد . وما بالكم بهم وهم على ما هم عليه من دنيء الفعل وخبيث القول بكرة وأصيلا .
إن ما قدمنا له ، لا يعني بأي وجه ، إننا نسد ، أو ندعو لسد ، أبواب التوبة بوجه الراغبين فيها من الخطاءين بحق وطننا العزيز وشعبنا الصابر (وهل يملك احد سدها ؟) ، غير إن التوبة النصوح تستدعي أولا – وقبل أي فصال آخر- إعلان التائب استنكاره لما سبق واقترفه من ذنوب واعتذاره ممن جنى بحقهم . فهل سمع أو قرأ أي منكم استنكارا صريحا وعلنيا لأي من اؤلئك المنافقين الأفاقين عن قبيح ذنوبهم وفي المقدمة منها عمالتهم لمحتلي وطننا ؟ ..هل سمع أو قرأ أي منكم اعتذارا من اؤلئك الحاقدين دهاقنة الإجرام والدجل وطواغيت المكر والرذيلة عن خسيس صنعهم وكبائر فعالهم ؟ .. فأية توبة أذن تلك التي يتوههما الواهمون ممن لا توبة لهم ..؟

العراق المحتل
5/8/2008

الأربعاء، 30 يوليو 2008

وهل يسلمُ الشرفُ الرفيعُ من الأذى ؟



إلى/ الماجدة العراقية كلشان البياتي ..

أيُ أُخية ..
ولأنكِ نبتٌ طاهرٌ في ارضِِ العراق العربي ، فليس لهم إلا إن يستهدفونكِ ..
ولأنكِ صوتٌ صادرٌ من عمق جراحات العراق ، فليس لهم إلا إن يسكتونكِ ..
ولأنكِ القلمُ المعبرُ عن الموقف الوطني والإرادة العراقية الحرة ، فليس لهم إلا إن يشوهونكٍ ..
ولأنكِ الشريفةُ بشرف انتمائكِ لعراق العروبة ، العفيفةُ بعفة مبادئكِ ومواقفكِ ، الوفيةُ لشعبكِ ، المخلصةُ لوطنكِ ، الفخورةُ بملاحم العز والظفر التي تسطرها مقاومتنا الباسلة ، المنحازة بملء أرادتكِ لعراق يعربي حر موحد ..، فليس لهم إلا إن يغتالونك ..
ولأنكِ أختٌ لكل شهدائنا الإبرار .. ولأنكِ أمٌ لكل المقاومين الإبطال .. لأنكِ رمزٌ حيٌّ للماجدة العراقية اليعربية ، فليس لهم إلا إن يذبحونكِ ..
فلا يحزننكِ ، يا أُخيتي ، ما يكيدون . فو الله انه كيدُ شيطانٍ رجيمٍ . فأبقي على ما عهدناكِ في قتالكِ لأؤلياء الشيطان .. فسيهزم جمعهم ويفشل كيدهم (( إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا ))(النساء/76)
ولن يضرنكِ ، يا ابنة أم وأب ، ما يأفكون . فو الله أنه أفكُ ساحرٍ لعين . فاتركي يراعكِ اليعربي يعريّ ستر دسائسهم ، ويفضح خسيس مكائدهم ، وألقي بحجتكِ الدامغة تلقف بأمر اللهِ ما يأفكون .
ولا يحيدنكِ ، يا جليلة الشأن ، دنيء فعلهم البائس عن مسيرة جهادكِ ، فو الله إن هي إلا إحدى الحسنيين ، فبأيهما فزتي .. طوبى لكِ . أم حسبتي أنكِ ستمتطين صهوة المجد دونما تضحية ؟ .. فأنصتي معي لقول عظيمنا المتنبي :
لا يسلمُ الشرفُ الرفيعُ من الأذى حتى يراقُ على جوانبهِ الدمُ
إلا يكفيكِ مجداً انكِ أصبحتِ تاجَ فخرٍ لكل المقاومين من ابناءِ وطنكِ ؟ ..
إلا يكفيك عزا انك أضحيتِ راية شرفٍ لكل ماجدات العراق والعروبة ؟ ..
فطوبى لكِ يا أبنةَ أم وأب ، وهنيئاً لكِ مجدك ، وهنيئاً لكِ عزكِ ..

أخوك أبو ذر
العراق المحتل في 29/7/2008

الثلاثاء، 8 يوليو 2008

خبر بلا تعليق / 2

خبر بلا تعليق/ 2 ................. أبو ذر

على الرابط http://www.cabinet.iq/details.aspx?NewsNo=644
نشر موقع حكومة المحتلين الرابعة بيان صحفي عن وقائع لقاء رأس الحكومة العميلة بالسفراء العرب المعتمدين في دولة الإمارات العربية المتحدة يوم أمس الاثنين 7/7/2008 .., ونقل فيه عن لسانه ما نصه : ((ان المفوضات (منقولة بالنص) مازالت مستمرة مع الجانب الامريكي ، وان التوجه الحالي هو التوصل الى مذكرة تفاهم اما لجلاء القوات او مذكرة تفاهم لجدولة انسحابها)) .
ولم يكد ذلك العميل الصغير يكمل ابتلاع ريقه عقب ما تنطع به ، حتى سارع الناطق باسم البيت الأبيض الأمريكي ((سكوت ستانزل)) إلى لطمه على فمه ..، فقد نشر موقع راديو سوا على الرابط
http://www.radiosawa.com/arabic_news.aspx?id=1634098&cid=
مقتطفات مما أدلى به ذلك المتحدث الرسمي الأمريكي ، حيث قال : ((إننا نهتم بالظروف" التي تتيح انسحابا أميركيا، و"ليس بالجداول الزمنية، والطرفان متفقان على هذه النقطة")) . ثم أضاف :((إنه من المهم أن ندرك أن المناقشات لا تدور حول الموعد الدقيق للانسحاب ، .. وأن الأهم هو التوصل إلى اتفاق .. يمنح القوات الأميركية الحماية والسلطة اللتين تحتاج إليهما ..)) .
كما ونقل الراديو المذكور عن المتحدث باسم وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) ((براين ويتمان)) قوله للصحافيين وفي معرض رده على استفسار حول ما تنطع به ذلك العميل الصغير :((إن الجداول الزمنية هي مصطنعة في طبيعتها، وفي وضع تتحرك فيه الأمور بديناميكية كما يحدث في العراق، أقول لكم أنه في العادة يكون من الأفضل أن تعتمد هذه الأمور على الظروف على الأرض)) .

العراق المحتل في 8/7/2008