الأربعاء، 26 نوفمبر 2008

هذهِ الاتفاقية .. ح1

على مدى عدة أشهر خلت ، كنا – كما الكثيرين غيرنا – نحرص على متابعة ما يذيعه المحتلون الأمريكان وعملائهم من تصريحات بهلوانية ، وما يتفنون في استعراضه من مشاهد مسرحية حول ما أسموه أبتداءا بالمعاهدة أو الاتفاقية الأمنية ، ثم نشروه أخيرا موقعا من إطرافه تحت عنوانين مبتكرين حمل أولهما أسم ((أتفاق بين جمهورية العراق والولايات المتحدة الأمريكية بشأن انسحاب قوات الولايات المتحدة من العراق وتنظيم أنشطتها خلال وجودها المؤقت فيه)) ، وحمل الثاني أسم ((اتفاق الإطار الاستراتيجي لعلاقة صداقة وتعاون بين جمهورية العراق والولايات المتحدة الأمريكية)) .
ولم يكن مصدر حرصنا على متابعة تلك التصريحات البهلوانية والمشاهد المسرحية نابعا عن انبهار بتفوق حبكتها السياسية ، أو عن تقدير بدقة صناعتها الإعلامية .. أبدا ، فالواقع أن جميع تلك التصريحات والمشاهد كانت فاضحة في غوايتها السياسية ، مفضوحة في فبركتها الإعلامية ، بائسة فيما اعتمدته من أساليب التسويق الدعائي المبتذلة . كما ولم يكن دافعا لحرصنا على متابعتها محاولة استكشاف ما تحتويه موضوعات عناوينها من مضامين أو أهداف ..، فالثابت عندنا بأن جميع خطط المحتلين ومشاريعهم وأجنداتهم التي ما انفكوا ناشطين في تنفيذها على ارض عراقنا المحتل ، وفي شتى المجالات والتوجهات ، أنما تتناغم في حركتها وتتساند في مراميها باتجاه تحقيق أهداف إستراتيجية عدوانية لا تتعداها هي : ترسيخ الاحتلال الأمريكي لعراقنا العربي ، وتفتيت وحدة شعبه وتمزيق نسيجه الاجتماعي ، وطمس انتماءه العربي وهويته القومية ، وإبقاءه حبيسا ، ولأجل غير معلوم ، ضمن دائرة المطامع الامبريالية العالمية . ولم يكن أيضا محركا لحرصنا على متابعتها حاجة لاستبيان المواقف المعلنة للقوى الراقصة هزا أو ردحا أو لطما على مسرح المحتلين السياسي أو رصد ما قد يطرأ على مواقفها المعلنة من تحولات ، فالحقيقة إننا نؤمن بثبات بأن جميع الأحزاب والتجمعات والأشخاص المنخرطة في محفل العهر الأمريكي المسمى ((العملية السياسية)) وما يتصل به من مؤسسات وممارسات ، أو المؤيدة لها أو الداعمة لوجودها واستمرارها ، وبدون استثناء أي منها ، هي قوى عميلة وخائنة . وان مواقف تلك القوى ، معلنة كانت أم خفية ، وفي كل الأحوال ، لا تخرج ، ولا يمكن إن تخرج ، عن مساق عمالتها للمحتل ونهج خيانتها لوطننا مادامت تبقي على عضويتها ومشاركتها في ذلك المحفل الماجن ، أو مغازلتها له ، حتى وأن انحصرت عضويتها فيه بمجرد الوجود السلبي ، وحتى لو اقتصرت مشاركتها فيه على تبني المعارضة المتواصلة لإقرانها ، وحتى لو توقفت مغازلتها له عند خطابات التمني وبيانات الرجاء . هذه الرؤية المبدئية إذ تشكل مقياسا لا يخطئ في تصنيف تلك القوى وتقييم مواقفها ، فأنها تظل ، وتحت شتى الظروف ، معيارا بالغ الدقة في فرز الأصيل من المواقف الوطنية عن ما اعتادت بعض تلك القوى العميلة الخائنة أن تنافق به جماهير شعبنا الصابر . فما هو وطني مستخلص من أصوله الصافية النقية يستحيل إن يختلط في وعي الوطنيين النجباء وضمائرهم بما هو دعي منتحل من مستنقع العمالة والخيانة ... إنما جاء حرصنا على متابعة ما تابعناه بناء على مسؤوليات تمليها علينا وتلزمنا بها رؤيتنا الوطنية . فنحن –أولا– معنيون بكل ما يخص حاضر العراق ووجوده ومستقبله ، ونحن –ثانيا– من المعنيين بكل ما يمس هويته القومية وانتماءه العربي ، ونحن – ثالثا- في مقدمة المعنيين بكل ما يستهدف حريته ووحدته أرضا وشعبا وسيادة , ونحن –رابعا- من أول المعنيين بمناهضة محتليه الغزاة ومقاومة احتلالهم لأرضنا واستعبادهم لشعبنا وهيمنتهم على مقدراتنا ومصادرتهم لسيادة وطننا وإنهاءه بكل ما هو متاح لنا من وسائل وأنشطة وفعاليات .
غير إن حرصنا على متابعة ما تابعناه ، ومشاركتنا حول موضوعه – كما الكثيرين غيرنا - في غير قليل من الحوارات المسؤولة والنشاطات الموجهة الساخنة حينا الغاضبة في أغلب الأحيان ..، لا يعني بأي حال رجوعا عما سبق وأعلناه موقفا ، لم نزل نتمسك به حتى يومنا هذا ، من بطلان كل ما أدخله ويدخله المحتلون الغزاة ومن بمعيتهم على عراقنا العربي من نظم قانونية وسياسية واجتماعية واقتصادية وثقافية منذ احتلالهم له وحتى رحيلهم عنه طائعين أو مرغمين ..، وبطلان كل ما أبرموه ويبرمونه من اتفاقات ، وما عقدوه ويعقدونه من تصرفات ، وما أقاموه ويقيمونه من مؤسسات ، وما منحوه ويمنحونه من الامتيازات ، وما رتبوه ويرتبونه من الالتزامات مادية كانت أم معنوية شخصية كانت أم عينية داخلية كانت أم دولية ..، فحق المقاومة المشروع الذي أرست أسسه وتناقلته كل شرائع السماء ، ثم قننته البشرية فيما تصادقت عليه ، وعبر آلاف السنين ، من أعراف ملزمة ، ثم صادقت عليه في مواثيق ومعاهدات متعددة ، وحرصت جميع شعوبها على تضمين دساتيرها وقوانينها الداخلية نصوصا قاطعة الدلالة على اعترافها به واحترامها له بل والتحريض عليه وتعهدها بحماية من ينهض به .. ، إن هذا الحق الإنساني المقدس إذ يسبغ الشرعية الكاملة على جميع أنشطة وفعاليات مقاومتنا للمحتلين ومن بمعيتهم ، فأنه في المقابل يجرد جميع أنشطة وفعاليات المحتلين الغزاة من أي غطاء شرعي ويرتب البطلان المطلق على كافة تصرفاتهم في ما هو موضوع لعدوانهم ، فكل ما بني على الباطل هو باطل لا محالة ، والعدوان أيا كان صاحبه وتحت أي زعم كان عدوانه ، يبقى على قمة الباطل الذي تدينه شرائع السماء وتأنفه النفوس السوية على توالي العصور والحقب .
نريد إن نقول : إن اعتقادنا الراسخ ببطلان ما انتهى إليه المحتلون الغزاة ومن بمعيتهم من اتفاقات ، أو بأي أسم آخر يختارونه لها ، بناءً على ما قدمنا له من رؤية وطنية نتبناها ، واستنادا على إيماننا المطلق بشرعية مقاومته وإنهائه بكافة الوسائل المتاحة ، وحتمية زواله أن عاجلا أم آجلا ..، لا يعفينا ، ولا يمكن إن يعفينا ، من مسؤولية تفنيده وتعرية طروحاته بأسلوب إسقاط الحجة للكشف عن حقيقته وحقيقة المشاركين فيه ..، فلقد تعلمنا من كتاب الله العزيز أن أثبات ضلالة المشركين بوحدانية الله تعالى والكافرين بإلوهيته كثيرا ما كانت تأتي من خلال مواجهتهم بما يرددونه من مزاعم وما يتداولونه من طروحات ، فينكشف فسادهم ، وينفضح ستر خبائث تصرفاتهم . ولكي نقطع على عملاء المحتلين خونة العراق فرصة الظهور إمام العالمين بمظهر الحريص على وحدة العراق واستقلاله الساعي لخيره واستقراره فيما أبرموه مع سائسيهم ونشروه على الملأ من اتفاقات ..، ولكي نفضح زيف أدعائهم ((الاستقلال والسيادة)) ، ونكشف عن خرافة ما يزعمونه من الوطنية ..، ولكي نلقم الألسن القبيحة والأقلام الرخيصة التي استأجروها أو تطوعت لخدمتهم لتبرير عمالتهم للمحتل وخيانتهم لعراق العروبة ، وللترويج لطائفيتهم المقيتة وعنصريتهم السقيمة ، ولتمجيد جرائمهم ودناياهم ، وللتسبيح دوما بحمد سائسيهم المحتلين ، وللتباكي دائما من ((إرهاب)) المقاومين لاحتلالهم ..، سنتصدى عبر حلقات متتالية من هذا الحديث لتحليل وتقييم ما ابرموه من اتفاقات مع سائسيهم المحتلين من وجهة نظر قانونية صرفة ..، لٌنريَّ كل من انطلت عليهم التصريحات الطنانة والمشاهد المسرحية السمجة والمزاعم الواهية لحكومة المحتلين فصدقوها ومنحوها من تأييدهم ودعمهم وتعاطفهم ، إلى أي عمق من درك العمالة والخيانة أنحدر أولئك الضالين المضلين بكذبهم ونفاقهم ودجلهم ، ولنثبت ، بالبرهان القاطع ، أن تلك الحفنة من حثالة البشر قد مردوا على التصرف أبدا بالضد من حرية العراق واستقلاله وبالنقيض تماما من مصالحه وحقوقه المشروعة .

العراق المحتل في 26/11/2008

ليست هناك تعليقات: