السبت، 6 ديسمبر 2008

هذه الاتفاقية ...ح3

( 3 ) حينما قال ملك فرنسا لويس الرابع عشر (1638-1715) :((الدولة هي أنا))..، لم يكن يلغِ ذلك الكيان المعنوي الذي أسمه الدولة والذي يقف هو على رأس السلطة فيه وحسب ، أنما كان إضافة إلى ذلك ينصب من نفسه بديلا عنها بكل ما تتضمنه من مؤسسات وما تقوم عليه من نظم وتشريعات وقوانين وما تجسده من سلطة للشعب الفرنسي على إقليمه برا وبحرا وجوا . ولان ذلك الملك الذي دام حكمه لاثنين وسبعين سنة كان فلتة زمانه فيما قال وفعل ، فقد حفظه لنا التاريخ مثالا على الاستبداد السلطوي في عصر البشرية الحديث .
بمثل ذاك الذي قاله لويس الرابع عشر قالت أمريكا لصنائعها من المارقين الأفاقين : السلطة هي إنا ..، فما كان منهم إلا إن خروا لها ركعا سجدا ثم بصموا بعشرهم على ما أسموه اتفاقية منحت سائسيهم المحتلين ((سلطة ممتازة)) على الإقليم العراقي وما فيه وما عليه . ولقد أشرنا فيما مضى من حديث إلى بعض من صور هذه السلطة المقننة نصوصا في متن اتفاقيتهم سيئة الصيت ، واليكم اليوم مزيد .. فقد منحت المادة السابعة من هذه الاتفاقية قوات المحتلين الحق في تخزين كافة أنواع الأسلحة والمعدات والمهام التي تُقّدِر هي ، وهي وحدها ، الحاجة إليها آنيا أو تتوقع الاحتياج لها مستقبلا ، ليس في قواعدها فقط وإنما في أية ((مواقع أخرى)) من ارض العراق ، هكذا جاء بالنص !! مع إن ذات الاتفاقية قد منحتهم الحرية الكاملة في إقامة ما يشاؤون من قواعد وفي إي مكان يختارونه (المادتان الثانية-1 والسادسة-1) . فلماذا أذن ((مواقع أخرى)) ؟ .. بديهي إن النص قد جاء خاليا من ذكر أسباب ذلك ، إلا إن ورود عبارة ((معدات دفاعية وتجهيزات ومواد تحتاجها قوات الولايات المتحدة ..)) بصيغة النكرة المطلقة ، التي لم تستثنِ من تلك الأصناف المذكورة نوعا بعينه إلا إن يكون معرفا بذات النص ، لا يمكن تفسيره إلا على إن شيئا مما يراد تخزينه لحاجة قوات المحتلين إنما يقتضي إن تكون مخازنه بعيدة عن مقرات قواعدها أما لأسباب فنية تتعلق بالمخزون أو لأسباب أمنية تتعلق بأمن تلك القواعد وسلامة القوات المتواجدة فيها . فهل تراهم يسعون لتغدو ارض العراق مخرنا لأسلحتهم القذرة ، أم تراهم يعملون لتكون مقبرة لنفايات بحوثهم وتجاربهم عليها ؟ ..الأيام كفيلة بفضح ما يحرصون التستر عليه .
ومع هذا ، فان ما منحته هذه الاتفاقية من ((سلطة ممتازة)) للمحتلين الأمريكان لم يكن ليتوقف عند حدود إقرار سلطانهم غير المقيد بمكان وغير المحدد بزمان على كامل الإقليم العراقي ، وإنما تجاوزه إلى تقنين عدم خضوع قواتهم الغازية ومن بمعيتها من المرتزقة (شركات الحمايات) والطفيليين (شركات الإسناد والدعم والتجهيز) للنظم القانونية النافذة فيه . وتطبيقا لذلك فقد جاء في نص المادة الثالثة عشرة من اتفاقيتهم : ((لأفراد قوات الولايات المتحدة وأفراد العنصر المدني حيازة وحمل الأسلحة ..إثناء وجودهم في العراق)) . والعنصر المدني كما عرفته ذات الاتفاقية هو :((إي مدني يعمل لدى وزارة دفاع الولايات المتحدة))(المادة الثانية-4) ، وذلك بغض النظر عن طبيعة عمله وعن الجنسية التي يحملها . وحيث إن عبارة ((الأسلحة)) الواردة في النص قد جاءت عامة مطلقة فهي تشمل بالتأكيد كل ما أعد ليفتك بالأنفس البشرية وما يحيط بها من أحياء وأشياء .. وكل ذلك يأتي خلافا للموانع والقيود التي تقررها نصوص قانون الأسلحة رقم 13 لسنة 1992 المعدل النافذ والتي يفترض أنها سارية المفعول على كل قدم تطأ الإقليم العراقي . وتطبيقا له أيضا فقد أعفت المادة السادسة عشرة من الاتفاقية قوات المحتلين ومن بمعيتها من المرتزقة والطفيليين من أية ضرائب أو رسوم (بضمنها الرسوم الكمركية) أو جبايات تقررها القوانين العراقية النافذة على إي من المواد أو السلع التي تشتريها سواء تم شراؤها من داخل العراق أم خارجه . وتطبيقا له أيضا منحت الاتفاقية قوات المحتلين والمتعاقدين معها الحق باستيراد أية معدات أو تجهيزات أو مواد أو تكنولوجيا ، والحق أيضا بإعادة تصديرها ، ودون مطالبتهم بالكشف عن ماهية ما يستوردونه ، أو ما يزمعون إعادة تصديره ، أو كميته أو الغرض من استخدامه ، بل ودون مطالبتهم بدفع أية رسوم (بضمنها الرسوم الكمركية) أو ضرائب أو جبايات عنه . ولا يقتصر كل ذلك على المواد والتجهيزات المخصصة لفعاليات وأنشطة قوات المحتلين ومن بمعيتهم من المرتزقة والطفيليين ، وإنما يمتد ليشمل أيضا المواد والتجهيزات المخصصة للاستخدام الشخصي (المادة الخامسة عشرة-2) . ثم زادت فمنحتهم الحق الكامل بتصدير أية بضائع أو مواد من العراق .. نعم من العراق ، وإلى أية جهة كانت !! (لن يغلب أيٌ منا في معرفة ما يسيل له لعاب طمعهم وجشعهم فيتحايلون لسلبه ونهبه بكل ما أوتوا من وسائل النصب والخديعة التي ورثوها عن أجدادهم وآبائهم الغابرين) ، ودون إن يخضع ما يصدروه للتفتيش والتحقق من شرعية محتوياته ، ودون إن يُقيد ما يصدروه بأية قائمة لما هو ممنوع من التصدير أو بأي قائمة لما هو ممنوع من التداول تقررها القوانين النافذة ، بل ودون إن يلزموا بدفع أية رسوم أو ضرائب عنه (المادة الخامسة عشرة-1) .
وعلاوة على كل ما سبق ، وغيره مما لم نتطرق له ، فأن الاتفاقية سيئة الصيت لم تكتفِ بالنص على تعطيل سريان القوانين العراقية على المحتلين ومن بمعيتهم من المرتزقة والطفيليين وإعفائهم من أية التزامات تفرضها عليهم ، وإنما جعلت من القوانين الأمريكية نافذة المفعول بحقهم وعلى إي جزء كانوا عليه من الإقليم العراقي (المواد العاشرة والثانية عشرة-3 والسابعة عشرة-1و2و3 والثامنة عشرة-2) . بل زادت وسعت بكل سبيل إلى تجريد القضاء العراقي تجريدا كاملا من ولايته الشاملة على إقليمه وما عليه . وهذه سابقة في ميدانها لم نعرف لها شبيها ، ولا قربا في الشبه ، في أية معاهدة أمن أو دفاع مشترك أو حتى ((حماية)) أبرمتها الولايات المتحدة ، أو إي من دول الاستعمار الحديث ، مع أية دولة أخرى من دول عالمنا المعاصر سواء كانت تلك الدولة من الراغبين في إبرام المعاهدة أم من المكرهين عليها . ومع إن لهذه السابقة أكثر من موضع في الاتفاقية سيئة الصيت إلا إننا سنكتفي للتدليل عليها بالوقوف عند موضع واحد منها : الولاية القضائية . إذ على الرغم من الكلمات المنمقة والعبارات المبهرجة التي تم نثرها في غير مكان من متن هذه الاتفاقية حول ((احترام القوانين والأعراف والعادات العراقية))(المادة الثالثة) و ((الاعتراف بحق العراق السيادي في تحديد وفرض القانون الجنائي والمدني على أراضيه))(المادة الثانية عشرة) ..، إلا أنها ظلت مجرد كلمات وعبارات مفرغة من إي مضمون . فقد أعفت الاتفاقية قوات المحتلين ومن تسميهم ((إفراد العنصر المدني)) جميعا من الخضوع لولاية القضاء العراقي عن أية جريمة (جناية كانت أم جنحة أم مخالفة) يرتكبونها كلا أو جزءً على الإقليم العراقي ، كما وأعفتهم عن أية مسئولية أخرى تقررها القوانين العراقية النافذة سواء جاءت الجريمة المرتكبة أو المسؤولية المتحققة ضد الأشخاص مواطنين عراقيين كانوا أم من المقيمين أم ضد الأموال منقولة وغير منقولة عامة كانت أم خاصة ، واكتفت بالإعلان عن إن :((للعراق الحق الأولي لممارسة الولاية القضائية على إفراد قوات الولايات المتحدة وإفراد العنصر المدني بشأن الجنايات الجسيمة المتعمدة .. حين ترتكب تلك الجرائم خارج المنشآت والمساحات المتفق عليها وخارج حالة الواجب)) (المادة الثانية عشرة-1) . وهو إعلان صوري يناقض ظاهره باطنه لأنه في واقع الأمر يتضمن أولاً سلب القضاء العراقي الولاية الحصرية والكاملة في نظر كافة الجرائم التي ترتكب على الإقليم العراقي انطلاقا من مرحلة التحقيقات الأولية وحتى إصدار الإحكام الباتة فيها ، وذلك تحت ما ابتكروه من مسمى ((حق أولي)) . ويتضمن ثانيا سلب القضاء العراقي اختصاصه الوظيفي بنظر كافة أنواع الجرائم جنايات كانت أم جنح أم مخالفات ، وذلك بحصر ولايته بما أسموه ((الجنايات الجسيمة المتعمدة)) .. هذا دون بيان لما هو جسيم متعمد من تلك الجنايات لكي يبقى تقدير جسامتها من اختصاص المحتلين أنفسهم . ويتضمن ثالثا حصر الاختصاص المكاني للقضاء العراقي فقط بما هو خارج ما يقيمه المحتلون ومن بمعيتهم من القواعد العسكرية والمنشآت الأخرى ، وذلك بتقييد ولايته تحت عبارة ((حين ترتكب تلك الجرائم خارج المنشآت والمساحات المتفق عليها)) . ويتضمن رابعا تقييد الولاية المطلقة للقضاء العراقي في نظر ما يرتكب من جرائم ودون اعتداد بظرف ارتكابها ، وذلك بحصرها تحت مسمى ((خارج حالة الواجب)) . ومن ذا الذي سيفصل في كون الجريمة ارتكبت ((خارج حالة الواجب)) أم داخلها ؟ .. المؤكد أنهم هم ، وهم وحدهم ، أصحاب القول الفصل في ذلك !!(المادة الثانية عشرة-9) .
ولم يكن ذلك كل شيء ..، إذ كان لابد للمحتلين من إن يواصلوا تجريد القضاء العراقي من ولايته على كامل الإقليم العراقي ليستكملوا ما تقرر لهم من ((سلطة ممتازة)) ..، لذا فقد أوجبت اتفاقيتهم على ((السلطات العراقية)) تسليم من يُلقى القبض عليه من قوات المحتلين ومن بمعيتهم من المرتزقة والطفيليين (وهل تقدر تلك السلطات على فعل ذلك ؟ ) لارتكابه ((جريمة جسيمة متعمدة خارج المنشآت والمساحات المتفق عليها وخارج حالة الواجب)) إلى قوات المحتلين خلال 24 ساعة من وقت إلقاء القبض عليه ، وتتولى تلك القوات مهمة احتجازه في معسكراتها لحين إكمال التحقيق والمحاكمة فيما ارتكبه من جريمة (المادة الثانية عشرة-5) !! . غريب هذا الأمر ، لاشك في ذلك ، غير إن ما هو أكثر منه غرابة إن هذه الاتفاقية تخلو من إي نص صريح أو ضمني يشير إلى المكان الذي سيقضي فيه من تثبت إدانته ((بجناية جسيمة متعمدة)) عقوبته ، إذا ما قررت محكمة الموضوع معاقبته بعقوبة سالبة للحرية !! .. ترى هل فات المحتلين الانتباه إلى هذه الملاحظة فنسوها ، أم أنهم مطمئنون إلى عدم صدور إحكام على إي من قطعانهم ولو كان من المذنبين ؟ ..

العراق المحتل في 6/12/2008

ليست هناك تعليقات: