الأحد، 14 ديسمبر 2008

هذه الاتفاقية ...ح4

( 4 ) برغم دأب المحتلين الأمريكان المتواصل دون انقطاع أو فتور على الترويج لـ((شرعية)) احتلالهم للعراق العربي ، و((مشروعية)) ما يترافق معه من تصرفاتهم وسلوكياتهم وأجنداتهم ، وذلك عبر كل ما هو متاح لهم من قنوات السياسة والدبلوماسية وما هو تحت قبضتهم من وسائل الدعاية والإعلام ..، إلا أنهم يدركون ، لاشك يدركون – وطبقا لما يتبجحون هم أنفسهم التمسك به من معايير حقوق الإنسان وقواعد القانون الدولي وشرعة الأمم المتحدة- ، إن ما يوغلون به من عدوان ، وما يرتكبونه من الجرائم والانتهاكات السافرة ، وما يلحقونه من الخراب والتدمير بالعراق العربي وأهله ..، أنما يرتب عليهم مسؤوليات مادية وأدبية سيجبرون على أدائها كاملة غير منقوصة طال زمان احتلالهم لعراقنا أم قصر . والمحتلون الأمريكان إذ يدركون هذه الحقيقة فأنهم يجهدون أنفسهم مبلغ الجهد في محاولات لا تنتهي للحيلولة دون وقوعها أو على الأقل لتلافي أشد تبعاتها عليهم ، اعني المسؤوليات المادية . وتوكيدا لذلك ، وبناءً على ما منحته لهم اتفاقيتهم سيئة الصيت من ((سلطة ممتازة)) على الإقليم العراقي وما فيه وما عليه ، فقد جاء فيها :((يتنازل الطرفان عن حق مطالبة الطرف الآخر بالتعويض عن أي ضرر أو خسارة أو تدمير يلحق بممتلكات القوات المسلحة أو العنصر المدني لأي من الطرفين)) ثم تضيف ((أو المطالبة بتعويض عن إصابات أو وفيات قد تحدث لإفراد القوات المسلحة والعنصر المدني والناجمة عن تأديتهم واجباتهم الرسمية في العراق))(المادة الحادية والعشرون-1) . ومع إن النص قد استهل بكلمة ((الطرفان)) ، إلا إن الواضح منه تماما إن المقصود بشطره الأول هو الجانب العراقي تحديدا ، وان المقصود بشطره الثاني هو الجانب الأمريكي حصرا ، وذلك لان التنازل عن حق التعويض وان كان ملزما لكلا الطرفين بموجب النص ، إلا إن مضمون هذا التنازل ليس موحدا لكل منهما ، فبينما حصر الشطر الثاني من النص تنازل المحتلين عن حق التعويض بحالات الإصابة والوفاة ((الناجمة عن تأديتهم واجباتهم الرسمية في العراق)) ، وبما يفهم منه إن أية حالة إصابة أو وفاة أو ضرر تحل بقوات المحتلين أو بعناصر المرتزقة والطفيليين الساندة لها أو المتعاقدة معها وتكون خارج نطاق واجبهم الرسمي ]حصرت الاتفاقية بالمحتلين وحدهم سلطة القرار بما هو رسمي من واجبات قواتها ومن بمعيتهم (المادة الثانية عشرة-9)[ لا يشملها التنازل وتكون موجبة للتعويض ..، جاء التنازل في الشطر الأول من النص –الذي يخص الجانب العراقي تحديدا- عاما غير مقيد . علاوة على ذلك فإن النص في هذا الشطر قد جاء مطلقا من حيث الزمان بحيث تخضع لإحكامه كل حالة ضرر أو تدمير موجبة للتعويض ألحقتها ، أو تلحقها ، قوات المحتلين ومن بمعيتهم بالعراقيين منذ انطلاق عدوانهم على العراق ولأي وقت تبقى فيه تلك القوات ومن بمعيتها على الأرض العراقية ، فتدخل ضمن ما توجب الاتفاقية التنازل عنه . وإضافة لما سبق بيانه فان النص في هذا الشطر جاء مخصوصا بالعراقيين . أي إن التنازل عن حق التعويض ينحصر بالعراقيين أشخاصا وبممتلكاتهم أموالا دون سائر من طالهم الضرر أو حل بهم التدمير بفعل أو بتسبب من قوات المحتلين ومن بمعيتها من المرتزقة والطفيليين !! . بمعنى إن كل متضرر من قوات المحتلين ومن بمعيتهم ، بشخصه كان الضرر أم بماله ، يحق له المطالبة بالتعويض عن ما أصابه من الضرر (المادة الحادية والعشرون-2) ويشترط لذلك فقط إن لا يكون عراقيا . ويستوي بعد هذا إن يكون من جنسية دولة أخرى أم بلا جنسية أصلا ، ويستوي أيضا إن يكون مقيما بصفة مشروعة في العراق أم من المتسربين خلسة إليه ، ويستوي كذلك إن يكون من عناصر مخابرات الدول التي ما انفكت تسرح وتمرح منذ خمس سنين على طول ارض العراق وعرضها أم من عصاباتها التي ما برحت تعيث فسادا وتنخر نخر الأرضة بالعراق أرضا وشعبا .
وليس هذا كل شيء ، فقد جاء في هذه الاتفاقية :((يحتفظ الطرفان بحق الدفاع الشرعي عن النفس داخل العراق كما هو معرف في القانون الدولي النافذ))(المادة الرابعة-5) . غير إن حق الدفاع الشرعي الذي يمنحه هذا النص لطرفي الاتفاقية ، لا يمكن – عمليا- إلا إن يكون لأحدهما دون الآخر ، حيث يفترض بالطرف الآخر في الاتفاقية (حكومة المحتلين) أن تكون هي صاحبة السيادة في البلاد ، وان ممارستها لسيادتها تخولها وحدها السلطة المطلقة في ردع أي تحدٍ لسلطانها الداخلي على سائر الإقليم العراقي وما فيه وما عليه ، وبالتالي فليس ثمة ما يدعو لتبرير ردعها للخارجين عن سلطانها داخليا تحت زعم حق الدفاع الشرعي ، إنما هو مظهر أصيل من مظاهر ممارستها لسيادتها على البلاد . أذن لامناص من إن يكون النص على حق الدفاع الشرعي محصورا بالمحتلين الأمريكان وحدهم .
ولكن ضد مَن تقرر الاتفاقية هذا ((الحق)) ؟ .. بديهي إن أي من طرفي الاتفاقية لا يمكن إن يكون ندا للآخر ، وليس مصدر البداهة في ذلك كون احد طرفي الاتفاقية عميلا للآخر وحسب وإنما لان هذه الاتفاقية – وكما عرفها أصحابها- هي اتفاقية أمنية ، وان إبرامها لابد كان يستند على ثقة متوطدة بين طرفيها ، وان الثقة بين أي طرفين منبعها الإحساس المتبادل بينهما بالأمان إلى الآخر . كما ولا يتصور تحت أي ظرف قيام أي وضع عدواني بين طرفيها ، وليس مصدر انعدام التصور هنا كون أحدهما صنيعة الآخر وحسب وإنما لان هذه الاتفاقية – وكما وصفها أصحابها- ترسي تعاونا ((مبني على أساس الاحترام الكامل لسيادة كل منهما))(الديباجة) . فلم يبقى إلا إن يكون حق الدفاع الشرعي الذي تحصره الاتفاقية بالمحتلين الأمريكان مقررا لمواجهة أي فعل مقاوم لاحتلالهم وأي تصرف مناهض لوجودهم ينهض به شعبنا الصابر .
والحقيقة إن فقه القانون الدولي يجمع على ضرورة إن يكون هناك عدوانا مسلحا مفاجئا ودون أي مسوغ مشروع من دولة ، نعم .. دولة وليس شعب محتل ، على أخرى ليكون للثانية الحق بالدفاع الشرعي ردا على ذلك العدوان ..، هذا في حين إن جميع أفعال الشعوب التي تستهدف مقاومة محتلي أراضيها وجميع تصرفاتها التي تناهض وجودهم تدخل ضمن دائرة حقها في الدفاع الشرعي عن وجودها الذي قررته المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة ، وضمن حقها في مقاومة الاستعمار الأجنبي الذي نص عليه القرار الاممي رقم 2787/1971 ، وحقها في الكفاح المسلح من اجل الحرية وتقرير المصير الذي أرسته الجمعية العامة للأمم المتحدة في قرارها المرقم 3214/1974 ، وحقها في مقاتلة المحتلين بكافة الوسائل المتاحة لها الذي أكدته لجنة حقوق الإنسان في قرارها 19/1989 ...، إلا إن جهود المحتلين الأمريكان ، وطيلة عقود ماضية ، تتظافر مع جهود حلفائهم الصهاينة للترويج لرؤية منحرفة عن حق الدفاع الشرعي دوليا بحيث يحرموا الشعوب من حقها المشروع في الدفاع عن وجودها وحريتها وفي ذات الوقت يسلبوا الدول حقها في الرد المشروع دفاعا عن سيادتها واستقلالها ، وكل ذلك ليضفوا المشروعية على أنشطتهم العدوانية فيما بات يطلقون عليه تسمية ((مكافحة الإرهاب)) .. وها هم اليوم صنائعهم من العملاء الخونة يؤازرون مسعاهم ويعضدون خطاهم فيما صادقوهم عليه من حق مزعوم للدفاع الشرعي ، وهو في حقيقته ليس إلا انتقام من شعبنا الصابر وطليعته المقاومة الباسلة سجلوه نصا في اتفاقيتهم سيئة الصيت ..، فلينظر كل ذي عقل لبيب إلى أي مدى يوغل المحتلون الأوباش في استهانتهم بدماء العراقيين وحقوقهم ، وليتمعنوا إلى أي درك من الخيانة والعمالة انحدر صنائعهم الأقزام من المنصبين حكومة لسائسيهم .

العراق المحتل في 13/12/2008

ليست هناك تعليقات: