مع دخول الاحتلال الأمريكي الغاشم لعراقنا العربي عامه السابع ، ينفرد الرافضون له
المقاومين لوجوده المناهضين لاستمراره بصحة موقفهم منه وبدقة حساباتهم معه . وإذ
يسجل ذلك امتيازا لهم ، فأنه يبقيهم لوحدهم القوة المؤهلة موضوعيا لتحرير العـــــراق
واستعادة هويته العربية .
( 1 ) لم يزل الحديث حول ما أعلنه مؤخرا رأس دولة المحتلين عن جدولة سريعة لسحب ما يقارب ثلثي قطعان جيوشه المحتلة لعراقنا العربي في فترة أقصاها نهاية شهر آب/ 2010 ..، لم يزل يحتل موقعا على واجهة الكثير مما تنشره وتبثه مختلف أجهزة الإعلام ووسائله مرئية كانت أم مسموعة أم مقروءة . وما يتناقل من حديث حول هذا الموضوع لم يقتصر على ذلك الإعلان وما تبعه من تصريحات وتداعيات إخبارية ، وإنما يشمل أيضا سيلا من التحليلات ووجهات النظر المتوافقة حينا ، المختلفة أحيانا أخرى ، عن الأسباب الكامنة وراءه ، ونتائجه المحتملة على شتى الميادين والمستويات .
( 2 ) ونحسب إن هذا الحديث سيظل في موقع الصدارة إعلاميا ، ولفترة قادمة من الزمن ..، وما ذلك لأن ما أعلنه رأس دولة المحتلين يعكس توجها جديدا لسياستها تجاه عراقنا العربي ، كما ذهب إلى ذلك بعض محللي شؤون السياسة والمهتمين بها . ولا لأنه يتبنى تعديلا على ثوابتها الإستراتيجية ، كما ذهب إليه آخرين منهم . ولا حتى إعادة لترتيب أولويات أهدافها لما تبقى من هذا العقد وشيء من العقد القادم ، على ما ذهب إليه غيرهم . فحقيقة الأمر ، إن ليس ثمة أية تغيرات على سياسة دولة المحتلين تجاه عراقنا العربي ولا تجاه أي من دول العالم الأخرى . فقاعدة فرض التبعية الكاملة على مختلف شعوب العالم ودوله ، سواء تم ذلك من خلال السيطرة غير المباشرة عليها سياسيا واقتصاديا وامنيا وحتى ثقافيا ، أو بالسيطرة المباشرة من خلال الاحتلال العسكري لها ، وبما يؤمن لدولة المحتلين قائدة المعسكر الامبريالي وإمبراطورية العدوان في عالمنا المعاصر تحقيق أطماعها التوسعية وضمان هيمنتها غير المحدودة على مصائر الشعوب ومقدراتها ..، إن هذه القاعدة ، كانت وستبقى ، هي الركيزة الأساسية لسياسة إمبراطورية العدوان ، وهي أيضا الأرضية التي تقوم عليها جميع نظمها القانونية والسياسية والاقتصادية والمؤسساتية ؛ وبالتالي فان تعدد قوى السياسة ومؤسساتها في تلك الدولة العدوانية وتباين طروحاتها العملية إذ يؤشر مواقف متباينة لها وحلول مختلفة تتبناها مما يفرزه واقع دولتهم من مشكلات وعلى مختلف الأصعدة والمستويات ، فانه لا يشكل ، ولا يمكن أن يشكل ، مدخلا لتجاوز أيا من تلك القوى والمؤسسات القاعدة التي اشرنا إليها ؛ وذلك بحكم إنها جميعا تنتظم داخل منظومة دولتها الرأسمالية الاحتكارية الربوية ، وتحتكم لها وللنظم السائدة فيها سواء في فهمها لما يواجه دولتها من مشكلات ، أو في ما تقدمه لتلك المشكلات من حلول ، أو في تنفيذها لتلك الحلول واقعيا ؛ بل وحتى عند اختلافها فيما بينها على ما هو من بنات منظومتها الرأسمالية الاحتكارية الربوية وما هو دخيل عليها. فكل واحدة من هذه القوى والمؤسسات مولود شرعي لتلك المنظومة الامبريالية ، تخلّقت في رحمها ، وولدت من معاناتها ، وترعرعت في ظلها ، واستقوت تحت رعايتها ، ولسوف تموت وتفنى تحت خيمتها .
( 3 ) كما وليس ثمة أية تعديلات على ثوابت الإستراتيجية الأمريكية . فإستراتيجية الولايات المتحدة الأمريكية ، كانت منذ قيامها دولة ، وستبقى حتى تفتها دويلات ، محتفظة بذات سماتها العامة : إستراتيجية هجومية عدوانية توسعية إرهابية ، تعتمد القوة الغاشمة وسيلة أساسية في تنفيذ خططها وتحقيق مراميها ، عسكرية كانت تلك القوة أم اقتصادية أم ثقافية ، وتتبنى الابتزاز والتسلط والإرهاب أساليب دائمة في التعامل مع الغير ، حليفا لها كان هذا الغير أم ضحية لإطماعها . فجميع أنشطة الدولة الأمريكية في تعاملها مع غيرها من الدول والمؤسسات الدولية ، وفي شتى ميادين التعامل ، قائمة على قاعدة من هذه الثوابت الإستراتيجية ؛ ولن يخفي حقيقة ذلك ، عدم ظهور عناصر القوة العسكرية أو الاقتصادية في تعامل تلك الدولة العدوانية أو في نزاعاتها مع الغير ، إذ كثيرا ما يتم توظيف ماكنتها الإعلامية والدعائية لإرهاب الغير وحمله حملا للرضوخ والانصياع لإرادة الدولة الأمريكية . وهو لاشك عندهم أسلوب اقل تكلفة ماديا ، وأكثر خفاءا ومضاءا في دقة إصاباته ، وأعظم تأثيرا على عقول المتلقين ، وأسهل تقبلا لدى نفوسهم ، حد وصفهم له بـ((القوة الناعمة)) .
على أية حال ، فناعمة كانت عناصر قوتهم التي يرهبون بها الآخرين أم خشنة ، فتوظيفها لا يخرج ، ولا يمكن أن يخرج ، عن ثوابت إستراتيجيتهم سالفة الذكر .
( 4 ) كما وليس ثمة إعادة لترتيب أولويات أهداف خطتهم الإستراتيجية . فبرغم المأزق الخانق الذي أجبرت قطعان المحتلين الأمريكان والقطعان المتحالفة معها من جيوش دول منظومة المعسكر الامبريالي على دخوله في أفغانستان المحتلة ، نتيجة لفشلها المتوالي في مواجهة قوى المقاومة هناك ، وانسحابها مجبرة مدحورة عن اغلب المدن والمقاطعات حتى باتت المقاومة الأفغانية تفرض سيطرتها شبه المطلقة على أكثر من 80% من ارض دولتها ، وهي لما تزل مستمرة في تقدمها الحثيث نحو العاصمة ومدن رئيسية أخرى ، فيما تكيل الضربات المركزة ذات الكفاءة النوعية العالية لقطعان محتلي أرضها والمتعاونين معهم ، حتى ليكاد عويل ساسة وعسكريي الدول المحتلة لأفغانستان وتشكيهم من مأزقهم الخانق هناك يُسمِع الأصم من الناس ، وحتى وصل بهم الهوان والتراجع حد عرضهم – ودون شروط مسبقة- التصالح مع حركة الطالبان ، ذات القوة التي اعتبروها حاضنة للإرهاب العالمي وجيشوا عليها الجيوش واسقطوا نظام حكمها واعتبروها حتى وقت قريب من ألد الأعداء لهم !!.. وسبحان ربنا الأعلى ، مذل المتجبرين . أقول : برغم هذا المأزق الخانق للمحتلين الأمريكان وحلفائهم في أفغانستان والذي يفرض عليهم الزج بمزيد من قطعانهم إلى هناك ، أملا في استعادة سيطرتهم على ما تخلوا عنه مجبرين من الأرض ، أو على الأقل وقف تراجعهم المستمر عن المتبقي تحت سيطرتهم منها ، إلا إن عديد قطعانهم المحتلة لعراقنا العربي يبقى أكثر بكثير من عديد تلك المحتلة لأفغانستان ، وهذا لوحده مؤشر كافٍ على أن لا تغيير في أولويات أهدافهم الإستراتيجية .
( 5 ) لا مجال – إذن – للحديث عن تغيير قائم ، أو تغير مرتقب ، على سياسة إمبراطورية العدوان ، لمجرد إن الحزب الذي اعتلى سدة الحكم فيها قد رفع شعارا يدعو للتغيير . فشعار التغيير ، أو تغيير الشعار ، يستويان مقصدا ، قد يمتد ليتناول كثيرا من مفردات شؤونهم العامة ، إلا أن يمس الأسس والمقومات الفكرية والحركية والأمنية التي تقوم عليها منظومة إمبراطورية العدوان . فالنظم والتشريعات القانونية لتلك الإمبراطورية العدوانية ، وقبل أية قوة سياسية أو مؤسسة حزبية فيها ، هي من ستقطع أيدي ورقاب المتطاولين على دعامات نظمها القانونية والسياسية والاقتصادية ، وأيا كان انتمائهم ، وبغض النظر عن نواياهم الكامنة وراء مطلبهم هذا ، وأهدافهم المتوخاة منه .
( 6 ) ولعل من نافلة القول إن هذا المنحى ليس ميزة خاصة بإمبراطورية العدوان دون سواها من الدول الأخرى ..، فكل دولة في عالمنا المعاصر ، تسن من القوانين والتشريعات ما يردع أية محاولة لتغيير الأسس والمقومات التي تقوم عليها نظمها القانونية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية ، وتجرم كل فعل يرتبط بها ، وتعاقب بأشد العقاب عليها . والنظم القانونية والسياسية في جميع الدول لا تقبل بالتغيير على أي من نظمها السائدة وتشريعاتها النافذة إلا ما يكون منه متوافقا مع ما ترسمه قوانينها وتشريعاتها للتغيير عليها ، وفي إطار الحدود المرسومة له والقيود المفروضة عليه ، فان تجاوز تلك الحدود أو تخطى تلك القيود نهض القانون لردع المتجاوزين والمتخطين ، والاقتصاص منهم بقوة ذات القانون السائد في الدولة . وبدون ذلك ما احتفظت نظم الدول بوجودها ، ولحمل ألينا تغيير وجوه القابضين على السلطة ، تغييرا دائما على النظم السائدة فيها .
( 7 ) غير إن تغيير نظم الدولة ، أية دولة ، القانونية والسياسية لا يتحقق بأي حال من الأحوال إلا عن طريقين لا ثالث لهما : أما ثورة من الداخل ، وإما عدوان من الخارج .
وثورة من الداخل بمعنى حركة تنتمي لذات الشعب ، ومن خارج قوى ومؤسسات الحكم والسلطة القابضة عليه ، تستهدف تغييرا شاملا للنظام القانوني السائد في دولته ، ومن غير الطريق الذي يرسمه ذلك النظام لتغييره . فهي انقلاب عليه وعلى وجوده ، مع إن كلمة الثورة أدق وصفا لفعله ، وابلغ تعبيرا عن ما يتوخاه من غايات . فالانقلاب وان تضمن معنى التغيير ، إلا انه كثيرا ما ارتبط بحركات قلب أنظمة الحكم من قبل مؤسسة الجيش في ذات تلك الأنظمة ، والتي كانت في الغالب أما حركات تسعى للامساك بمقاليد السلطة لمجرد الحكم ، وإما حركات تنشد تغييرا لواقع مجتمعاتها السيئ ودون أن تكون لها رؤية واضحة لما ينهض عليه التغيير المطلوب من عقيدة وحركة . هذا مع ضرورة الإشارة إلى عدم دقة مقولة إن كل حركات التغيير التي تنهض بها مؤسسة الجيش هي من الانقلابات . فالجيش في أي مجتمع ، كان وسيبقى ، مؤسسة دائمة الارتباط بوجود الدولة ذاتها ، دون إن يختص به نظام سياسي ما حاكم للدولة . وحيث أن وجود الدولة واستمرارها غير مرهون ببقاء نظام حكم سياسي ما قابضا على السلطة فيها ، ولا بنوع معين من أنظمة الحكم ، إذ كما يمكن أن يكون نظام الدولة جمهوريا رئاسيا مثلا ، يمكن أن يتغير نظام حكمها إلى ملكي وراثي ، ودون أن يعني هذا التغيير إلغاءا للدولة أو نهاية لوجودها . ولنا في اسبانيا مثلا على ذلك ، حين اختار شعبها تغيير نظام الحكم إلى ملكي بعد إن ساد عليهم ولعهود عدة نظام حكم رئاسي .
( 8 ) أما عن تغيير نظم الدولة القانونية والسياسية بعدوان من خارجها ، فليس أوضح مثالا عليه مما حاق بعراقنا العربي . فمنذ أن اجتاحت قوات الغزو الأمريكي وطننا واخضعته أرضا وشعبا وسيادة ومقدرات وبقوة السلاح لاحتلالها ، أحلت -وبقوة السلاح أيضا- ما جاءت به من نظم قانونية وسياسية واقتصادية محل ما كان سائدا فيه منها . فتغيير نظم الدولة هنا أملته إرادة أخرى غير إرادة أهله ، إرادة المحتلين المعتدين المتسلطين القادمين من وراء الحدود . وفي مثل هذا الواقع يصبح استعادة الوطن من غاصبيه المحتلين ، وتحريره أرضا وشعبا وسيادة ومقدرات ، هو مطلب التغيير الأول لكل القوى الوطنية ، لا يتقدم عليه مطلبا آخر مهما بلغ من الأهمية والشمول . وغاية التغيير المطلوب هنا ليست استبدال ما أحله المحتلون من نظم قانونية وسياسية واقتصادية بسواها مما يرتضيه الشعب فحسب ، وإنما وقبل ذلك إنهاء وجود المحتلين انهاءا مبرما وتصفية كافة أشكال هيمنتهم تصفية نهائية ، ومثل ذلك لا يتحقق إلا بتحرير الأرض من أي وجود فعلي لقطعانهم عليها ، ومن أي تواجد لحلفائهم من الخونة والعملاء .
( 9 ) أما نحن فنرى إن الحديث عن الانسحاب الأمريكي المزعوم سيظل في موقع الصدارة إعلاميا ، ولفترة قادمة من الزمن ، لان الإدارة الجديدة لدولة المحتلين تريد لهذا الحديث إن لا ينقطع . فلقد كان موضوعه من المواضيع الحاضرة عند كثير من سياسي دولة الاحتلال والعديد من دوائر صنع القرار فيها منذ فترة زمن . هذا ما رصده وكتب عنه كثيرون من ذوي الاختصاص والمحللين السياسيين . وكتبنا عنه أيضا منذ عام تقريبا تحت عنوان ((أنهم يمهدون لفرارهم ..)) وقلنا حينذاك : إن ثمة تيارا مفرزا داخل المنظومة السياسية الأمريكية يضم غالبية منظري وساسة الحزب الديمقراطي ومن يتوافقون معهم في الموقف من استمرار الاحتلال الأمريكي لعراقنا العربي وبغض النظر عن ذرائعهم أو الرؤى المحركة لمواقفهم ..، يروج ويدعم بقوة لفكرة تحجيم التواجد العسكري لقواتهم الغازية في عراقنا العربي ، باعتبار ذلك عندهم هو السبيل الأمثل للحد من الخسائر المتفاقمة بين صفوف إفرادها ومعداتها ، وتجاوز الواقع المزري الذي يجدونه يهدد كيان آلتهم العسكرية ، وهو عندهم أيضا الحل الأنجع لوقف تدحرج الاقتصاد الأمريكي نحو هاوية العجز الكامل ، ومنع تداعي كيان الدولة الأمريكية برمتها . ثم أضفنا : ((غير انه من الضروري الانتباه إلى إن هذا التيار إذ يدعو ويروج وبكل ما أوتي من قوة ووسيلة إلى تحجيم عديد القوات الأمريكية المحتلة لعراقنا العربي وتحديد مناطق انتشارها ضمن أدنى حد ممكن ..، فهو يدعم بقوة أيضا الموقف الداعي إلى ضرورة الاحتفاظ بتواجد سياسي وعسكري كافٍ ودائم على ارض الرافدين وبما يضمن للامبريالية الأمريكية التفوق ببسط هيمنتها الكاملة على المشرق العربي وعموم المنطقة المتاخمة له ..، بمعنى إن دعواته التي يروج لها لا تستهدف الانسحاب النهائي من العراق ، وإنما تكتفي بتقليص حجم القطعات ، وتركيز تواجدها في قواعد عسكرية دائمية ، وها هنا يكشف الامبرياليون المستعمرون عن وجه عدوانيتهم المقيتة ، فهم قد يختلفون في الحلول التي يطرحها كل منهم لما تعانيه مؤسستهم العسكرية من إمراض تفتك بكيانها ، وقد يختلفون في الموقف من تأثير حروبهم العدوانية على جاهزية قطعات جيشهم أو كفاءة أدائها أو قدرتها على العدوان مستقبلا ..، ولكنهم يتوافقون على ضرورة إن تبقى لهم السطوة والهيمنة على العالم اجمع . وما ذلك إلا لأنهم جميعا امبرياليين جمهوريين كانوا أم ديمقراطيين ، ولأنهم جميعا مستعمرين محافظين كانوا أم معتدلين )) .
( 10 ) ولقد كان هذا موقفهم المعروف عنهم في وقت يقبض فيه أندادهم من المحافظين الجدد بمقاليد سلطة الحكم والإدارة لدولة المحتلين ..، إما الآن ، وذلك التيار هو من يمسك بتلك المقاليد ، فان ما سبق وأعلنوه موقفا وروجوا له ودعموه بقوة عبر العديد من الدراسات والأبحاث واستطلاعات الرأي والتصريحات ، ثم تبنوه وعدا يتصدر قائمة ما قطعوه لناخبيهم من وعود انتخابية ، ثم كان العامل الحاسم في كسبهم لمعركتهم الانتخابية ..، لا بد وان يكون – وهم في موقعهم الجديد- محورا أساسيا ، إن لم نقل المحور الأساسي ، لتوجهاتهم السياسية ، وأولوية متقدمة ، إن لم نقل أولى ، في خططهم الإستراتيجية . وعليه فقد بات من الأهمية بالنسبة إليهم الإبقاء على ما يتصل به من حديث ، ولزمن قادم على الأقل ، دائم الحضور في واجهة الصدارة الإعلامية ، وساخنا على الدوام فيما تتناقله أجهزة الإعلام ووسائله من إخبار وما تغطيه من متابعات وما تنشره من تحليلات .
( 11 ) ونحن هنا لا نسجل ذلك إقرارا منا بصدق نواياهم فيما سبق لهم وروجوا له موقفا ودعموه بقوة حين كانوا من المتربصين بسلطة الحكم والقرار في دولتهم ، ولا ثقة منا بما وعودوا به ناخبيهم حين زاحموا من كان ممسكا بتلك السلطة الصراع عليها ، ولا تصديقا منا بما أعلنوه هدفا بعد إن صارت تلك السلطة إليهم ..، وإنما لنثبت فقط ما تؤشره توجهاتهم . فالحقيقة الثابتة عندنا إننا لا نصدقهم وان صَدقوا ، ولا نثق بهم وان أوفوا ، وما ينبغي لنا ذلك . فنحن ، وشأننا في هذا شأن كل المتقدمين علينا في العطاء والبذل لعراقنا العربي ، وشأن كل المتوافقين معنا في الرؤية المبدئية والموقف الوطني ، نضع دولة المحتلين سلطة وإدارة ومؤسسات على رأس قائمة أعدائنا ما بقيت لها جيوش تحتل وطننا ، أي جزء من وطننا ، وما دامت ساعية لفرض الوصاية علينا ، وبأي سبيل كان سعيها لذلك . ويستوي عندنا بعد هذا إن يكون الممسكين بمقاليد سلطة الحكم والقرار في تلك الدولة العدوانية من الجمهوريين أم الديمقراطيين ، ومن المحافظين أم المعتدلين ، ومن أية أصول كانوا ، والى أية ديانة أو طائفة ينتمون .
( 12 ) ثم إن ما أعلنه رأس دولة المحتلين ، وبفرض صدق التزامه بما أعلنه ، إذ يتضمن الإبقاء على قرابة خمسين إلفا من قطعان جيوشه الغازية على أرضنا ، فانه يعني ببداهة الاستنتاج المنطقي استمرار احتلاله المباشر لعراقنا العربي . ولن يغير من هذه الحقيقة تحديد مهام تلك القطعان الغازية ((للقيام بعمليات قتالية خاصة)) ، على ما زعمه رأس دولة المحتلين ..، ولا حصر انتشارها ضمن ما اعد خلال سني الاحتلال لتكون قواعد دائمية لها ، على ما ابرمه المحتلون مع عملائهم من اتفاق . فمما لا يختلف عليه كل ذي عقل لبيب أن الاحتلال العسكري المباشر واقع قائم حتما في كل وطن تتواجد جيوش الغزاة عنوة على أرضه ، وهذا بغض النظر عن تعداد تلك الجيوش وعدتها وموقع تواجدها ، إذ يكفي أن تدنس قدم جندي غازٍ بخفيف سلاحه وعدته مترا مربعا من إطراف فيافي ارض الوطن الجرداء ، أو جباله النائية ، أو مياهه البعيدة ، أو ما دون ذلك مساحة ، ليتحقق الاحتلال العسكري المباشر عدوانا على الوطن ، ما بقيت تلك القدم الغازية مستقرة على موضع منه ..، وهذا أيضا دون الالتفات لما يسوقه العدوانيين من ساسة تلك الجيوش الغازية وقادتها من مبررات لعدوانهم ، فليس ثمة ما يبرر العدوان إلا منطق العدوان ذاته . وان مما هو قمين بكل أواب حليم أن يدرك انه كما لا توجد منطقة وسطى بين الجنة والنار ، فلن توجد أبدا مساحة فارغة بين الحرية والعبودية ، إن هو إلا خط فاصل لا تجهل وجوده إلا بصائر عمياء ، ولا تتجاهل وجوده إلا نفوس مردت على الدونية والوضاعة ، فهي منها واليها .
( 13 ) واضح تماما – إذن- ، إن ما أعلنه رأس دولة المحتلين إذ لا يرقى بأي حال من الأحوال لان يمثل توجها جديدا في سياسة دولته العدوانية ، أو تعديلا على ثوابتها الإستراتيجية ، أو إعادة لترتيب أولويات أهدافها ، فهو ليس إلا مناورة تكتيكية بائسة يعول عليها رأس دولة المحتلين ومن يقف وراءه ومعه على سدة الحكم امتصاص نقمة عموم الشعب الأمريكي على سياسة دولتهم إبان فترة حكم سابقيهم من الجمهوريين ، ومحاولة استيعاب الضربات الباسلة لطليعة الشعوب المبتلاة بعدوانيتهم وتداعيات رفض تلك الشعوب القاطع لهم ولسياساتهم ، ومسرحية فاشلة في الإعداد والأداء لتحسين صورة دولتهم العدوانية في العالم ، وحركة مفضوحة لإبعاد الأنظار عن ما يسوقون له من مشاريع وأجندات سياسية وأمنية تستهدف تضييق الخناق على التيار المقاوم لوجودهم في عموم المنطقة العربية تمهيدا لتصفيته .
( 14 ) ومع إننا نؤمن بثبات بان من حق الشعوب ، كل الشعوب ، الاعتزاز بأوطانها ، وان كان من هذه الأوطان ما هو رقعة جرداء من الصحارى ، أو مساحة من الأرض تشكو فقر الموارد وتفتقر بطونها لدفين الثروات ..، إلا أن ما تختزنه ارض العراق العربي من ثروات ، وما يتمتع به موقعه الجغرافي من أهمية ، لاشك يبقيه هدفا متقدما ، هذا إن لم نقل الهدف الأول ، عند المحتلين الأمريكان . فأطماعهم اللانهائية تجد ضالتها في ثروات العراق العربي وخيراته ، وأهدافهم التوسعية تصبح أكثر منالا بتواجدهم الدائم على أرضه ، وهيمنتهم على الشرق والغرب ، وحمايتهم لحليفهم الاستراتيجي : كيان الصهاينة الغاصب لفلسطين العربية ولسائر حلفائهم وخدمهم في المنطقة العربية وما جاورها تكون اقدر فعالية بسيطرتهم المباشرة عليه . فالعراق العربي بالنسبة للمحتلين الأمريكان هو البوابة التي تبقيهم متربعين على عرش السيادة على العالم اجمع لقرن قادم من الزمان على اقل تقدير . وهذه حقيقة يدركونها هم أكثر من سواهم ، ولأجلها فقط تجشموا عناء الحرب على العراق العربي ، وتحملوا ، وما زالوا يتحملون ، المهول من الخسائر . لذلك سيبقى يقينا مستقرا عندنا ، وعند كل الوطنيين العراقيين ، بان المحتلين الأمريكان لن يخرجوا من عراقنا العربي طواعية ، ولن يسحبوا كامل قطعانهم منه بمحض إرادتهم ، ولا بأماني من جاؤوا بهم ونصبوهم حكومة لهم ، ولا بتمنيات من ركبوا موجتهم فانخرطوا طائعين أو مكرهين في ((عمليتهم السياسية)) ، ولا حتى بتوسلات المتوسلين بهم ، سواء كانوا من الفرس الطامعين بالحلول محلهم محتلين لعراقنا العربي ، أو كانوا من الأعراب المتوجسين خيفة منهم على عروشهم . إذ الاحتلال الأمريكي ، وشأنه في هذا شأن كل احتلال غاشم ، لن ينسحب من أرضنا إلا مدحورا مهزوما . فهزيمته وجودا ومشاريع وعملاء هي السبيل الوحيد لتحرير عراقنا العربي من رجسه ودنسه . وهي بعد هذا مهمة طليعة شعبنا : مقاومتنا الظافرة ، وليس لسواها كائن من كان مقدرة تحمل هذه المسؤولية التاريخية ، ولا شرف حملها ، فهي وحدها الممثل الشرعي والوحيد لعراقنا الحر اليعربي . وغدا ، أو بعد غدٍ سترفرف رايات الحرية في سماء بغداد العروبة ، هذا وعد كل المؤمنين بحرية العراق وعروبته ، ويومئذٍ يفرح المؤمنون بنصر الله ، إلا إن نصر الله قريب .
العراق المحتل في 30/3/2009
( 1 ) لم يزل الحديث حول ما أعلنه مؤخرا رأس دولة المحتلين عن جدولة سريعة لسحب ما يقارب ثلثي قطعان جيوشه المحتلة لعراقنا العربي في فترة أقصاها نهاية شهر آب/ 2010 ..، لم يزل يحتل موقعا على واجهة الكثير مما تنشره وتبثه مختلف أجهزة الإعلام ووسائله مرئية كانت أم مسموعة أم مقروءة . وما يتناقل من حديث حول هذا الموضوع لم يقتصر على ذلك الإعلان وما تبعه من تصريحات وتداعيات إخبارية ، وإنما يشمل أيضا سيلا من التحليلات ووجهات النظر المتوافقة حينا ، المختلفة أحيانا أخرى ، عن الأسباب الكامنة وراءه ، ونتائجه المحتملة على شتى الميادين والمستويات .
( 2 ) ونحسب إن هذا الحديث سيظل في موقع الصدارة إعلاميا ، ولفترة قادمة من الزمن ..، وما ذلك لأن ما أعلنه رأس دولة المحتلين يعكس توجها جديدا لسياستها تجاه عراقنا العربي ، كما ذهب إلى ذلك بعض محللي شؤون السياسة والمهتمين بها . ولا لأنه يتبنى تعديلا على ثوابتها الإستراتيجية ، كما ذهب إليه آخرين منهم . ولا حتى إعادة لترتيب أولويات أهدافها لما تبقى من هذا العقد وشيء من العقد القادم ، على ما ذهب إليه غيرهم . فحقيقة الأمر ، إن ليس ثمة أية تغيرات على سياسة دولة المحتلين تجاه عراقنا العربي ولا تجاه أي من دول العالم الأخرى . فقاعدة فرض التبعية الكاملة على مختلف شعوب العالم ودوله ، سواء تم ذلك من خلال السيطرة غير المباشرة عليها سياسيا واقتصاديا وامنيا وحتى ثقافيا ، أو بالسيطرة المباشرة من خلال الاحتلال العسكري لها ، وبما يؤمن لدولة المحتلين قائدة المعسكر الامبريالي وإمبراطورية العدوان في عالمنا المعاصر تحقيق أطماعها التوسعية وضمان هيمنتها غير المحدودة على مصائر الشعوب ومقدراتها ..، إن هذه القاعدة ، كانت وستبقى ، هي الركيزة الأساسية لسياسة إمبراطورية العدوان ، وهي أيضا الأرضية التي تقوم عليها جميع نظمها القانونية والسياسية والاقتصادية والمؤسساتية ؛ وبالتالي فان تعدد قوى السياسة ومؤسساتها في تلك الدولة العدوانية وتباين طروحاتها العملية إذ يؤشر مواقف متباينة لها وحلول مختلفة تتبناها مما يفرزه واقع دولتهم من مشكلات وعلى مختلف الأصعدة والمستويات ، فانه لا يشكل ، ولا يمكن أن يشكل ، مدخلا لتجاوز أيا من تلك القوى والمؤسسات القاعدة التي اشرنا إليها ؛ وذلك بحكم إنها جميعا تنتظم داخل منظومة دولتها الرأسمالية الاحتكارية الربوية ، وتحتكم لها وللنظم السائدة فيها سواء في فهمها لما يواجه دولتها من مشكلات ، أو في ما تقدمه لتلك المشكلات من حلول ، أو في تنفيذها لتلك الحلول واقعيا ؛ بل وحتى عند اختلافها فيما بينها على ما هو من بنات منظومتها الرأسمالية الاحتكارية الربوية وما هو دخيل عليها. فكل واحدة من هذه القوى والمؤسسات مولود شرعي لتلك المنظومة الامبريالية ، تخلّقت في رحمها ، وولدت من معاناتها ، وترعرعت في ظلها ، واستقوت تحت رعايتها ، ولسوف تموت وتفنى تحت خيمتها .
( 3 ) كما وليس ثمة أية تعديلات على ثوابت الإستراتيجية الأمريكية . فإستراتيجية الولايات المتحدة الأمريكية ، كانت منذ قيامها دولة ، وستبقى حتى تفتها دويلات ، محتفظة بذات سماتها العامة : إستراتيجية هجومية عدوانية توسعية إرهابية ، تعتمد القوة الغاشمة وسيلة أساسية في تنفيذ خططها وتحقيق مراميها ، عسكرية كانت تلك القوة أم اقتصادية أم ثقافية ، وتتبنى الابتزاز والتسلط والإرهاب أساليب دائمة في التعامل مع الغير ، حليفا لها كان هذا الغير أم ضحية لإطماعها . فجميع أنشطة الدولة الأمريكية في تعاملها مع غيرها من الدول والمؤسسات الدولية ، وفي شتى ميادين التعامل ، قائمة على قاعدة من هذه الثوابت الإستراتيجية ؛ ولن يخفي حقيقة ذلك ، عدم ظهور عناصر القوة العسكرية أو الاقتصادية في تعامل تلك الدولة العدوانية أو في نزاعاتها مع الغير ، إذ كثيرا ما يتم توظيف ماكنتها الإعلامية والدعائية لإرهاب الغير وحمله حملا للرضوخ والانصياع لإرادة الدولة الأمريكية . وهو لاشك عندهم أسلوب اقل تكلفة ماديا ، وأكثر خفاءا ومضاءا في دقة إصاباته ، وأعظم تأثيرا على عقول المتلقين ، وأسهل تقبلا لدى نفوسهم ، حد وصفهم له بـ((القوة الناعمة)) .
على أية حال ، فناعمة كانت عناصر قوتهم التي يرهبون بها الآخرين أم خشنة ، فتوظيفها لا يخرج ، ولا يمكن أن يخرج ، عن ثوابت إستراتيجيتهم سالفة الذكر .
( 4 ) كما وليس ثمة إعادة لترتيب أولويات أهداف خطتهم الإستراتيجية . فبرغم المأزق الخانق الذي أجبرت قطعان المحتلين الأمريكان والقطعان المتحالفة معها من جيوش دول منظومة المعسكر الامبريالي على دخوله في أفغانستان المحتلة ، نتيجة لفشلها المتوالي في مواجهة قوى المقاومة هناك ، وانسحابها مجبرة مدحورة عن اغلب المدن والمقاطعات حتى باتت المقاومة الأفغانية تفرض سيطرتها شبه المطلقة على أكثر من 80% من ارض دولتها ، وهي لما تزل مستمرة في تقدمها الحثيث نحو العاصمة ومدن رئيسية أخرى ، فيما تكيل الضربات المركزة ذات الكفاءة النوعية العالية لقطعان محتلي أرضها والمتعاونين معهم ، حتى ليكاد عويل ساسة وعسكريي الدول المحتلة لأفغانستان وتشكيهم من مأزقهم الخانق هناك يُسمِع الأصم من الناس ، وحتى وصل بهم الهوان والتراجع حد عرضهم – ودون شروط مسبقة- التصالح مع حركة الطالبان ، ذات القوة التي اعتبروها حاضنة للإرهاب العالمي وجيشوا عليها الجيوش واسقطوا نظام حكمها واعتبروها حتى وقت قريب من ألد الأعداء لهم !!.. وسبحان ربنا الأعلى ، مذل المتجبرين . أقول : برغم هذا المأزق الخانق للمحتلين الأمريكان وحلفائهم في أفغانستان والذي يفرض عليهم الزج بمزيد من قطعانهم إلى هناك ، أملا في استعادة سيطرتهم على ما تخلوا عنه مجبرين من الأرض ، أو على الأقل وقف تراجعهم المستمر عن المتبقي تحت سيطرتهم منها ، إلا إن عديد قطعانهم المحتلة لعراقنا العربي يبقى أكثر بكثير من عديد تلك المحتلة لأفغانستان ، وهذا لوحده مؤشر كافٍ على أن لا تغيير في أولويات أهدافهم الإستراتيجية .
( 5 ) لا مجال – إذن – للحديث عن تغيير قائم ، أو تغير مرتقب ، على سياسة إمبراطورية العدوان ، لمجرد إن الحزب الذي اعتلى سدة الحكم فيها قد رفع شعارا يدعو للتغيير . فشعار التغيير ، أو تغيير الشعار ، يستويان مقصدا ، قد يمتد ليتناول كثيرا من مفردات شؤونهم العامة ، إلا أن يمس الأسس والمقومات الفكرية والحركية والأمنية التي تقوم عليها منظومة إمبراطورية العدوان . فالنظم والتشريعات القانونية لتلك الإمبراطورية العدوانية ، وقبل أية قوة سياسية أو مؤسسة حزبية فيها ، هي من ستقطع أيدي ورقاب المتطاولين على دعامات نظمها القانونية والسياسية والاقتصادية ، وأيا كان انتمائهم ، وبغض النظر عن نواياهم الكامنة وراء مطلبهم هذا ، وأهدافهم المتوخاة منه .
( 6 ) ولعل من نافلة القول إن هذا المنحى ليس ميزة خاصة بإمبراطورية العدوان دون سواها من الدول الأخرى ..، فكل دولة في عالمنا المعاصر ، تسن من القوانين والتشريعات ما يردع أية محاولة لتغيير الأسس والمقومات التي تقوم عليها نظمها القانونية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية ، وتجرم كل فعل يرتبط بها ، وتعاقب بأشد العقاب عليها . والنظم القانونية والسياسية في جميع الدول لا تقبل بالتغيير على أي من نظمها السائدة وتشريعاتها النافذة إلا ما يكون منه متوافقا مع ما ترسمه قوانينها وتشريعاتها للتغيير عليها ، وفي إطار الحدود المرسومة له والقيود المفروضة عليه ، فان تجاوز تلك الحدود أو تخطى تلك القيود نهض القانون لردع المتجاوزين والمتخطين ، والاقتصاص منهم بقوة ذات القانون السائد في الدولة . وبدون ذلك ما احتفظت نظم الدول بوجودها ، ولحمل ألينا تغيير وجوه القابضين على السلطة ، تغييرا دائما على النظم السائدة فيها .
( 7 ) غير إن تغيير نظم الدولة ، أية دولة ، القانونية والسياسية لا يتحقق بأي حال من الأحوال إلا عن طريقين لا ثالث لهما : أما ثورة من الداخل ، وإما عدوان من الخارج .
وثورة من الداخل بمعنى حركة تنتمي لذات الشعب ، ومن خارج قوى ومؤسسات الحكم والسلطة القابضة عليه ، تستهدف تغييرا شاملا للنظام القانوني السائد في دولته ، ومن غير الطريق الذي يرسمه ذلك النظام لتغييره . فهي انقلاب عليه وعلى وجوده ، مع إن كلمة الثورة أدق وصفا لفعله ، وابلغ تعبيرا عن ما يتوخاه من غايات . فالانقلاب وان تضمن معنى التغيير ، إلا انه كثيرا ما ارتبط بحركات قلب أنظمة الحكم من قبل مؤسسة الجيش في ذات تلك الأنظمة ، والتي كانت في الغالب أما حركات تسعى للامساك بمقاليد السلطة لمجرد الحكم ، وإما حركات تنشد تغييرا لواقع مجتمعاتها السيئ ودون أن تكون لها رؤية واضحة لما ينهض عليه التغيير المطلوب من عقيدة وحركة . هذا مع ضرورة الإشارة إلى عدم دقة مقولة إن كل حركات التغيير التي تنهض بها مؤسسة الجيش هي من الانقلابات . فالجيش في أي مجتمع ، كان وسيبقى ، مؤسسة دائمة الارتباط بوجود الدولة ذاتها ، دون إن يختص به نظام سياسي ما حاكم للدولة . وحيث أن وجود الدولة واستمرارها غير مرهون ببقاء نظام حكم سياسي ما قابضا على السلطة فيها ، ولا بنوع معين من أنظمة الحكم ، إذ كما يمكن أن يكون نظام الدولة جمهوريا رئاسيا مثلا ، يمكن أن يتغير نظام حكمها إلى ملكي وراثي ، ودون أن يعني هذا التغيير إلغاءا للدولة أو نهاية لوجودها . ولنا في اسبانيا مثلا على ذلك ، حين اختار شعبها تغيير نظام الحكم إلى ملكي بعد إن ساد عليهم ولعهود عدة نظام حكم رئاسي .
( 8 ) أما عن تغيير نظم الدولة القانونية والسياسية بعدوان من خارجها ، فليس أوضح مثالا عليه مما حاق بعراقنا العربي . فمنذ أن اجتاحت قوات الغزو الأمريكي وطننا واخضعته أرضا وشعبا وسيادة ومقدرات وبقوة السلاح لاحتلالها ، أحلت -وبقوة السلاح أيضا- ما جاءت به من نظم قانونية وسياسية واقتصادية محل ما كان سائدا فيه منها . فتغيير نظم الدولة هنا أملته إرادة أخرى غير إرادة أهله ، إرادة المحتلين المعتدين المتسلطين القادمين من وراء الحدود . وفي مثل هذا الواقع يصبح استعادة الوطن من غاصبيه المحتلين ، وتحريره أرضا وشعبا وسيادة ومقدرات ، هو مطلب التغيير الأول لكل القوى الوطنية ، لا يتقدم عليه مطلبا آخر مهما بلغ من الأهمية والشمول . وغاية التغيير المطلوب هنا ليست استبدال ما أحله المحتلون من نظم قانونية وسياسية واقتصادية بسواها مما يرتضيه الشعب فحسب ، وإنما وقبل ذلك إنهاء وجود المحتلين انهاءا مبرما وتصفية كافة أشكال هيمنتهم تصفية نهائية ، ومثل ذلك لا يتحقق إلا بتحرير الأرض من أي وجود فعلي لقطعانهم عليها ، ومن أي تواجد لحلفائهم من الخونة والعملاء .
( 9 ) أما نحن فنرى إن الحديث عن الانسحاب الأمريكي المزعوم سيظل في موقع الصدارة إعلاميا ، ولفترة قادمة من الزمن ، لان الإدارة الجديدة لدولة المحتلين تريد لهذا الحديث إن لا ينقطع . فلقد كان موضوعه من المواضيع الحاضرة عند كثير من سياسي دولة الاحتلال والعديد من دوائر صنع القرار فيها منذ فترة زمن . هذا ما رصده وكتب عنه كثيرون من ذوي الاختصاص والمحللين السياسيين . وكتبنا عنه أيضا منذ عام تقريبا تحت عنوان ((أنهم يمهدون لفرارهم ..)) وقلنا حينذاك : إن ثمة تيارا مفرزا داخل المنظومة السياسية الأمريكية يضم غالبية منظري وساسة الحزب الديمقراطي ومن يتوافقون معهم في الموقف من استمرار الاحتلال الأمريكي لعراقنا العربي وبغض النظر عن ذرائعهم أو الرؤى المحركة لمواقفهم ..، يروج ويدعم بقوة لفكرة تحجيم التواجد العسكري لقواتهم الغازية في عراقنا العربي ، باعتبار ذلك عندهم هو السبيل الأمثل للحد من الخسائر المتفاقمة بين صفوف إفرادها ومعداتها ، وتجاوز الواقع المزري الذي يجدونه يهدد كيان آلتهم العسكرية ، وهو عندهم أيضا الحل الأنجع لوقف تدحرج الاقتصاد الأمريكي نحو هاوية العجز الكامل ، ومنع تداعي كيان الدولة الأمريكية برمتها . ثم أضفنا : ((غير انه من الضروري الانتباه إلى إن هذا التيار إذ يدعو ويروج وبكل ما أوتي من قوة ووسيلة إلى تحجيم عديد القوات الأمريكية المحتلة لعراقنا العربي وتحديد مناطق انتشارها ضمن أدنى حد ممكن ..، فهو يدعم بقوة أيضا الموقف الداعي إلى ضرورة الاحتفاظ بتواجد سياسي وعسكري كافٍ ودائم على ارض الرافدين وبما يضمن للامبريالية الأمريكية التفوق ببسط هيمنتها الكاملة على المشرق العربي وعموم المنطقة المتاخمة له ..، بمعنى إن دعواته التي يروج لها لا تستهدف الانسحاب النهائي من العراق ، وإنما تكتفي بتقليص حجم القطعات ، وتركيز تواجدها في قواعد عسكرية دائمية ، وها هنا يكشف الامبرياليون المستعمرون عن وجه عدوانيتهم المقيتة ، فهم قد يختلفون في الحلول التي يطرحها كل منهم لما تعانيه مؤسستهم العسكرية من إمراض تفتك بكيانها ، وقد يختلفون في الموقف من تأثير حروبهم العدوانية على جاهزية قطعات جيشهم أو كفاءة أدائها أو قدرتها على العدوان مستقبلا ..، ولكنهم يتوافقون على ضرورة إن تبقى لهم السطوة والهيمنة على العالم اجمع . وما ذلك إلا لأنهم جميعا امبرياليين جمهوريين كانوا أم ديمقراطيين ، ولأنهم جميعا مستعمرين محافظين كانوا أم معتدلين )) .
( 10 ) ولقد كان هذا موقفهم المعروف عنهم في وقت يقبض فيه أندادهم من المحافظين الجدد بمقاليد سلطة الحكم والإدارة لدولة المحتلين ..، إما الآن ، وذلك التيار هو من يمسك بتلك المقاليد ، فان ما سبق وأعلنوه موقفا وروجوا له ودعموه بقوة عبر العديد من الدراسات والأبحاث واستطلاعات الرأي والتصريحات ، ثم تبنوه وعدا يتصدر قائمة ما قطعوه لناخبيهم من وعود انتخابية ، ثم كان العامل الحاسم في كسبهم لمعركتهم الانتخابية ..، لا بد وان يكون – وهم في موقعهم الجديد- محورا أساسيا ، إن لم نقل المحور الأساسي ، لتوجهاتهم السياسية ، وأولوية متقدمة ، إن لم نقل أولى ، في خططهم الإستراتيجية . وعليه فقد بات من الأهمية بالنسبة إليهم الإبقاء على ما يتصل به من حديث ، ولزمن قادم على الأقل ، دائم الحضور في واجهة الصدارة الإعلامية ، وساخنا على الدوام فيما تتناقله أجهزة الإعلام ووسائله من إخبار وما تغطيه من متابعات وما تنشره من تحليلات .
( 11 ) ونحن هنا لا نسجل ذلك إقرارا منا بصدق نواياهم فيما سبق لهم وروجوا له موقفا ودعموه بقوة حين كانوا من المتربصين بسلطة الحكم والقرار في دولتهم ، ولا ثقة منا بما وعودوا به ناخبيهم حين زاحموا من كان ممسكا بتلك السلطة الصراع عليها ، ولا تصديقا منا بما أعلنوه هدفا بعد إن صارت تلك السلطة إليهم ..، وإنما لنثبت فقط ما تؤشره توجهاتهم . فالحقيقة الثابتة عندنا إننا لا نصدقهم وان صَدقوا ، ولا نثق بهم وان أوفوا ، وما ينبغي لنا ذلك . فنحن ، وشأننا في هذا شأن كل المتقدمين علينا في العطاء والبذل لعراقنا العربي ، وشأن كل المتوافقين معنا في الرؤية المبدئية والموقف الوطني ، نضع دولة المحتلين سلطة وإدارة ومؤسسات على رأس قائمة أعدائنا ما بقيت لها جيوش تحتل وطننا ، أي جزء من وطننا ، وما دامت ساعية لفرض الوصاية علينا ، وبأي سبيل كان سعيها لذلك . ويستوي عندنا بعد هذا إن يكون الممسكين بمقاليد سلطة الحكم والقرار في تلك الدولة العدوانية من الجمهوريين أم الديمقراطيين ، ومن المحافظين أم المعتدلين ، ومن أية أصول كانوا ، والى أية ديانة أو طائفة ينتمون .
( 12 ) ثم إن ما أعلنه رأس دولة المحتلين ، وبفرض صدق التزامه بما أعلنه ، إذ يتضمن الإبقاء على قرابة خمسين إلفا من قطعان جيوشه الغازية على أرضنا ، فانه يعني ببداهة الاستنتاج المنطقي استمرار احتلاله المباشر لعراقنا العربي . ولن يغير من هذه الحقيقة تحديد مهام تلك القطعان الغازية ((للقيام بعمليات قتالية خاصة)) ، على ما زعمه رأس دولة المحتلين ..، ولا حصر انتشارها ضمن ما اعد خلال سني الاحتلال لتكون قواعد دائمية لها ، على ما ابرمه المحتلون مع عملائهم من اتفاق . فمما لا يختلف عليه كل ذي عقل لبيب أن الاحتلال العسكري المباشر واقع قائم حتما في كل وطن تتواجد جيوش الغزاة عنوة على أرضه ، وهذا بغض النظر عن تعداد تلك الجيوش وعدتها وموقع تواجدها ، إذ يكفي أن تدنس قدم جندي غازٍ بخفيف سلاحه وعدته مترا مربعا من إطراف فيافي ارض الوطن الجرداء ، أو جباله النائية ، أو مياهه البعيدة ، أو ما دون ذلك مساحة ، ليتحقق الاحتلال العسكري المباشر عدوانا على الوطن ، ما بقيت تلك القدم الغازية مستقرة على موضع منه ..، وهذا أيضا دون الالتفات لما يسوقه العدوانيين من ساسة تلك الجيوش الغازية وقادتها من مبررات لعدوانهم ، فليس ثمة ما يبرر العدوان إلا منطق العدوان ذاته . وان مما هو قمين بكل أواب حليم أن يدرك انه كما لا توجد منطقة وسطى بين الجنة والنار ، فلن توجد أبدا مساحة فارغة بين الحرية والعبودية ، إن هو إلا خط فاصل لا تجهل وجوده إلا بصائر عمياء ، ولا تتجاهل وجوده إلا نفوس مردت على الدونية والوضاعة ، فهي منها واليها .
( 13 ) واضح تماما – إذن- ، إن ما أعلنه رأس دولة المحتلين إذ لا يرقى بأي حال من الأحوال لان يمثل توجها جديدا في سياسة دولته العدوانية ، أو تعديلا على ثوابتها الإستراتيجية ، أو إعادة لترتيب أولويات أهدافها ، فهو ليس إلا مناورة تكتيكية بائسة يعول عليها رأس دولة المحتلين ومن يقف وراءه ومعه على سدة الحكم امتصاص نقمة عموم الشعب الأمريكي على سياسة دولتهم إبان فترة حكم سابقيهم من الجمهوريين ، ومحاولة استيعاب الضربات الباسلة لطليعة الشعوب المبتلاة بعدوانيتهم وتداعيات رفض تلك الشعوب القاطع لهم ولسياساتهم ، ومسرحية فاشلة في الإعداد والأداء لتحسين صورة دولتهم العدوانية في العالم ، وحركة مفضوحة لإبعاد الأنظار عن ما يسوقون له من مشاريع وأجندات سياسية وأمنية تستهدف تضييق الخناق على التيار المقاوم لوجودهم في عموم المنطقة العربية تمهيدا لتصفيته .
( 14 ) ومع إننا نؤمن بثبات بان من حق الشعوب ، كل الشعوب ، الاعتزاز بأوطانها ، وان كان من هذه الأوطان ما هو رقعة جرداء من الصحارى ، أو مساحة من الأرض تشكو فقر الموارد وتفتقر بطونها لدفين الثروات ..، إلا أن ما تختزنه ارض العراق العربي من ثروات ، وما يتمتع به موقعه الجغرافي من أهمية ، لاشك يبقيه هدفا متقدما ، هذا إن لم نقل الهدف الأول ، عند المحتلين الأمريكان . فأطماعهم اللانهائية تجد ضالتها في ثروات العراق العربي وخيراته ، وأهدافهم التوسعية تصبح أكثر منالا بتواجدهم الدائم على أرضه ، وهيمنتهم على الشرق والغرب ، وحمايتهم لحليفهم الاستراتيجي : كيان الصهاينة الغاصب لفلسطين العربية ولسائر حلفائهم وخدمهم في المنطقة العربية وما جاورها تكون اقدر فعالية بسيطرتهم المباشرة عليه . فالعراق العربي بالنسبة للمحتلين الأمريكان هو البوابة التي تبقيهم متربعين على عرش السيادة على العالم اجمع لقرن قادم من الزمان على اقل تقدير . وهذه حقيقة يدركونها هم أكثر من سواهم ، ولأجلها فقط تجشموا عناء الحرب على العراق العربي ، وتحملوا ، وما زالوا يتحملون ، المهول من الخسائر . لذلك سيبقى يقينا مستقرا عندنا ، وعند كل الوطنيين العراقيين ، بان المحتلين الأمريكان لن يخرجوا من عراقنا العربي طواعية ، ولن يسحبوا كامل قطعانهم منه بمحض إرادتهم ، ولا بأماني من جاؤوا بهم ونصبوهم حكومة لهم ، ولا بتمنيات من ركبوا موجتهم فانخرطوا طائعين أو مكرهين في ((عمليتهم السياسية)) ، ولا حتى بتوسلات المتوسلين بهم ، سواء كانوا من الفرس الطامعين بالحلول محلهم محتلين لعراقنا العربي ، أو كانوا من الأعراب المتوجسين خيفة منهم على عروشهم . إذ الاحتلال الأمريكي ، وشأنه في هذا شأن كل احتلال غاشم ، لن ينسحب من أرضنا إلا مدحورا مهزوما . فهزيمته وجودا ومشاريع وعملاء هي السبيل الوحيد لتحرير عراقنا العربي من رجسه ودنسه . وهي بعد هذا مهمة طليعة شعبنا : مقاومتنا الظافرة ، وليس لسواها كائن من كان مقدرة تحمل هذه المسؤولية التاريخية ، ولا شرف حملها ، فهي وحدها الممثل الشرعي والوحيد لعراقنا الحر اليعربي . وغدا ، أو بعد غدٍ سترفرف رايات الحرية في سماء بغداد العروبة ، هذا وعد كل المؤمنين بحرية العراق وعروبته ، ويومئذٍ يفرح المؤمنون بنصر الله ، إلا إن نصر الله قريب .
العراق المحتل في 30/3/2009

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق