الاثنين، 30 مارس 2009

الاحتلال الامريكي .. هزيمة أم أنسحاب ؟

مع دخول الاحتلال الأمريكي الغاشم لعراقنا العربي عامه السابع ، ينفرد الرافضون له
المقاومين لوجوده المناهضين لاستمراره بصحة موقفهم منه وبدقة حساباتهم معه . وإذ
يسجل ذلك امتيازا لهم ، فأنه يبقيهم لوحدهم القوة المؤهلة موضوعيا لتحرير العـــــراق
واستعادة هويته العربية .

( 1 ) لم يزل الحديث حول ما أعلنه مؤخرا رأس دولة المحتلين عن جدولة سريعة لسحب ما يقارب ثلثي قطعان جيوشه المحتلة لعراقنا العربي في فترة أقصاها نهاية شهر آب/ 2010 ..، لم يزل يحتل موقعا على واجهة الكثير مما تنشره وتبثه مختلف أجهزة الإعلام ووسائله مرئية كانت أم مسموعة أم مقروءة . وما يتناقل من حديث حول هذا الموضوع لم يقتصر على ذلك الإعلان وما تبعه من تصريحات وتداعيات إخبارية ، وإنما يشمل أيضا سيلا من التحليلات ووجهات النظر المتوافقة حينا ، المختلفة أحيانا أخرى ، عن الأسباب الكامنة وراءه ، ونتائجه المحتملة على شتى الميادين والمستويات .
( 2 ) ونحسب إن هذا الحديث سيظل في موقع الصدارة إعلاميا ، ولفترة قادمة من الزمن ..، وما ذلك لأن ما أعلنه رأس دولة المحتلين يعكس توجها جديدا لسياستها تجاه عراقنا العربي ، كما ذهب إلى ذلك بعض محللي شؤون السياسة والمهتمين بها . ولا لأنه يتبنى تعديلا على ثوابتها الإستراتيجية ، كما ذهب إليه آخرين منهم . ولا حتى إعادة لترتيب أولويات أهدافها لما تبقى من هذا العقد وشيء من العقد القادم ، على ما ذهب إليه غيرهم . فحقيقة الأمر ، إن ليس ثمة أية تغيرات على سياسة دولة المحتلين تجاه عراقنا العربي ولا تجاه أي من دول العالم الأخرى . فقاعدة فرض التبعية الكاملة على مختلف شعوب العالم ودوله ، سواء تم ذلك من خلال السيطرة غير المباشرة عليها سياسيا واقتصاديا وامنيا وحتى ثقافيا ، أو بالسيطرة المباشرة من خلال الاحتلال العسكري لها ، وبما يؤمن لدولة المحتلين قائدة المعسكر الامبريالي وإمبراطورية العدوان في عالمنا المعاصر تحقيق أطماعها التوسعية وضمان هيمنتها غير المحدودة على مصائر الشعوب ومقدراتها ..، إن هذه القاعدة ، كانت وستبقى ، هي الركيزة الأساسية لسياسة إمبراطورية العدوان ، وهي أيضا الأرضية التي تقوم عليها جميع نظمها القانونية والسياسية والاقتصادية والمؤسساتية ؛ وبالتالي فان تعدد قوى السياسة ومؤسساتها في تلك الدولة العدوانية وتباين طروحاتها العملية إذ يؤشر مواقف متباينة لها وحلول مختلفة تتبناها مما يفرزه واقع دولتهم من مشكلات وعلى مختلف الأصعدة والمستويات ، فانه لا يشكل ، ولا يمكن أن يشكل ، مدخلا لتجاوز أيا من تلك القوى والمؤسسات القاعدة التي اشرنا إليها ؛ وذلك بحكم إنها جميعا تنتظم داخل منظومة دولتها الرأسمالية الاحتكارية الربوية ، وتحتكم لها وللنظم السائدة فيها سواء في فهمها لما يواجه دولتها من مشكلات ، أو في ما تقدمه لتلك المشكلات من حلول ، أو في تنفيذها لتلك الحلول واقعيا ؛ بل وحتى عند اختلافها فيما بينها على ما هو من بنات منظومتها الرأسمالية الاحتكارية الربوية وما هو دخيل عليها. فكل واحدة من هذه القوى والمؤسسات مولود شرعي لتلك المنظومة الامبريالية ، تخلّقت في رحمها ، وولدت من معاناتها ، وترعرعت في ظلها ، واستقوت تحت رعايتها ، ولسوف تموت وتفنى تحت خيمتها .
( 3 ) كما وليس ثمة أية تعديلات على ثوابت الإستراتيجية الأمريكية . فإستراتيجية الولايات المتحدة الأمريكية ، كانت منذ قيامها دولة ، وستبقى حتى تفتها دويلات ، محتفظة بذات سماتها العامة : إستراتيجية هجومية عدوانية توسعية إرهابية ، تعتمد القوة الغاشمة وسيلة أساسية في تنفيذ خططها وتحقيق مراميها ، عسكرية كانت تلك القوة أم اقتصادية أم ثقافية ، وتتبنى الابتزاز والتسلط والإرهاب أساليب دائمة في التعامل مع الغير ، حليفا لها كان هذا الغير أم ضحية لإطماعها . فجميع أنشطة الدولة الأمريكية في تعاملها مع غيرها من الدول والمؤسسات الدولية ، وفي شتى ميادين التعامل ، قائمة على قاعدة من هذه الثوابت الإستراتيجية ؛ ولن يخفي حقيقة ذلك ، عدم ظهور عناصر القوة العسكرية أو الاقتصادية في تعامل تلك الدولة العدوانية أو في نزاعاتها مع الغير ، إذ كثيرا ما يتم توظيف ماكنتها الإعلامية والدعائية لإرهاب الغير وحمله حملا للرضوخ والانصياع لإرادة الدولة الأمريكية . وهو لاشك عندهم أسلوب اقل تكلفة ماديا ، وأكثر خفاءا ومضاءا في دقة إصاباته ، وأعظم تأثيرا على عقول المتلقين ، وأسهل تقبلا لدى نفوسهم ، حد وصفهم له بـ((القوة الناعمة)) .
على أية حال ، فناعمة كانت عناصر قوتهم التي يرهبون بها الآخرين أم خشنة ، فتوظيفها لا يخرج ، ولا يمكن أن يخرج ، عن ثوابت إستراتيجيتهم سالفة الذكر .
( 4 ) كما وليس ثمة إعادة لترتيب أولويات أهداف خطتهم الإستراتيجية . فبرغم المأزق الخانق الذي أجبرت قطعان المحتلين الأمريكان والقطعان المتحالفة معها من جيوش دول منظومة المعسكر الامبريالي على دخوله في أفغانستان المحتلة ، نتيجة لفشلها المتوالي في مواجهة قوى المقاومة هناك ، وانسحابها مجبرة مدحورة عن اغلب المدن والمقاطعات حتى باتت المقاومة الأفغانية تفرض سيطرتها شبه المطلقة على أكثر من 80% من ارض دولتها ، وهي لما تزل مستمرة في تقدمها الحثيث نحو العاصمة ومدن رئيسية أخرى ، فيما تكيل الضربات المركزة ذات الكفاءة النوعية العالية لقطعان محتلي أرضها والمتعاونين معهم ، حتى ليكاد عويل ساسة وعسكريي الدول المحتلة لأفغانستان وتشكيهم من مأزقهم الخانق هناك يُسمِع الأصم من الناس ، وحتى وصل بهم الهوان والتراجع حد عرضهم – ودون شروط مسبقة- التصالح مع حركة الطالبان ، ذات القوة التي اعتبروها حاضنة للإرهاب العالمي وجيشوا عليها الجيوش واسقطوا نظام حكمها واعتبروها حتى وقت قريب من ألد الأعداء لهم !!.. وسبحان ربنا الأعلى ، مذل المتجبرين . أقول : برغم هذا المأزق الخانق للمحتلين الأمريكان وحلفائهم في أفغانستان والذي يفرض عليهم الزج بمزيد من قطعانهم إلى هناك ، أملا في استعادة سيطرتهم على ما تخلوا عنه مجبرين من الأرض ، أو على الأقل وقف تراجعهم المستمر عن المتبقي تحت سيطرتهم منها ، إلا إن عديد قطعانهم المحتلة لعراقنا العربي يبقى أكثر بكثير من عديد تلك المحتلة لأفغانستان ، وهذا لوحده مؤشر كافٍ على أن لا تغيير في أولويات أهدافهم الإستراتيجية .
( 5 ) لا مجال – إذن – للحديث عن تغيير قائم ، أو تغير مرتقب ، على سياسة إمبراطورية العدوان ، لمجرد إن الحزب الذي اعتلى سدة الحكم فيها قد رفع شعارا يدعو للتغيير . فشعار التغيير ، أو تغيير الشعار ، يستويان مقصدا ، قد يمتد ليتناول كثيرا من مفردات شؤونهم العامة ، إلا أن يمس الأسس والمقومات الفكرية والحركية والأمنية التي تقوم عليها منظومة إمبراطورية العدوان . فالنظم والتشريعات القانونية لتلك الإمبراطورية العدوانية ، وقبل أية قوة سياسية أو مؤسسة حزبية فيها ، هي من ستقطع أيدي ورقاب المتطاولين على دعامات نظمها القانونية والسياسية والاقتصادية ، وأيا كان انتمائهم ، وبغض النظر عن نواياهم الكامنة وراء مطلبهم هذا ، وأهدافهم المتوخاة منه .
( 6 ) ولعل من نافلة القول إن هذا المنحى ليس ميزة خاصة بإمبراطورية العدوان دون سواها من الدول الأخرى ..، فكل دولة في عالمنا المعاصر ، تسن من القوانين والتشريعات ما يردع أية محاولة لتغيير الأسس والمقومات التي تقوم عليها نظمها القانونية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية ، وتجرم كل فعل يرتبط بها ، وتعاقب بأشد العقاب عليها . والنظم القانونية والسياسية في جميع الدول لا تقبل بالتغيير على أي من نظمها السائدة وتشريعاتها النافذة إلا ما يكون منه متوافقا مع ما ترسمه قوانينها وتشريعاتها للتغيير عليها ، وفي إطار الحدود المرسومة له والقيود المفروضة عليه ، فان تجاوز تلك الحدود أو تخطى تلك القيود نهض القانون لردع المتجاوزين والمتخطين ، والاقتصاص منهم بقوة ذات القانون السائد في الدولة . وبدون ذلك ما احتفظت نظم الدول بوجودها ، ولحمل ألينا تغيير وجوه القابضين على السلطة ، تغييرا دائما على النظم السائدة فيها .
( 7 ) غير إن تغيير نظم الدولة ، أية دولة ، القانونية والسياسية لا يتحقق بأي حال من الأحوال إلا عن طريقين لا ثالث لهما : أما ثورة من الداخل ، وإما عدوان من الخارج .
وثورة من الداخل بمعنى حركة تنتمي لذات الشعب ، ومن خارج قوى ومؤسسات الحكم والسلطة القابضة عليه ، تستهدف تغييرا شاملا للنظام القانوني السائد في دولته ، ومن غير الطريق الذي يرسمه ذلك النظام لتغييره . فهي انقلاب عليه وعلى وجوده ، مع إن كلمة الثورة أدق وصفا لفعله ، وابلغ تعبيرا عن ما يتوخاه من غايات . فالانقلاب وان تضمن معنى التغيير ، إلا انه كثيرا ما ارتبط بحركات قلب أنظمة الحكم من قبل مؤسسة الجيش في ذات تلك الأنظمة ، والتي كانت في الغالب أما حركات تسعى للامساك بمقاليد السلطة لمجرد الحكم ، وإما حركات تنشد تغييرا لواقع مجتمعاتها السيئ ودون أن تكون لها رؤية واضحة لما ينهض عليه التغيير المطلوب من عقيدة وحركة . هذا مع ضرورة الإشارة إلى عدم دقة مقولة إن كل حركات التغيير التي تنهض بها مؤسسة الجيش هي من الانقلابات . فالجيش في أي مجتمع ، كان وسيبقى ، مؤسسة دائمة الارتباط بوجود الدولة ذاتها ، دون إن يختص به نظام سياسي ما حاكم للدولة . وحيث أن وجود الدولة واستمرارها غير مرهون ببقاء نظام حكم سياسي ما قابضا على السلطة فيها ، ولا بنوع معين من أنظمة الحكم ، إذ كما يمكن أن يكون نظام الدولة جمهوريا رئاسيا مثلا ، يمكن أن يتغير نظام حكمها إلى ملكي وراثي ، ودون أن يعني هذا التغيير إلغاءا للدولة أو نهاية لوجودها . ولنا في اسبانيا مثلا على ذلك ، حين اختار شعبها تغيير نظام الحكم إلى ملكي بعد إن ساد عليهم ولعهود عدة نظام حكم رئاسي .
( 8 ) أما عن تغيير نظم الدولة القانونية والسياسية بعدوان من خارجها ، فليس أوضح مثالا عليه مما حاق بعراقنا العربي . فمنذ أن اجتاحت قوات الغزو الأمريكي وطننا واخضعته أرضا وشعبا وسيادة ومقدرات وبقوة السلاح لاحتلالها ، أحلت -وبقوة السلاح أيضا- ما جاءت به من نظم قانونية وسياسية واقتصادية محل ما كان سائدا فيه منها . فتغيير نظم الدولة هنا أملته إرادة أخرى غير إرادة أهله ، إرادة المحتلين المعتدين المتسلطين القادمين من وراء الحدود . وفي مثل هذا الواقع يصبح استعادة الوطن من غاصبيه المحتلين ، وتحريره أرضا وشعبا وسيادة ومقدرات ، هو مطلب التغيير الأول لكل القوى الوطنية ، لا يتقدم عليه مطلبا آخر مهما بلغ من الأهمية والشمول . وغاية التغيير المطلوب هنا ليست استبدال ما أحله المحتلون من نظم قانونية وسياسية واقتصادية بسواها مما يرتضيه الشعب فحسب ، وإنما وقبل ذلك إنهاء وجود المحتلين انهاءا مبرما وتصفية كافة أشكال هيمنتهم تصفية نهائية ، ومثل ذلك لا يتحقق إلا بتحرير الأرض من أي وجود فعلي لقطعانهم عليها ، ومن أي تواجد لحلفائهم من الخونة والعملاء .
( 9 ) أما نحن فنرى إن الحديث عن الانسحاب الأمريكي المزعوم سيظل في موقع الصدارة إعلاميا ، ولفترة قادمة من الزمن ، لان الإدارة الجديدة لدولة المحتلين تريد لهذا الحديث إن لا ينقطع . فلقد كان موضوعه من المواضيع الحاضرة عند كثير من سياسي دولة الاحتلال والعديد من دوائر صنع القرار فيها منذ فترة زمن . هذا ما رصده وكتب عنه كثيرون من ذوي الاختصاص والمحللين السياسيين . وكتبنا عنه أيضا منذ عام تقريبا تحت عنوان ((أنهم يمهدون لفرارهم ..)) وقلنا حينذاك : إن ثمة تيارا مفرزا داخل المنظومة السياسية الأمريكية يضم غالبية منظري وساسة الحزب الديمقراطي ومن يتوافقون معهم في الموقف من استمرار الاحتلال الأمريكي لعراقنا العربي وبغض النظر عن ذرائعهم أو الرؤى المحركة لمواقفهم ..، يروج ويدعم بقوة لفكرة تحجيم التواجد العسكري لقواتهم الغازية في عراقنا العربي ، باعتبار ذلك عندهم هو السبيل الأمثل للحد من الخسائر المتفاقمة بين صفوف إفرادها ومعداتها ، وتجاوز الواقع المزري الذي يجدونه يهدد كيان آلتهم العسكرية ، وهو عندهم أيضا الحل الأنجع لوقف تدحرج الاقتصاد الأمريكي نحو هاوية العجز الكامل ، ومنع تداعي كيان الدولة الأمريكية برمتها . ثم أضفنا : ((غير انه من الضروري الانتباه إلى إن هذا التيار إذ يدعو ويروج وبكل ما أوتي من قوة ووسيلة إلى تحجيم عديد القوات الأمريكية المحتلة لعراقنا العربي وتحديد مناطق انتشارها ضمن أدنى حد ممكن ..، فهو يدعم بقوة أيضا الموقف الداعي إلى ضرورة الاحتفاظ بتواجد سياسي وعسكري كافٍ ودائم على ارض الرافدين وبما يضمن للامبريالية الأمريكية التفوق ببسط هيمنتها الكاملة على المشرق العربي وعموم المنطقة المتاخمة له ..، بمعنى إن دعواته التي يروج لها لا تستهدف الانسحاب النهائي من العراق ، وإنما تكتفي بتقليص حجم القطعات ، وتركيز تواجدها في قواعد عسكرية دائمية ، وها هنا يكشف الامبرياليون المستعمرون عن وجه عدوانيتهم المقيتة ، فهم قد يختلفون في الحلول التي يطرحها كل منهم لما تعانيه مؤسستهم العسكرية من إمراض تفتك بكيانها ، وقد يختلفون في الموقف من تأثير حروبهم العدوانية على جاهزية قطعات جيشهم أو كفاءة أدائها أو قدرتها على العدوان مستقبلا ..، ولكنهم يتوافقون على ضرورة إن تبقى لهم السطوة والهيمنة على العالم اجمع . وما ذلك إلا لأنهم جميعا امبرياليين جمهوريين كانوا أم ديمقراطيين ، ولأنهم جميعا مستعمرين محافظين كانوا أم معتدلين )) .
( 10 ) ولقد كان هذا موقفهم المعروف عنهم في وقت يقبض فيه أندادهم من المحافظين الجدد بمقاليد سلطة الحكم والإدارة لدولة المحتلين ..، إما الآن ، وذلك التيار هو من يمسك بتلك المقاليد ، فان ما سبق وأعلنوه موقفا وروجوا له ودعموه بقوة عبر العديد من الدراسات والأبحاث واستطلاعات الرأي والتصريحات ، ثم تبنوه وعدا يتصدر قائمة ما قطعوه لناخبيهم من وعود انتخابية ، ثم كان العامل الحاسم في كسبهم لمعركتهم الانتخابية ..، لا بد وان يكون – وهم في موقعهم الجديد- محورا أساسيا ، إن لم نقل المحور الأساسي ، لتوجهاتهم السياسية ، وأولوية متقدمة ، إن لم نقل أولى ، في خططهم الإستراتيجية . وعليه فقد بات من الأهمية بالنسبة إليهم الإبقاء على ما يتصل به من حديث ، ولزمن قادم على الأقل ، دائم الحضور في واجهة الصدارة الإعلامية ، وساخنا على الدوام فيما تتناقله أجهزة الإعلام ووسائله من إخبار وما تغطيه من متابعات وما تنشره من تحليلات .
( 11 ) ونحن هنا لا نسجل ذلك إقرارا منا بصدق نواياهم فيما سبق لهم وروجوا له موقفا ودعموه بقوة حين كانوا من المتربصين بسلطة الحكم والقرار في دولتهم ، ولا ثقة منا بما وعودوا به ناخبيهم حين زاحموا من كان ممسكا بتلك السلطة الصراع عليها ، ولا تصديقا منا بما أعلنوه هدفا بعد إن صارت تلك السلطة إليهم ..، وإنما لنثبت فقط ما تؤشره توجهاتهم . فالحقيقة الثابتة عندنا إننا لا نصدقهم وان صَدقوا ، ولا نثق بهم وان أوفوا ، وما ينبغي لنا ذلك . فنحن ، وشأننا في هذا شأن كل المتقدمين علينا في العطاء والبذل لعراقنا العربي ، وشأن كل المتوافقين معنا في الرؤية المبدئية والموقف الوطني ، نضع دولة المحتلين سلطة وإدارة ومؤسسات على رأس قائمة أعدائنا ما بقيت لها جيوش تحتل وطننا ، أي جزء من وطننا ، وما دامت ساعية لفرض الوصاية علينا ، وبأي سبيل كان سعيها لذلك . ويستوي عندنا بعد هذا إن يكون الممسكين بمقاليد سلطة الحكم والقرار في تلك الدولة العدوانية من الجمهوريين أم الديمقراطيين ، ومن المحافظين أم المعتدلين ، ومن أية أصول كانوا ، والى أية ديانة أو طائفة ينتمون .
( 12 ) ثم إن ما أعلنه رأس دولة المحتلين ، وبفرض صدق التزامه بما أعلنه ، إذ يتضمن الإبقاء على قرابة خمسين إلفا من قطعان جيوشه الغازية على أرضنا ، فانه يعني ببداهة الاستنتاج المنطقي استمرار احتلاله المباشر لعراقنا العربي . ولن يغير من هذه الحقيقة تحديد مهام تلك القطعان الغازية ((للقيام بعمليات قتالية خاصة)) ، على ما زعمه رأس دولة المحتلين ..، ولا حصر انتشارها ضمن ما اعد خلال سني الاحتلال لتكون قواعد دائمية لها ، على ما ابرمه المحتلون مع عملائهم من اتفاق . فمما لا يختلف عليه كل ذي عقل لبيب أن الاحتلال العسكري المباشر واقع قائم حتما في كل وطن تتواجد جيوش الغزاة عنوة على أرضه ، وهذا بغض النظر عن تعداد تلك الجيوش وعدتها وموقع تواجدها ، إذ يكفي أن تدنس قدم جندي غازٍ بخفيف سلاحه وعدته مترا مربعا من إطراف فيافي ارض الوطن الجرداء ، أو جباله النائية ، أو مياهه البعيدة ، أو ما دون ذلك مساحة ، ليتحقق الاحتلال العسكري المباشر عدوانا على الوطن ، ما بقيت تلك القدم الغازية مستقرة على موضع منه ..، وهذا أيضا دون الالتفات لما يسوقه العدوانيين من ساسة تلك الجيوش الغازية وقادتها من مبررات لعدوانهم ، فليس ثمة ما يبرر العدوان إلا منطق العدوان ذاته . وان مما هو قمين بكل أواب حليم أن يدرك انه كما لا توجد منطقة وسطى بين الجنة والنار ، فلن توجد أبدا مساحة فارغة بين الحرية والعبودية ، إن هو إلا خط فاصل لا تجهل وجوده إلا بصائر عمياء ، ولا تتجاهل وجوده إلا نفوس مردت على الدونية والوضاعة ، فهي منها واليها .
( 13 ) واضح تماما – إذن- ، إن ما أعلنه رأس دولة المحتلين إذ لا يرقى بأي حال من الأحوال لان يمثل توجها جديدا في سياسة دولته العدوانية ، أو تعديلا على ثوابتها الإستراتيجية ، أو إعادة لترتيب أولويات أهدافها ، فهو ليس إلا مناورة تكتيكية بائسة يعول عليها رأس دولة المحتلين ومن يقف وراءه ومعه على سدة الحكم امتصاص نقمة عموم الشعب الأمريكي على سياسة دولتهم إبان فترة حكم سابقيهم من الجمهوريين ، ومحاولة استيعاب الضربات الباسلة لطليعة الشعوب المبتلاة بعدوانيتهم وتداعيات رفض تلك الشعوب القاطع لهم ولسياساتهم ، ومسرحية فاشلة في الإعداد والأداء لتحسين صورة دولتهم العدوانية في العالم ، وحركة مفضوحة لإبعاد الأنظار عن ما يسوقون له من مشاريع وأجندات سياسية وأمنية تستهدف تضييق الخناق على التيار المقاوم لوجودهم في عموم المنطقة العربية تمهيدا لتصفيته .
( 14 ) ومع إننا نؤمن بثبات بان من حق الشعوب ، كل الشعوب ، الاعتزاز بأوطانها ، وان كان من هذه الأوطان ما هو رقعة جرداء من الصحارى ، أو مساحة من الأرض تشكو فقر الموارد وتفتقر بطونها لدفين الثروات ..، إلا أن ما تختزنه ارض العراق العربي من ثروات ، وما يتمتع به موقعه الجغرافي من أهمية ، لاشك يبقيه هدفا متقدما ، هذا إن لم نقل الهدف الأول ، عند المحتلين الأمريكان . فأطماعهم اللانهائية تجد ضالتها في ثروات العراق العربي وخيراته ، وأهدافهم التوسعية تصبح أكثر منالا بتواجدهم الدائم على أرضه ، وهيمنتهم على الشرق والغرب ، وحمايتهم لحليفهم الاستراتيجي : كيان الصهاينة الغاصب لفلسطين العربية ولسائر حلفائهم وخدمهم في المنطقة العربية وما جاورها تكون اقدر فعالية بسيطرتهم المباشرة عليه . فالعراق العربي بالنسبة للمحتلين الأمريكان هو البوابة التي تبقيهم متربعين على عرش السيادة على العالم اجمع لقرن قادم من الزمان على اقل تقدير . وهذه حقيقة يدركونها هم أكثر من سواهم ، ولأجلها فقط تجشموا عناء الحرب على العراق العربي ، وتحملوا ، وما زالوا يتحملون ، المهول من الخسائر . لذلك سيبقى يقينا مستقرا عندنا ، وعند كل الوطنيين العراقيين ، بان المحتلين الأمريكان لن يخرجوا من عراقنا العربي طواعية ، ولن يسحبوا كامل قطعانهم منه بمحض إرادتهم ، ولا بأماني من جاؤوا بهم ونصبوهم حكومة لهم ، ولا بتمنيات من ركبوا موجتهم فانخرطوا طائعين أو مكرهين في ((عمليتهم السياسية)) ، ولا حتى بتوسلات المتوسلين بهم ، سواء كانوا من الفرس الطامعين بالحلول محلهم محتلين لعراقنا العربي ، أو كانوا من الأعراب المتوجسين خيفة منهم على عروشهم . إذ الاحتلال الأمريكي ، وشأنه في هذا شأن كل احتلال غاشم ، لن ينسحب من أرضنا إلا مدحورا مهزوما . فهزيمته وجودا ومشاريع وعملاء هي السبيل الوحيد لتحرير عراقنا العربي من رجسه ودنسه . وهي بعد هذا مهمة طليعة شعبنا : مقاومتنا الظافرة ، وليس لسواها كائن من كان مقدرة تحمل هذه المسؤولية التاريخية ، ولا شرف حملها ، فهي وحدها الممثل الشرعي والوحيد لعراقنا الحر اليعربي . وغدا ، أو بعد غدٍ سترفرف رايات الحرية في سماء بغداد العروبة ، هذا وعد كل المؤمنين بحرية العراق وعروبته ، ويومئذٍ يفرح المؤمنون بنصر الله ، إلا إن نصر الله قريب .

العراق المحتل في 30/3/2009


الخميس، 26 مارس 2009

ليس كل حيوان ناطق .. انسانا

(كتابات من وحي بطولة الصحفي منتظر الزيدي)

قيل إن الإنسان حيوان ناطق .. ربما .. إلا إن ما هو مؤكد أن ليس كل حيوان ناطق إنسانا . فهناك كثير ممن يتشبهون نطقا وهيئة بالإنسان ، ومع هذا فهم إلى مملكة الحيوان اقرب منهم إلى سلالات بني الإنسان . فالنطق لوحده ليس كافيا ليكون المخلوق أنسانا ..، إذ كل نطق يخرج عن إطار المفهوم لفظا ومعنى ، وبما يتوافق مع منطق الأشياء ، لا يدخل ضمن دائرة ما ينطق به بني البشر وان جاء من حيوان ناطق . كما إن الهيئة لوحدها ليست مميزا للمخلوق ليستوي إنسانا ..، فلا يمكن أن يدخل في عداد البشر كل مخلوق منتصب على قائمتين ..، فثمة كثير من الحيوانات غير الناطقة ما ينتصب منها على قائمتيه وقوفا أو مشيا أو جريا ، ومع هذا يظل حيوانا وان كان ناطقا منتصبا على قائمتيه .
ولعل من اقرب الحاضرين ذكرا ، وأولهم ترتيبا في قائمة المتشبهين نطقا وهيئة بالإنسان هم أولئك الساديين من منتهكي كرامة بني الإنسان فرادى وجماعات ، المشتهين دائما للتنكيل بهم وتعذيبهم ، المنتشين أبدا بامتصاص دمائهم وإزهاق أرواحهم ، المعتدين بكل أسلوب على حريتهم ، المتطاولين بمختلف السبل على وجودهم ، الساعين بكل وسيلة لفرض الوصاية والهيمنة عليهم واستعبادهم ، الطامعين بما في أيديهم وتحت أقدامهم ، الناهبين بشتى فنون الاحتيال لخيراتهم ..
ومثل أولئك ، وعلى مدى تاريخ البشرية ، ما اختص بهم مكان بعينه ، ولا اندسوا على سلالة بعينها ، وما كانوا مصبوغين بلون معين ، وما هم ممن ينطقون بلغة محددة ، ولا هم ممن يزعمون الانتماء إلى دين بعينه ..، غير إن ما وحد صفهم ، وضم جمعهم ، وألَفَ بينهم ، وان تعددت أسمائهم واختلفت مسمياتهم على مدى العصور ، أنهم كانوا جميعا ، وسيبقون كذلك حتى يرث الله الأرض ومن عليها ، عدوانيّي الطبع ، حيوانيّي الطبيعة ، محترفين للإجرام ضد البشرية جمعاء ، ممتهنين للعدوان بحق عباد الله الآمنين ، متفننين في إيذاء خلقه أجمعين ..، فهم الغزاة ، وهم المستعمرون ، امبرياليين كانوا أم فاشيين أم نازيين أم صهاينة أم بأي اسم آخر كانوا يتسمون . فجميع أولئك وان تشبهوا بالبشر نطقا وهيئة ، إلا أنهم ينتمون إلى غير البشرية التي ننتمي إليها ونعرفها ، وان كانوا من الناطقين المنتصبين على قائمتين .
ثم أن مما يلي السابق ذكرهم ترتيبا في قائمة المتشبهين نطقا وهيئة بالإنسان أولئك الأفاقون الضالون المظلون من خونة أوطان آوتهم ، الغادرين بشعوب احتضنتهم ، سليلي اللؤم والنفاق ، نافثي الأحقاد ومثيري الفتن ، نبع الحرام ونبته ، المتوسلين بالعمالة دينا ومعتقدا ، المتوسمين بكل أجنبي محتل غاصب أو مندس مخرب ، المستقتلين على فتات السحت الحرام ، ممتهني الخيانة ، وعاظ الشياطين ، وشياطين الوعظ والفتوى ..
ومَثَلُ أولئك في يومنا هذا زمرة من خونة عراق العروبة ، عملاء محتليه ومطاياه ، الراقصين على كل حباله ، المطبلين المهللين له ، المسبحين بعدوانيته مهما تبدلت الأحوال . فهم ، بحكم نشأتهم ، لا يستهويهم إلا الانبطاح لكل معتد أثيم . وهم ، بحكم طبيعتهم ، لا يستطيبون إلا خبائث الرجس مع كل أعجمي دخيل . وهم ، بحكم طبعهم ، لا يتلذذون إلا بالدنيء من التصرف والمنحط من السلوك . إنهم الزاعمين بهتانا اقتفائهم سنة نبينا المصطفى r ، والمنتحلين زورا الانتساب إلى آل بيته الأطهار أو إلى شيعتهم الأخيار ، والمروجين كذبا تمثيلهم لكرد العراق أشقاءنا في الوطن وجودا ومصيرا ، والمدعين دجلا من اجل العراق وشعبه ..، فجميعهم وان تشبهوا بالعراقيين نطقا وهيئة ، إلا أنهم خنجر الشر والغدر الذي يدمي العراق ، فهم له من ألد الخصام ، وان كانوا بلهجة أهله من الناطقين .
وبالأمس القريب طلع علينا احد دهاقنتهم الأوباش ، رأس حكومة سائسيهم المحتلين ، بفرية مفادها : أن ما قام به ليث العراق وابنه البار الصحفي الهمام منتظر الزيدي ((لم يلق احتراما من جانب الشعب العراقي)) !.. ولو إنا سحبنا ذلك القزم العميل من لسانه الذي لا يقيح إلا لؤما وحقدا على العراق العربي وأهله ، فيما لا يكف عن تمجيد سائسيه المحتلين وسادته الفرس الصفويين ..، لو سحبناه من طرف ذاك اللسان المشطور كالسنة الأفاعي ، إلى شوارع بغداد العروبة وكل مدن العراق ، ثم طلبنا منه أن يدلنا على عراقي واحد ، نقول عراقي واحد ولم نقل شعبنا بأكمله ، يؤيده فيما استفرغه تصريحا من عصارة عقله المريض ، فهل تراه سيفلح ؟ .. قطعا لا . وهذه الـ(( لا )) تأتي حصرا على العراقيين المؤمنين بعروبة وطنهم ووحدته وحريته ، فما دونهم ليسوا عندنا من العراقيين وان زودتهم حكومة ذلك القزم العميل ، أو ما قبلها من صنائع المحتل الغاشم ، بمزيف الأوراق الزاعمة انتماءا لعراق العروبة .
ولان الوضيع دوني الطباع ، مُرِدَ أبدا على الوضاعة والدونية ، فقد زعم ذلك القزم الدوني الوضيع : ((إن الحظ حالف منتظر الزيدي بحصوله على عقوبة بالسجن لثلاثة أعوام فقط ، حيث إنه كان يمكن أن تطبق عليه عقوبة سجن لمدة أطول أو حتى الإعدام)) !.. ولو إنا تجاوزنا عن ما في قيح ذلك القزم الذليل من مكابرة وعنجهية ، وذلك باعتبار لو إن كل عميل عوى ألقمناه حجرا ، فلن يتبقى لنا من حجر نلقمه لسائسيه المحتلين ..، ثم طرحنا السؤال : هل إن ذلك الجُرذ كبير صولة الجرذان ، الخَرِف ((قائد)) زئير الخرفان ، المأفون صاحب ((دولة القانون)) ، كان يريد لبطلنا المغوار منتظر الزيدي سجنا لمدة أطول أو الإعدام تشفيا منه وغلا عليه لفعله البطولي الخالد حين صال بنعليه على رأس دولة المحتلين وكبير سائسي ذلك القزم الذليل ؟ .. أم انه كان يريد ذلك إمعانا منه في التزلف لسائسيه المحتلين ، والتمسح تحت نعلي من كان مرمى لنعلي بطلنا المغوار منتظر الزيدي ؟ .. أم تراه قد خشي أن ينهض في يوم قريب ، وقبل أن تتخطفه بحول الله وقوته سيوف ليوث مقاومتنا الباسلة ، منتظر عراقي يعربي فيلطم رأسه المحشو عمالة ، أو يلقم فمه الطافح بالخيانة والدناءة ، بنعلين طائرين تطيحان بغرور عمالته وعنجهية خيانته ، فأراد أن يستبق بالتحذير ما هو متوقع عنده في الظن والتقدير ؟ ..
أيا ما كان الأمر ، فإذا كان ما نطق به ذلك القزم العميل بعيد كل البعد عن منطق الأشياء ، فهو أثبات بأن ليس كل مخلوق منتصب على قائمتيه بشرا ولو كان من الناطقين . وصدق الله العظيم حين يقول : ((أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ ۚ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ ۖ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا))(الفرقان/44) .
وأيا ما كان الأمر ، فان آسر بطلنا المغوار منتظر الزيدي لثلاث سنين قادمات ما كان ليفت من عزيمته أو ليرخي من وطنيته ، وهذا هو أكثر ما يغيظ ذلك القزم الذليل ومن لف لفه من مطايا المحتلين وزبانيته . فمثل اؤلئك الموتورون حري بهم أن يتميزوا غيظا من ثبات بطل يعربي مغوار على وفاءه لوطنه وإخلاصه لوطنيته وقيمه ومبادئه وبره بشعبه . وحري بمن هم على درب سقوط ذلك القزم الذليل ودناءته وعمالته أن يتمنطقوا استهزاءا بالفعل المقدام لبطلنا الهمام فيصفونه من تافه أفكارهم وضال معتقداتهم بأنه ناتج ((ثقافة الحذاء القومي)) . إلا فأكرم به من حذاء أذل رأسا انتم لها ، أيها الخونة العملاء ، من الأذلاء الساجدين . وانه لحذاء أَجَلُ عند شعبنا العربي من رؤوسكم ورؤوس سائسيكم ودهاقنتكم وحلفائكم أجمعين . وبمثل هذا الحذاء ((القومي)) ، اليعربي ، ستذلكم إقدام شعبنا الصابر ، ثم تسحقكم سحقا . فسحقكم سحقا هو الجزاء الوفاق لما أجرمتم به على شعبنا ووطننا وما تطاولتم به بحق أبطالنا . ولا يركبنكم وَهمٌ بأن صولة الزيدي هي أخر الغيث ..، فشعب قد أنجب بطلا أذل كبير جلاديه على مرأى من العالم اجمع ، بما دون قدميه نعلا ، لقادر حتما على أن ينجب صنوا له يذيق مطايا جلاديه هوانا أعظم . فانتظروا إنا بكم من المتربصين .

العراق المحتل في 25/3/2009

عاش العــــــــــــــراق

عــاش العـــــــراق ..
بذلك هتف ليث العراق اليعربي وابنه البار الصحفي الغيور منتظر الزيدي لحظة نطق الأفاقين الحانثين بأيمانهم بخلاصة ما رسمه لهم زبانية المحتلين ومطاياه من دور مرسوم في ملهاتهم الفاشلة بأكثر من فشلهم ، الخائبة بما يفوق خيبتهم ، الدنيئة بما يتجاوز دناءتهم ، تلك التي أسموها ((محاكمة)) ..، وهي لعمرالله إلى مداهنة المحتلين والتزلف لهم طاعة وعبادة اصدق وصفا مما أسبغوه تسمية لها . ونحن إذ نثبت ذلك بالحاد من الكلمات ، فليس في ذلك سعي منا لشتمهم ، ولا مسعى عنا لسبهم ، مع أنهم يستحقون تمام الاستحقاق جميع الشتائم وكل السباب . فهل للئيم النفس منحط الهوى خائن العهد سافل الطبع دنيء التصرف وضيع الميول خسيس الموقف إلا الشتم نعتا والسب وصفا ؟ .. أقول : إذ نثبت موقفنا مما ارتكبوه بحق بطلنا الهمام بالحاد من الكلمات فلأننا نريد البيان ، ببليغ العبارة وفصيح اللسان ، بأننا ما كنا في يوم سابق ، ولن نكون في يوم آتٍ ، ممن يتوقعون خيرا ، أو ممن يتوسمون رجاءا ، في زبانية المحتلين ومطاياه وكل من ساقه هواه الأعمى للافتات على زبل ما يطفحون من الزقوم ، فأضحى من الملتحقين بركب الغادرين بالعراق العربي أرضا وشعبا وتاريخا ومصيرا . فمثل هؤلاء وأولئك على السواء لن ينقطع نضح الخسة عنهم ، ولن يتوقف قيح الدناءة منهم ، إلا حين تخطف شأفتهم صولة الحق بسيف طليعتنا المقاومة البتار ، فتستأصل خبيث وجودهم من على أرضنا الطاهرة ، ثم تلحقهم مذمومين مدحورين بمن سبقهم من أقرانهم الخائنين والمعتدين .
ويا لخيبة زبانية المحتل ومطاياه ..، فلقد توهموا أبتداءا بان تكالب كلابهم المسعورة على ليث العراق البطل بعد صولته الجَسور بنعليه على رأس دولة المحتلين سيفت من صلابته فيركن لما يطلبون ، فخابوا وخاب ما كانوا به واهمين . ثم عادوا فتوهموا بان ما أعدوه من فصل مسرحي هابط تحت عنوان ((المحاكمة)) سيلين من عريكته فيستسلم لهم ، فخابوا وخاب ما كانوا به يأملون . ثم ها هم أخيرا يتوهمون بان ثلاث من السنين تبقي على ليث العراق المغوار أسيرا في غياهب زنازينهم ستحمله للتراجع عن صريح موقفه المقاوم لسائسيهم المحتلين . فلتنظروا أيّ غباء ذاك الذي يركب عقولهم ، حين يتوهمون إن ابنا بارا لهذا الشعب الحي الذي ما انفك يقارع سائسيهم ويقاتلهم بطليعته المقاومة الباسلة منذ ست مضين ، سيحيد عن خيار شعبه أو يتراجع عنه . ومع هذا فلقد كان رد بطلنا المغوار حاسما خاطفا ، تماما كشأن صولته الجَسور ، حين صدح بهتافه مزلزلا لباب عقولهم : عـاش العــــراق .
ويا لبؤس زبانية المحتلين ومطاياه ، حين تخدعهم عمالتهم لسائسيهم المحتلين ، وتظللهم خيانتهم لعراق العروبة ، فيقدروا بأن النيل من بطلنا المغوار منتظر الزيدي قمين بان يوقف المد المقاوم لوجود سائسيهم ، أو إن الإبقاء عليه أسيرا لثلاث سنين كفيل بأن يطوي ذكره بالفخر والاعتزاز بين أبناء شعبه أو ينسيهم تمجيد فعله البطولي . فلتنظروا أيّ سفه ذاك الذي يتملك نفوسهم ، حين يقدرون إن استمرار مقاومة شعبنا الصابر وعنفوانها ضد محتلي وطننا رهن بما نقدمه من تضحيات ..، إذن لكفى هذا الشعب العظيم مقارعة وقتالا لسائسيهم منذ معارك الفلوجة الأولى الخالدة . إلا ساء ما يقدرون . ثم لتنظروا أيّ حمق ذاك الذي يركب رؤوسهم ، حين يقدرون أن اسر أبطالنا الأوفياء قد يلهينا عن ذكرهم أو ينسينا الإشادة ببطولاتهم ..، إذن لغابت عن الحضور الدائم من ذاكرة شعبنا الصابر أسماء وبطولات عشرات الألوف من أبناءه البررة الذين مازالوا حتى يومنا هذا رهن اسر المحتلين ومعتقلاتهم . إلا ساءوا وساء ما يقدرون .
إما أنت يا منتظر العراق ، يا بطل العراق وابنه البار ، فلقد أجزلت العطاء لوطنك وشعبك ، وحقيق علينا إن نحملك ملء حدقات العيون ، ونحتفي بك بطلا ، ونبقيك ذكرا حاضرا ، ونهتف بهتافك جيلا بعد جيل : عـاش العـــراق حرا يعربيا ..

العراق المحتل في 21/3/2009

الاثنين، 2 مارس 2009

الحانثون بأيمانهم ..

لم يترك الفساد ، سياسيا كان أم ماليا أم إداريا أم أخلاقيا ، مكتبا من مكاتب حكومة المحتلين ، ولا مؤسسة من مؤسساتها ، ولا حزبا من أحزابها ، إلا وتوطن فيها ، متغلغلا في أعماق أحشائها ، ضاربا لب نخاعها ، متوسعا على شتى جهاتها وتوابعها ، متكاثرا متناميا بشكل سرطاني ..، وليس ثمة غرابة في ذلك ، فالفساد في عراق ما بعد الاحتلال الأمريكي يرتوي من مستنقع الاحتلال والعمالة والخيانة ، وهو انتن المستنقعات النتنة على الإطلاق .
ومع إن العديد من الأقلام الوطنية الحرة قد ساهمت ، ولم تزل ومنذ السنة الأولى لاحتلال عراقنا العربي ، في تعرية الكثير من مستور وقائع فساد المحتلين وعملائهم ، وخفايا إفسادهم في مختلف المجالات وعلى شتى المستويات ..، وهي جمعا مساهمات إذ أماطت اللثام عما حرص المحتلون وعملائهم التكتم عليه وإبعاده عن ميدان المعرفة العامة ، وبشتى ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا ، فكسرت بذلك من طوق السرية المضروب على ما يرتكبونه من جرائم شنيعة وما يقترفونه من ممارسات دونية ، وفضحت كذب ادعاءاتهم ووعودهم وتخرصاتهم التي ما انفكوا يعيدون اجترارها كما البهائم في كل محفل وعند كل حين ..، فان هذه المساهمات المخلصة قد عززت بقوة الدليل المادي وثائق وأرقام ووقائع طروحات المشروع التحرري لعراقنا العربي ، وساندت بالحجة الدامغة الفعل البطولي لفصائل مقاومتنا الباسلة . أقول : مع إن حشدا من الأقلام الوطنية الحرة قد كشفت كثيرا من مستور فساد المحتلين وعملائهم ، إلا إن ما هو مؤكد إن ما تم الكشف عنه حتى ألان لا يشكل إلا جزءا من حجمه الحقيقي ، فما خفي لهو أعظم بالتأكيد ، وقادمات الأيام حبلى بهتك ستر خسيس إعمالهم ودنيء تصرفاتهم الفاسدة .
وللفساد في ميادين القضاء والأجهزة التابعة له في عراق ما بعد الاحتلال الأمريكي حضورا مميزا ، فكانت البداية مع الأمر رقم (15) الذي أصدره سيء الذكر ((بول بريمر)) في 23 حزيران 2003 ، والذي تم بموجبه إسناد عملية تفكيك منظومة القضاء العراقي المشهود لها بالكفاءة العلمية والمهنية إلى لجنة من ستة أشخاص (قرر الأمر المذكور على إن يكون ثلاثة منهم دوليين وثلاثة عراقيين . فُعُرِفَ من بين الثلاثة الدوليين من نُصِبَ رئيسا للجنة وهو الأمريكي ((دي يتو)) احد أعضاء الادعاء العام السابقين ، فيما لم يذاع عن الآخرين أية معلومة . إما الثلاثة الآخرين فالأول منهم هو ((راضي حمزة الراضي)) ، الذي تم مكافئته لاحقا بعد انجازه لدوره المرسوم في هذه اللجنة ، فعينه بول بريمر ذاته بمنصب رئيس ما تسمى ((هيئة النزاهة)) . والثاني هو دارا نور الدين ، وكان عضوا فيما يسمى ((مجلس الحكم الانتقالي)) . والثالث هو ((حسين مرزه الحسيني)) المعين مستشارا في مجلس شورى الدولة) . فأصدرت اللجنة مذكرات بعزل أكثر من مائة وخمسين قاضيا ومدع عام عراقيا ممن قضوا سنين طويلة في خدمة القضاء العراقي وساهموا بحرفية عالية في إثراء مسيرته وتأصيل مبادئه القانونية . ولقد كانت نسبة كبيرة من قضاة محكمة التمييز والهيئات القضائية العليا الأخرى من بين المستبعدين . وكان بديهيا بعد هذا إن يدس المحتلون وعملائهم زمرا من زبانيتهم أو من المرتزقة والطفيليين خدم من يدفع ومتصيدي الفرص في كل العهود لشغل المواقع الشاغرة من أهليها الأكفاء ، وكانت تلك هي البداية الواسعة لتغلغل الفساد والفاسدين لجسد المؤسسات القضائية العراقية .
ومع إن الفساد في مؤسسات قضاء حكومة المحتلين يتضمن بالتأكيد صورا قد يستعصي حصرها من الفساد الإداري والمالي ، كون هذه المؤسسات جزءا من المنظومة المؤسساتية والقانونية للمحتلين وعملائهم ..، إلا إن للفساد الأخلاقي المستشري فيها صوره الأكثر وضوحا وخطورة في آن معا . وتشكل ظاهرة الحنث باليمين أكثر صور الفساد الأخلاقي انتشارا في تلك المؤسسات .
فمما هو معروف إن بعضا من الوظائف الحكومية ، كالمواقع الإدارية العليا والسلك الدبلوماسي والقضاة ، وبعضا من المهن كالمحامين والأطباء ، توجب القوانين المنظمة لها على من يمارسها أداء يمين قانونية محددة بنص القانون كمقدمة لازمة لممارستها . وأداء اليمين القانونية في هذه الوظائف والمهن ، أو القَسَم كما شاعت تسميته ، إذ يعده القانون شرطا لممارستها ، فهو يعني تماما إن ممارسة تلك الوظائف أو المهن لا تصح من دونه مطلقا ، فحيثما انعدمت اليمين عدت ممارسة تلك الوظيفة أو المهنة غير قانونية ، أو غير مشروعة بالتعبير القانوني البليغ ، ويترتب البطلان على كل ما يتمخض عنها . فالقاعدة القانونية الأصيلة تقضي بان كل ما بُنيَ على الباطل فهو باطل حتما . وهذا النوع من اليمين يسميها علامة القانونيين العرب الدكتور عبدالرزاق السنهوري رحمه الله تعالى ، يمين توكيد الوعد ، وهي اليمين التي تُؤدى لتوكيد انجاز وعد أخذه الحالف على نفسه بان ينجز ما أنيط إليه من إعمال أو مهام بالأمانة والصدق وأصول المهنة (انظر : الوسيط في شرح القانون المدني/ ج2 ص514 وما بعدها) . واليمين تنعدم إما بتخلفها أصلا ، اعني بان لا يؤديها المكلف بتأديتها ، وإما بحنث من أداها بها . وإذا كانت مسالة انعدام اليمين بعدم تأدية المكلف لها أصلا مسالة واضحة لا لبس فيها ، فان مما يثير اللبس مسالة انعدام اليمين بحنث الحالف بها ؛ إذ قد يختلط في الذهن إن هذه المسالة مما يقع في نطاق النوايا الذاتية . ونوايا البشر ، صادقة كانت أم فاجرة ، هي في الغالب من بواطن النفس الإنسانية ، ولا يعلم حقيقة كنهها إلا الله تعالى . غير إن حقيقة الأمر إن معيار الحنث باليمين هو معيار موضوعي وليس ذاتي ، يتجسد بمدى التزام الحالف بمضمون يمينه المحدد بنص القانون ، إذ ليس ثمة من يحلف قانونا على بياض ، أو دون إن يحدد له القانون ماهية ما يحلف عليه . وهكذا فان أوفى الحالف بما أوجبه عليه يمينه كان بارا بها ، وان تخلف فهو حانث بها .
ولقد نصت المادة /37-ثانيا من قانون التنظيم القضائي رقم 160 لسنة 1979 المعدل على انه : (( لا يمارس القاضي إعماله إلا بعد حلفه اليمين التالية إمام مجلس العدل المشكل بموجب قانون وزارة العدل رقـم 101 لسنة 1977. اقسم بالله إن اقضي بين الناس بالعدل وأطبق القوانين بأمانة وبما يتفق مع أهدافها في بناء المجتمع الاشتراكي الديمقراطي الموحد)). ودون ادني شك فان ((القوانين)) الوارد ذكرها في متن يمين القضاة سالف الإشارة إليه ، تشمل كافة قوانين المنظومة القانونية لعراق ما قبل الاحتلال الأمريكي حصرا أبتداءا من الدستور النافذ حينها ، ونزولا حتى التعليمات واللوائح الإدارية الصادرة بناءا على القوانين السارية في ظله ، ومنها قانون التنظيم القضائي ذاته . وهي لاشك جميعها تقع ضمن رؤية بناء المجتمع الاشتراكي الديمقراطي الموحد التي خصها القانون أعلاه بالذكر . ونقول : حصرا ..، لان كل ما تلا ما تضمنته تلك المنظومة القانونية من دستور وقوانين وأنظمة وتعليمات ولوائح ، سواء بما تم إلغاؤه أو تعديله من منها ، أو بما تم إضافته من تقنينات إليها ، هي من محدثات محتلي العراق العربي ، وهي باطلة بطلان الاحتلال ذاته .
والمعلوم إن عددا غير قليل ممن كانوا يمارسون مهنة القضاء في عراق ما قبل الاحتلال ، وممن أدوا اليمين القانونية في ذلك الحين ، مازالوا يعملون في سلك القضاء حتى يومنا هذا . وهم منذ احتلال عراقنا العربي يرتضون لأنفسهم الامتناع عن تطبيق ما اقسموا على تطبيقه من قوانين بين الناس بالعدل ، فيما يجهدون أنفسهم للالتزام بتطبيق تقنينات اقل ما يمكن وصفها أنها تتعارض روحا ومضمونا مع أهداف المجتمع الاشتراكي الموحد التي ألزموا أنفسهم بوعد مغلظ على كتاب الله العزيز بحمايتها ورعايتها .
وما هذه إلا صورة من صور فساد المحتلين وعملائهم الضارب في كل ما دنسوه من مواقع وكل ما أقاموه من مؤسسات ، لا يخفي حقيقة فسادها ما يخترعه أصحابها من الفاسدين من مسميات لتبرير نقضهم لوعودهم ، ولا ما يفتعلونه من ذرائع لتسويغ حنثهم بإيمانهم .

العراق المحتل في 2/3/2009