بعد أربعة عقود على رحيل القائد جمال عبد الناصر ، ماذا يمكن أن يُقال في مثل هذه الذكرى ؟ ..
لقد كان عبد الناصر طيلة سني مسؤوليته قائدا فذا لجماهير أمته ، وابنا بارا لعروبته ..، فهل يتطلب تمجيده تجديد أحزاننا عليه فنتبارى في ذكرى رحيله بكاءً وعويلا عليه ، فنحيل الذكرى مأتما متجددا لصاحبها ؟.. مؤكد لا . إذ لو كان البكاء والعويل سبيلا لتمجيد راحل لتزاحمت ذرا المجد بالراحلين من غير مستحقيه ، بأكثر ، وربما متقدمين أيضا ، على من كتب لهم التاريخ استحقاقه .
ولقد ظل عبد الناصر ، ولآخر رمق من حياته ، زعيما صادقا مخلصا لامته ، وفيا لعهده معها ، أمينا على عهدها به ..، فهل يستدعي الوفاء له أن نتسابق في ذكرى غيابه عنا ندبا ولطما عليه ، فنحول ساحة الذكرى مسرحا يتقادح فيه النادبون ، ويتناطح فيه اللاطمون ؟ .. حتما لا .. إذ لو كان الندب واللطم من دواعي الوفاء للأوفياء لما نهينا عنه شرعا فأمرنا باجتنابه عند كل نازلة وفي كل حين .
في هذه المناسبة التي يستحضر فيها الحزن عمق الفاجعة ، وهول الخسارة ، اللتين منيت بهما امتنا العربية بفقدانها لقائد معارك تحررها ، وزعيم جماهيرها في ملاحم كفاحها المجيدة ضد الغزاة والمستعمرين والغاصبين ، ما الذي يمكن أن يكتبه عربي مؤمن إيمانا مستقرا بثوابت العروبة وقيمها ومبادئها ؟ .. ما الذي يمكن أن يكتبه قومي منحاز كل الانحياز لحرية أمته ووحدتها وجودا ومصيرا ؟ .. ما الذي يمكن أن يقوله من هو منتمٍ فكرا وضميرا وكياننا إلى التيار الناصري ؟ ..
وبعد أربعة عقود على رحيله ، هل تلزمنا هذه الذكرى الأليمة - كقوميين ناصريين - بأن نكتب عن عبد الناصر ذاتاً وشخصاً فنعدد مآثره ومناقبه ؟ .. أم تراها تفرض علينا التحدث عنه حاكما ورئيسا لدولة عربية فنسهب في بيان منجزاته ؟ .. قطعا لا هذه ولا تلك .. إذ لو كان عبد الناصر مجرد شخص عادي سيكفيه في ذكراه استذكار ماله من مآثر وما عنده من مناقب . ولو كان عبد الناصر مجرد رئيسا لدولة أو حاكما لها سيفيه حقه عند ذكره تعداد منجزاته . غير أن عبد الناصر كان قائدا فذا لامته ، وزعيما عظيما لجماهيرها . وإذ يكن للأفذاذ من قادة الأمم ، والعظماء من زعمائها ، وكل من موقعه ، دورا مميزا في صنع تاريخها ، وذكرا مرفوعا في سفره ..، فان ما يدَّعم من تميزهم إنسانيا عند أممهم ، ويبقي ذكرهم على الدوام مشرقا وضاءً فيها ، أن لكل منهم كموضوع – وليس كذات - ، دورا حيويا في بناء مستقبلها . فكل منهم موضوع متجدد أبدا في ميدان أو أكثر من ميادين حياة أمته .
ثم أن علينا الانتباه إلى خطورة التركيز على عبد الناصر الذات وخطر التعلق بشخصه . فعبد الناصر الذات قد فارق دنيانا أبدا منذ أربعة عقود من الزمان ، وأمسى منذ يوم وفاته والى يوم يبعث الناس في ذمة الرحمن جل في علاه . فبعد هذا ، لن يجدِ الأمة التي أمن عبد الناصر بحقها المشروع في الحرية والوحدة والحياة الكريمة ، وأخلص لها فمنحها كل ما يستطيع عطاءً ووفاءً ..، هذه الأمة التي يستبيح الغاصبون والمحتلون أرضها ويدنسون حرماتها ، ويكشف الخونة والعملاء عن سترها ، وينهش الطامعون خلسة وجهارا من خيراتها ، ويتطاول البغاة عن مشرقها ومغربها عدوانا على حقوقها .. هذه الأمة التي يمزق وحدتها شرذمة من الأفاقين ، ويستبد بأبناء شعبها حفنة مجرمة من المتسلطين ، ويصادر حياة العدالة والكفاية فيها جوقة ضالة مضلة من الربويين والطفيللين .. هذه الأمة الموجعة من جراحها ، المتألمة من ضعفها ، المثقلة بهمومها ..، لن يجديها استذكار مآثر ابنها البار عبد الناصر ، ولا مناقبه ، فمآثر عبد الناصر ومناقبه كانت ، وستبقى ، حق حصري له . ولن يجدي هذه الأمة أيضا تعداد منجزات عبد الناصر أو بيان انتصاراته . فكل الانجازات التي تمت في عهد عبد الناصر ما كانت لتتم لولا مهارات العقول العربية التي خططت لها بدراية وإتقان ، وجدارة السواعد العربية التي نفذتها بتفان وإخلاص . فهي انجازات شعبنا العربي التي تمت في ظل قيادة عبد الناصر . وكل الانتصارات الملحمية الرائعة التي تحققت في عهد عبد الناصر ما كانت لتتحقق لولا ثبات وبسالة شعبنا العربي ، كل شعبنا العربي ، وتضحياته المعطاءة السخية ، وفي مقدمة صفوفه طلائع المجاهدين المقاومين وكتائب المقاتلين الأبطال من أبناءه . فهي انتصارات شعبنا العربي التي تحققت في ظل قيادة عبد الناصر لمعاركه المجيدة استردادا لحريته المسلوبة أو انتزاعا لحقوقه المهضومة أو تحقيقا لوحدته المنشودة . فبدون شعبنا العربي الذي أختبر عبد الناصر مناضلا ثابتا على مبادئه وقيمه ، وخبره مقاتلا متفانيا من اجل أهدافه وتطلعاته ، فأستخلصه لنفسه قائدا لمسيرته ..، ما كان لانجاز أن يتم ، ولا كان لنصر أن يتحقق . ومخطئ من يتوهم غير ذلك .
وان يكُ عبد الناصر الذات قد مات ، فان عبد الناصر الموضوع حي لا يموت ما بقيت امتنا العربية قائمة . وعبد الناصر الموضوع هو الناتج الجدلي لما أمن به من أفكار ومبادئ ، وما استقر في وجدانه من مثل وقيم ، وما تطلع إليه من غايات ، وما ناضل من اجله من أهداف ، وما التزمه من مواقف ، وما خاضه من تجارب ..، والتي تكاملت بمجموعها عقيدة قومية عربية نسبت اسما لعبد الناصر ، فباتت تعرف في الأدب السياسي العربي بأسم ((الناصرية)) ، مع أن عبد الناصر لم يكن منظرا لما تحتويه هذه العقيدة من أفكار ومبادئ ومثل وقيم وغايات ، فهي جميعا من معطيات الوجود القومي العربي ومن ثوابته التي توالى على اكتشافها وتنظيرها وتأصيلها ثلة من مفكري هذه الأمة وروادها ، فان ما التزمه عبد الناصر من مواقف قومية صلبة ، وما خاضه من تجارب ثورية رائدة خلال سني مسؤوليته وقيادته لمعارك التحرر العربي قد أضاف على ما امن به من طروحات فكرية ورؤى نظرية بعدا نضاليا بالغ الغنى والحيوية يمتاز بأسلوبه قائدا وزعيما وببصمته مناضلا وإنسانا ..، تجددت به عقيدة العرب القومية ، فاستحقت أن تنسب اسما لمن أغناها محتوى وميزها إضافة فأذكاها حيوية وانتشارا .
نقول : في ذكرى رحيل القائد عبد الناصر ، وفي هذه المرحلة التاريخية من حياة امتنا العربية ، لن يكون من المجدي لامتنا استذكار مآثره أو مناقبه ، ولا تعداد منجزاته ..، بقدر ما سيجديها وينفعها استحضار عبد الناصر كموضوع .. في مثل هذه الذكرى ، سيكون من واجبنا القومي - كناصريين - أن لا نكتفي بتحديد ما يواجه امتنا العربية من مشكلات تفتك بوجودها ، وما يتربص بها من أخطار تهدد مصيرها ، وما يشل أرادتها وقدرتها على الفعل من مواطن الضعف والخلل والتشرذم الكامنة في واقعها الراهن ..، وسيكون من واجبنا القومي أيضا أن لا نتوقف عند تأصيل حلول تلك المشكلات ، أو حصر تلك الأخطار وكشف المستور منها ، أو بيان سبل تفعيل إرادة امتنا وتحفيز قدرتها على تجاوز ما هي فيه من واقع متخلف ..، إنما علينا مواجهة واقعنا الراهن بما كان سيواجهه فيه القائد عبد الناصر لو كان حيا بيننا . لا اقل من ذلك . إذ كل ما يقل عن ذلك سيحيل هذه الذكرى إلى مأتم متجدد لتأبين الأموات ، فيما الأحياء من أبناء هذه الأمة المجيدة هم الأولى بالحياة .
العراق المحتل في 26/9/2009

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق