السبت، 26 سبتمبر 2009

في ذكرى رحيل القائد عبد الناصر ..

بعد أربعة عقود على رحيل القائد جمال عبد الناصر ، ماذا يمكن أن يُقال في مثل هذه الذكرى ؟ ..

لقد كان عبد الناصر طيلة سني مسؤوليته قائدا فذا لجماهير أمته ، وابنا بارا لعروبته ..، فهل يتطلب تمجيده تجديد أحزاننا عليه فنتبارى في ذكرى رحيله بكاءً وعويلا عليه ، فنحيل الذكرى مأتما متجددا لصاحبها ؟.. مؤكد لا . إذ لو كان البكاء والعويل سبيلا لتمجيد راحل لتزاحمت ذرا المجد بالراحلين من غير مستحقيه ، بأكثر ، وربما متقدمين أيضا ، على من كتب لهم التاريخ استحقاقه .

ولقد ظل عبد الناصر ، ولآخر رمق من حياته ، زعيما صادقا مخلصا لامته ، وفيا لعهده معها ، أمينا على عهدها به ..، فهل يستدعي الوفاء له أن نتسابق في ذكرى غيابه عنا ندبا ولطما عليه ، فنحول ساحة الذكرى مسرحا يتقادح فيه النادبون ، ويتناطح فيه اللاطمون ؟ .. حتما لا .. إذ لو كان الندب واللطم من دواعي الوفاء للأوفياء لما نهينا عنه شرعا فأمرنا باجتنابه عند كل نازلة وفي كل حين .

في هذه المناسبة التي يستحضر فيها الحزن عمق الفاجعة ، وهول الخسارة ، اللتين منيت بهما امتنا العربية بفقدانها لقائد معارك تحررها ، وزعيم جماهيرها في ملاحم كفاحها المجيدة ضد الغزاة والمستعمرين والغاصبين ، ما الذي يمكن أن يكتبه عربي مؤمن إيمانا مستقرا بثوابت العروبة وقيمها ومبادئها ؟ .. ما الذي يمكن أن يكتبه قومي منحاز كل الانحياز لحرية أمته ووحدتها وجودا ومصيرا ؟ .. ما الذي يمكن أن يقوله من هو منتمٍ فكرا وضميرا وكياننا إلى التيار الناصري ؟ ..

وبعد أربعة عقود على رحيله ، هل تلزمنا هذه الذكرى الأليمة - كقوميين ناصريين - بأن نكتب عن عبد الناصر ذاتاً وشخصاً فنعدد مآثره ومناقبه ؟ .. أم تراها تفرض علينا التحدث عنه حاكما ورئيسا لدولة عربية فنسهب في بيان منجزاته ؟ .. قطعا لا هذه ولا تلك .. إذ لو كان عبد الناصر مجرد شخص عادي سيكفيه في ذكراه استذكار ماله من مآثر وما عنده من مناقب . ولو كان عبد الناصر مجرد رئيسا لدولة أو حاكما لها سيفيه حقه عند ذكره تعداد منجزاته . غير أن عبد الناصر كان قائدا فذا لامته ، وزعيما عظيما لجماهيرها . وإذ يكن للأفذاذ من قادة الأمم ، والعظماء من زعمائها ، وكل من موقعه ، دورا مميزا في صنع تاريخها ، وذكرا مرفوعا في سفره ..، فان ما يدَّعم من تميزهم إنسانيا عند أممهم ، ويبقي ذكرهم على الدوام مشرقا وضاءً فيها ، أن لكل منهم كموضوع – وليس كذات - ، دورا حيويا في بناء مستقبلها . فكل منهم موضوع متجدد أبدا في ميدان أو أكثر من ميادين حياة أمته .

ثم أن علينا الانتباه إلى خطورة التركيز على عبد الناصر الذات وخطر التعلق بشخصه . فعبد الناصر الذات قد فارق دنيانا أبدا منذ أربعة عقود من الزمان ، وأمسى منذ يوم وفاته والى يوم يبعث الناس في ذمة الرحمن جل في علاه . فبعد هذا ، لن يجدِ الأمة التي أمن عبد الناصر بحقها المشروع في الحرية والوحدة والحياة الكريمة ، وأخلص لها فمنحها كل ما يستطيع عطاءً ووفاءً ..، هذه الأمة التي يستبيح الغاصبون والمحتلون أرضها ويدنسون حرماتها ، ويكشف الخونة والعملاء عن سترها ، وينهش الطامعون خلسة وجهارا من خيراتها ، ويتطاول البغاة عن مشرقها ومغربها عدوانا على حقوقها .. هذه الأمة التي يمزق وحدتها شرذمة من الأفاقين ، ويستبد بأبناء شعبها حفنة مجرمة من المتسلطين ، ويصادر حياة العدالة والكفاية فيها جوقة ضالة مضلة من الربويين والطفيللين .. هذه الأمة الموجعة من جراحها ، المتألمة من ضعفها ، المثقلة بهمومها ..، لن يجديها استذكار مآثر ابنها البار عبد الناصر ، ولا مناقبه ، فمآثر عبد الناصر ومناقبه كانت ، وستبقى ، حق حصري له . ولن يجدي هذه الأمة أيضا تعداد منجزات عبد الناصر أو بيان انتصاراته . فكل الانجازات التي تمت في عهد عبد الناصر ما كانت لتتم لولا مهارات العقول العربية التي خططت لها بدراية وإتقان ، وجدارة السواعد العربية التي نفذتها بتفان وإخلاص . فهي انجازات شعبنا العربي التي تمت في ظل قيادة عبد الناصر . وكل الانتصارات الملحمية الرائعة التي تحققت في عهد عبد الناصر ما كانت لتتحقق لولا ثبات وبسالة شعبنا العربي ، كل شعبنا العربي ، وتضحياته المعطاءة السخية ، وفي مقدمة صفوفه طلائع المجاهدين المقاومين وكتائب المقاتلين الأبطال من أبناءه . فهي انتصارات شعبنا العربي التي تحققت في ظل قيادة عبد الناصر لمعاركه المجيدة استردادا لحريته المسلوبة أو انتزاعا لحقوقه المهضومة أو تحقيقا لوحدته المنشودة . فبدون شعبنا العربي الذي أختبر عبد الناصر مناضلا ثابتا على مبادئه وقيمه ، وخبره مقاتلا متفانيا من اجل أهدافه وتطلعاته ، فأستخلصه لنفسه قائدا لمسيرته ..، ما كان لانجاز أن يتم ، ولا كان لنصر أن يتحقق . ومخطئ من يتوهم غير ذلك .

وان يكُ عبد الناصر الذات قد مات ، فان عبد الناصر الموضوع حي لا يموت ما بقيت امتنا العربية قائمة . وعبد الناصر الموضوع هو الناتج الجدلي لما أمن به من أفكار ومبادئ ، وما استقر في وجدانه من مثل وقيم ، وما تطلع إليه من غايات ، وما ناضل من اجله من أهداف ، وما التزمه من مواقف ، وما خاضه من تجارب ..، والتي تكاملت بمجموعها عقيدة قومية عربية نسبت اسما لعبد الناصر ، فباتت تعرف في الأدب السياسي العربي بأسم ((الناصرية)) ، مع أن عبد الناصر لم يكن منظرا لما تحتويه هذه العقيدة من أفكار ومبادئ ومثل وقيم وغايات ، فهي جميعا من معطيات الوجود القومي العربي ومن ثوابته التي توالى على اكتشافها وتنظيرها وتأصيلها ثلة من مفكري هذه الأمة وروادها ، فان ما التزمه عبد الناصر من مواقف قومية صلبة ، وما خاضه من تجارب ثورية رائدة خلال سني مسؤوليته وقيادته لمعارك التحرر العربي قد أضاف على ما امن به من طروحات فكرية ورؤى نظرية بعدا نضاليا بالغ الغنى والحيوية يمتاز بأسلوبه قائدا وزعيما وببصمته مناضلا وإنسانا ..، تجددت به عقيدة العرب القومية ، فاستحقت أن تنسب اسما لمن أغناها محتوى وميزها إضافة فأذكاها حيوية وانتشارا .

نقول : في ذكرى رحيل القائد عبد الناصر ، وفي هذه المرحلة التاريخية من حياة امتنا العربية ، لن يكون من المجدي لامتنا استذكار مآثره أو مناقبه ، ولا تعداد منجزاته ..، بقدر ما سيجديها وينفعها استحضار عبد الناصر كموضوع .. في مثل هذه الذكرى ، سيكون من واجبنا القومي - كناصريين - أن لا نكتفي بتحديد ما يواجه امتنا العربية من مشكلات تفتك بوجودها ، وما يتربص بها من أخطار تهدد مصيرها ، وما يشل أرادتها وقدرتها على الفعل من مواطن الضعف والخلل والتشرذم الكامنة في واقعها الراهن ..، وسيكون من واجبنا القومي أيضا أن لا نتوقف عند تأصيل حلول تلك المشكلات ، أو حصر تلك الأخطار وكشف المستور منها ، أو بيان سبل تفعيل إرادة امتنا وتحفيز قدرتها على تجاوز ما هي فيه من واقع متخلف ..، إنما علينا مواجهة واقعنا الراهن بما كان سيواجهه فيه القائد عبد الناصر لو كان حيا بيننا . لا اقل من ذلك . إذ كل ما يقل عن ذلك سيحيل هذه الذكرى إلى مأتم متجدد لتأبين الأموات ، فيما الأحياء من أبناء هذه الأمة المجيدة هم الأولى بالحياة .

العراق المحتل في 26/9/2009

لابد لكلِ كلبٍ مسعورٍ من حجر ..

في مقالتين نشرتا على أكثر من موقع الكتروني مقاوم للاحتلال الأمريكي ، حمل كل من الكاتبين صباح البغدادي وبيداء الحسن على ما نشرته صحيفة ((الوطن)) الكويتية يوم 12/9/2009 وضمن زاوية علامة تعجب التي يحررها ((الصحافي فؤاد الهاشم)) ..، فأنقض كل منهما يعري الناشر والمنشور وصاحبه وما يحتضنهم من نظام سياسي ، ثم يوصمهم جميعا بأشد ألفاظ الشتم والسب والتحقير وأعنف عبارات الزجر والتعنيف والتصغير . كان ما يقف وراء ذلك الهجوم الماحق الساحق ، هو ما استفرغه ذلك ((الصحافي)) من قيح نفسه المنحرفة وصديد عقله المريض ، ثم سطره كلمات متهالكة تطاول بها على ليث العراق وابنه اليعربي الهمام منتظر الزيدي .

قال أحدهم : ألم يكن باستطاعة الكاتبين أن يردا على ذلك ((الصحافي)) ، ويعبرا عن رأيهما فيما نشر له ، دون شتائم وسباب وتحقير ؟ . أليس الشتم والسب حجة الضعفاء ؟ . ثم أليس العفو عن المسيء شيمة للنجباء ؟ .

والسائل المعترض ، أو المعترض المتسائل ، هو احد دعاة ما يسمونه ((العقلانية)) و((الحوار المسالم)) بين الناس دولا وجماعات وأفراد . فكل مواجهة عنده ، وعند أصحابه ، باليد كانت أم باللسان ، عنف غير مبرر ، ومسلك منبوذ ، ولو جاءت ردا لعدوان قائم ، أو ردعا لخطر حال !!.

وبفرض سلامة النية ، وصدق السريرة ..، فهل ثمة منطق من عقل ، أو حجة من فهم ، تساند ما يطرحه ويروج له مثل اؤلئك المتزمتين حد الهوس ، المهووسين حد الجنون المطبق ، بما يسمونه ((العقلانية)) ..، إلا أن يكون منطق العبودية والتخلف ، وحجة الخانعين الأذلاء ؟ .

جلي – أذن - إن هذا الرهط من البشر قد ((تعقل)) فأسرت عقلانيتهم لباب عقولهم حتى تركتهم بلا عقول .. وجلي – أيضا - أن هذا الرهط قد ((تفهم)) فاستحوذت مفاهيمهم المعوجة على جميع مساحات فهمهم فتركتهم بلا فهم .

وإذ يكـن مستقراً عندنا أن العفو لا يكون إلا لمن أُكره على الإثم ، أو إلا لمن أرتكب إثمه عن جهالة ..، فلا عفو عن من تعمد الإثم والعدوان ، ولا غفران لمن تقصد الإساءة والإيذاء . فـنحن – وقبل هذا- مأمورون أمرا ألهياًً بأن نواجه كل ظالم بما هو متاح لنا من وسائل المواجهة . وسيئ القول واحد من وسائلها . قال العزيز الحكيم :((لاَّ يُحِبُّ اللّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوَءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ))(النساء/148) . فسبحان الله العظيم ، انه تعالى لا يكتفي بحث المؤمنين وتحريضهم على مواجهة الظالمين ولو بالسيئ من القول ، وإنما يقرر ، جل شأنه ، بأنه يحب من عباده المقاومين للظالمين تبنى هذا الأسلوب في مواجهة أعداءه وأعدائهم ، فكان في ذلك توكيد منه سبحانه على شرعية هذه المواجهة وسموها . ونحسب انه سبحانه قد اسقط بأمره الجليل هذا كل مماحكات الأذلاء وحجج المتقاعسين بالخنوع للظلم بزعم ضعف القوة أو قلة إمكانيات المواجهة .

والحقيقة إن ذلك ((الصحافي)) ، وطيلة سنين ماضيات ، ما انفك يتطاول ويتهجم في مرقعته تلك على كل ما هو عربي ، وكل ما هو حق ، وكل ما هو أصيل . هذا فيما اعتاد التمجيد والتطبيل ، بمناسبة وبدونها ، لكل ما يرتبط بأمريكا نظاما ومؤسسات ، أشخاصا وحلفاء ، مواقف وممارسات .. فذلك ((الصحافي)) أشد ولاءً لأمريكا الباغية من بغاتها أنفسهم ، ولهو أكثر فتونا بجرائمها من ذوات مجرميها ، ولهو من أكبر المطبلين لسياساتها ومواقفها العدوانية من بين حشد مأجوريها .. وسيكفي كل محايد أن يطلع على أرشيف كتاباته ليتيقن بأنه متأمرك حتى نخاع عظمه .

ولما كان ما سطره ذلك ((الصحافي)) البائس فسَوَّدَ به وجهه ووجه من يقف وراءه حين صنعه قلما مأجورا ، ثم حرضه ((صحافيا)) مأفونا بالقيل والقال على عباد الله وخلقه ، ثم كافئه على دنيء ما يسطره في مرقعته المتلونة بألوان النفاق والرياء ، الممتلئة بفنون الافتراء والدجل ..، بأموال من السحت الحرام التي يطرب لها عقله المتعفن ، وتتراقص لها نفسه المنحطة ، فيتلذذ بها فمه القذر ، ثم يتورم منها جسده النتن ..، أقول : لما كان ما سطره ذلك ((الصحافي)) المتأمرك بحق بطلنا الزيدي لا يعدو عن أن يكون ضربا من ضروب الهذيان الذي يتمثله من رجس أفكاره السقيمة وينسجه من وحل خيالاته الوضيعة ، فيتوهمه من فرط تفاهته وخسته كتابات ناطقة ..، فهو حتما والحال هذه لا يشكل موضوعا محددا وذي قيمة معلومة يمكن أن يدور حوله حوار جاد ، فلا يؤشر رقما يذكر في ميزانه ، ولا يستحق أي عناء للرد عليه . فالرد على لغو الحديث لا يكون إلا لغوا مثله ، والحوار مع متهافت الأقوال لا يمكن أن يكون إلا أقوال متهافتة .

وإذا كان مما هو مؤكد أن ذلك ((الصحافي)) الموتور ، لم يكن أول المتطاولين المتهجمين على العروبة وجودا وقيما ومصيرا ورموزا ، وهو بالتأكيد لن يكون آخرهم ..، فحيثما جاست قوى البغي والعدوان ، بجيوشها السافرة أو بمؤامراتها المستترة ، وجود امتنا العربية أرضا وشعبا وإمكانيات ، سيتراكض لاهثا لنعيق عدوانيتها كل مجذوم من ضباع الجحور والدهاليز المظلمة ، وكل مُجرَب من الكلاب السائبة خارج حدود الوطن ، ليشكلوا قطيعا من الخونة والعملاء والمأجورين ، يحف بقوى البغي والعدوان ، يقتات على الساقط من فضلات موائدها ، وينهش مسعورا كل من يواجهها ويقاومها ، ويعوي مرددا نشاز نعيقها . غير ثم انه – وهذا على اكبر قدر من الأهمية – لا يجب أن يترك كل كلب مسعور لعوائه ينبح به وقتما أراد ، أو وقتما أريد له ..، فلا بد من حجارة نلقم بها فمه ، أو نطيح من خلالها برأسه ، فنحفظ لعباد الله صحة سمعهم وسلامة بيئتهم ..

العراق المحتل في 17/9/2009