الأحد، 17 أغسطس 2008

نحن .. والعملاق الروسي ..



وأخيرا استفاق العملاق الروسي من غفوة سباته . استفاق ، وكما كل العمالقة ، مستنهضا كامن نشاطه ، متحاملا على نعاسه وتكاسله ، متثائبا بفاغر فمه ، مستنشقا بملء رئتيه نسائم النقاء المتسربلة عبر هضاب سيبريا وسفوح الاورال ، فاردا ذراعيه ذات اليمين وذات الشمال .
وتشاء الأقدار إن تتزامن استفاقة هذا العملاق المارد مع اجتياح دبيب من القوات المسلحة الجورجية لاوسيتيا الجنوبية .. واوسيتيا الجنوبية هي الجزء الجنوبي من اوسيتيا التي دخلت تحت الولاية الروسية منذ عام 1878 م . ثم قسمت إلى كيانين شمالي وجنوبي الحق الأول منهما عقب تفكك الاتحاد السوفيتي بالاتحاد الروسي بينما الحق الثاني بجورجيا . ومنذ ذلك الحين تحول جورجيا دون وحدة شطري اوسيتيا ، وقد استخدمت القوة المسلحة لأكثر من مرة ضد اوسيتيا الجنوبية لإرغامها على التخلي عن سعيها للوحدة مع اوسيتيا الشمالية والانضمام إلى الاتحاد الروسي ، وكان آخرها الهجوم المسلح واسع النطاق في الثامن من هذا الشهر . نقول : شاءت الأقدار إن تتزامن استفاقة الدب الروسي مع اجتياح دبيب من القوات المسلحة الجورجية لاوسيتيا الجنوبية ، فما كان منه وهو للتو يقف منتصبا إلا إن داس بطرف الإصبع الأصغر لقدمه اليمنى على دبيب تلك القوات فأحالها مجتمعة قاعا صففا في برهة من زمن . وإزاء هذه الهزيمة المنكرة التي منيت بها القوات الجورجية ، تراكض سياسيو دولتها وهم متباكين بعالي صوتهم منتخين حلفائهم في الغرب الأوربي الأمريكي .. ولكن يا لحسرتهم .. ما من مجيب . فأعاد لنا هذا المشهد المذل ما اختزنته ذاكرة تاريخنا القريب من مشهد إذلال مشابه مر بحلفاء العدوان الثلاثي الغاشم على مصر العربية . إذ وعقب تأميم الزعيم الراحل جمال عبد الناصر رحمه الله تعالى لقناة السويس البحرية ، شنت القوات الانكليزية والفرنسية والصهيونية هجوما مسلحا مدبرا شاملا على مصر العربية ابتدأ بأختراق صهيوني على جبهة سيناء بعيد ظهيرة يوم 29 تشرين أول/1956 ليعقبه بعد ليلة واحدة غزو للأراضي المصرية وقصف عنيف بالطائرات والمدافع والبوارج البحرية للعديد من مدنها نفذته القوات الانكليزية والفرنسية لسبعة أيام متواصلة ولم توقفه مجبرة إلا منتصف ليلة 6-7 كانون أول/1956. ولقد تصدى شعبنا العربي في مصر بتلاحم خلاق بين جيش الشعب وشعب الجيش ، ومؤازرة والتفاف صميمين وراء القيادة الوطنية للبلاد ..، لهذا العدوان الآثم ببسالة فائقة ، وشجاعة نادرة ، ومقاومة فذة عنيدة أذهلت الأعداء وأبهرت كل شعوب الدنيا . وإزاء هذه المقاومة الباسلة الثابتة لشعب كاد إن يكون اعزلا بالمقارنة مع هول ترسانة القتل والدمار التي أنزلتها به آلة الحرب الغاشمة لدول حلف العدوان الثلاثي ، كان لابد لكثير من شعوب العالم وقادة دولها وحكوماتها ، أن تتحرك ردا للبغي والعدوان ودعما للحرية والعدل والسلام . وهذا ما كان ، فقد تجاوز الدعم ، من العديد من شعوب ودول العالم ، مجرد إصدار بيانات التأييد ، أو إعلان تصريحات التنديد ، إلى فتح مراكز التطوع للقتال إلى جنب شعبنا في مصر العربية . هذا علاوة على فتح مراكز أخرى للتبرع بالعيني من الأشياء والمهمات التي تسعف الجرحى وتعين المتضررين والمشردين من أبناء مدن المواجهة . ولقد كان من أكثر القرارات جرأة على العدوان والعدوانيين ، وانتصارا للحرية والعدل والسلام ، هو ألإنذار الذي وجهته القيادة السوفيتية إلى حكومات دول العدوان الثلاثي بتوقيع الماريشال بولجانين رئيس الوزراء الروسي آنذاك والمتضمن أمرا سوفياتيا لتلك الدول بالإيقاف الفوري لحربها العدوانية وإلا دكت عواصمها بالصواريخ السوفيتية . وحينذاك أيضا سارع العدوانيون مهرولين متباكين منتخين بحليفتهم وقائدة معسكرهم الامبريالي الولايات المتحدة الأمريكية ، فما كان لهم من مجيب . فما أشبه الليلة بالبارحة ، إلا إن ليلتنا هذه قد زادت فشهدت صفعة ساحقة أنزلها العملاق الروسي بالقزم الجورجي ، بعدما توهم ذلك القزم فيمن حالفهم لأكثر من عشر سنين خيرا ونصرة .
وكما كان موقف الاتحاد السوفيتي المتصدي بكل ثقله السياسي والعسكري للعدوان الثلاثي على مصر العربية مدخلا لسيادة نظام عالمي جديد كان من ابرز سماته أفول نجم الهيمنة الاستعمارية التقليدية وهزيمتها في اغلب مناطق العالم تحت ضغط المد المتصاعد لحركات التحرر الوطني في كل من أسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية ..، فأن الموقف الحازم الذي اتخذته روسيا الاتحادية تجاه جورجيا يؤشر بداية لحقبة جديد في العلاقات الدولية من المؤكد إن من ابرز سماتها نهاية عصر الهيمنة الانفرادية الأمريكية وعودة متسارعة لعالم متعدد الأقطاب .
وكما كان انتصار الولايات المتحدة الأمريكية قائدة التحالف الثلاثيني العدواني على العراق العربي فيما سمي حرب الخليج الثانية عام 1991 ، وهيمنتها شبه المطلقة – كنتيجة مباشرة لذلك الانتصار- على كامل منطقتنا العربية وعموم العالم ..، احد الأسباب الرئيسية وراء شرذمة الاتحاد السوفيتي وتفككه دولا شتى ..، فان الفشل المستمر الذي يلاحق المشروع العدواني الأمريكي في منطقتنا العربية وعموم العالم ، ومنذ غزوها لأفغانستان المسلمة وعراق العروبة واحتلالهما بالكامل احتلالا مباشرا ، رغم حشدها كامل قوتها وترسانتها العسكرية ، واستعانتها ، بالترغيب حينا والترهيب أحيانا أخرى ، بترسانة وإمكانيات حلفائها الآخرين ، وأنفاقها بسخاء أستنزف أموالا طائلة وأرقاما مهولة من موازنتها وودائع خزائنها ، وتجنيدها لقطعان لا آخر لهم من الخونة والعملاء والعصابات والمرتزقة ، وتفننها في ابتكار وتطبيق شتى الخطط والأجندات والسياسات ، وتوظيفها غير المحدود لماكينة دعايتها وأعلامها ، واستخدامها واسع النطاق لكل الأساليب القذرة والأسلحة المحرمة ، وفي شتى ميادين حربها المسعورة على شعبي أفغانستان والعراق الصابرين ..، سيبقى سبب رئيسي لاستفاقة العملاق الروسي من غفوته التي طالت لزمن جيل كامل .
إن المشروع العدواني الأمريكي ما كان ليفشل ابتداءا ، ولا إن يستمر في فشله لاحقا وحتى يومنا هذا ، لولا المقاومة الباسلة التي نهضت بها طلائع شعبي أفغانستان والعراق الصابرين . فلقد تمكنت حركتي المقاومة الوطنيتين في كل من أفغانستان والعراق من التصدي ببسالة فائقة لزعيمة محور العدوان وقائدة المعسكر الامبريالي ، القوة الأعظم عسكريا واقتصاديا وسياسيا في عالمنا المعاصر ، ثم دفعها دفعا ، إلى وحل الهزيمة المنكرة . غير انه من نافلة القول ، ودون أي غرور أو تهوين من دور مقاومة أخوتنا ورفاق النضال التحرري في أفغانستان المسلمة ، ودون أي سلب لدورهم الفعال والمؤثر في هزيمة المشروع الأمريكي وسحق ما رصد له من عناصر العدوان ..، أن نؤكد حقيقة مفادها إن مقاومتنا العراقية اليعربية الباسلة هي من تتقدم صفوف جميع المقاومين للهيمنة الاستعمارية الأمريكية المناهضين لمشروعها الكوني ، فيما جمعته من رصيد المواجهة المتميزة والانتصارات الباهرة والضربات النوعية المتفوقة والخسائر الجسمية التي أنزلتها بقطعان المحتلين الغزاة وحلفائهم وعملائهم ، وهي التي لم تزل تمسك بخطامهم مجتمعين ، ولم تزل تبقيهم ومنذ خمس سنين ، ضمن دوامات وحل الخسران والهوان حتى باتوا قاب قوسين أو أدنى من هزيمتهم الشاملة الساحقة النهائية بأذن الله تعالى .

العراق المحتل
16/8/2008

الثلاثاء، 12 أغسطس 2008

ويستمر (الطك) عراقيا يعربيا

ويستمر (الطك) عراقيا يعربيا ..

( 1 ) بداية هذا الأسبوع نشرت لي مقالة بعنوان ((حظ في السحاب .. وعقل تحت التراب)) ، قلت فيها :(( إن من مبتكر السلوك المنحط لخونة عراق العروبة وعملاء محتليه تعمدهم قلب ما أستقر في وعي شعبنا الصابر من مفاهيم وقيم رأسا على عقب ..، وذلك من خلال تزييفهم لحقائق الأمور ، وتحريفهم لوقائع الإحداث ، وحرصهم الدائم على تشويه الغايات السامية والمقاصد النبيلة للفعل المقاوم المتصدي ببسالة قل نظيرها لوجود سائسيهم المحتلين وخططهم الامبريالية وسياساتهم الاستعمارية . فالاحتلال ، عند اؤلئك الدجالون الأفاقون ، تحرر من العبودية ، والانغماس في تنفيذ مشاريعه وخططه الاستعمارية انتصار للحرية ، وقتل ما يزيد على المليون وربع المليون عراقي وتشريد عدة ملايين أخرى وإطلاق يد أراذل المجرمين على من تبقى منهم ممسكا بوطنه هو عندهم نصر ناجز لمظلوميتهم التاريخية ، ونهب ثروات العراق وتدمير مدنه وحواضره وتفتيت مؤسسات دولته إقرار لعدالتهم المنسية ، ومسخ هويته الحضارية وسلخه عن محيطه العربي وانتماءه القومي وتجزئته وتقسيمه ترسيخ لتعدديتهم وتوكيد لديمقراطيتهم ، والطائفية والعنصرية عندهم هما المرجعية فالولاء لهما لا يتقدم عليه ولاء آخر ، والعمالة عندهم هي الوطنية ، والخيانة نزاهة وشفافية ، ومقاومة المحتل وسياساته وخططه وأعوانه عندهم إرهاب وخروج على قانونهم ... )) .
ولم تكد تمضي بضعة أيام على نشر مقالتي حتى دفع الواقع العراقي بشاهد على صدق ما قلت . فها هو احدهم يكتب تحت عنوان ((خاتمة (الطك) لأهالي ديالى)) *، فاضحا ومفصحا في آن معا عن ذلك السلوك المبتكر لخونة عراق العروبة وعملاء محتليه .
دعونا أولا ، وقبل التعرف على مضمون ما حمله ذلك العنوان وتعريته ، نتعرف على شخص كاتبه .
( 2 ) الكاتب هو فارس حامد عبد الكريم ، عمل مديرا عاما في ما يسمى هيئة النزاهة العامة التي تم تشكيلها بموجب الأمر رقم 55 الصادر في 28/1/2004 عن ما يسمى سلطة الائتلاف الموحدة التي أنشأها المحتلون الأمريكان عقب احتلالهم لعراقنا العربي لإدارة وتوجيه جميع نشاطات مؤسسات الدولة ، ونصبوا مندوبهم السامي ((بول بريمر)) رئيسا عليها وحاكما على عراقنا المحتل . ثم عين بمنصب نائب رئيس الهيئة المذكورة لفترة من الزمن ، ليطاح به من قبل خصومه ، ثم ليعود إلى منصبه ثانية بقرار حكم قضائي . وغني عن البيان إن من وقع عليه الاختيار ليكون مديرا عاما في مثل هذه المؤسسة ، ثم رقى لمنصب نائب لرئيسها ، لابد إن يكون من أصحاب الحظوة عند المحتلين الأمريكان وعند دهاقنة عملائهم . ولابد إن يكون أيضا من المهادنين للمحتلين الغزاة ، الداعمين لاحتلالهم واستمراره ، المؤيدين لخططهم وسياساتهم ، المشاركين في برامجهم وأجنداتهم . وهو لاشك أيضا من المناهضين لكل من يقاوم أولياء نعمته المحتلين الغزاة ، ولكل رافض لوجودهم . وبدون ذلك – على الأقل - لا يعقل إن يقع اختيار المحتلون وزبانيتهم المقربين عليه لينصبوه على ما نصبوه من مناصب في مؤسسة هم ابتدعوها . وهي المؤسسة التي أناط بها المحتلون مهام محاربة الفساد الإداري والمالي الذي استشرى عقب احتلالهم لعراق العروبة بين عملائهم وأجهزة حكومتهم العميلة ، غير أن هذه المؤسسة التي ابتدعوها زاحمت فاسدي حكومتهم العميلة بفسادها حتى أزكمت روائح فسادها أنوف دواب المحتلين ليطالب قطيع منهم بلسان أحدهم (رئيس لجنة النزاهة في مجلس دواب المحتلين) جهارا نهارا بإقالة رئيسها ومحاسبة المفسدين من مسؤوليها . وهي ذات المؤسسة التي خطفت أخبارها والاتهامات الموجهة إليها أضواء الإعلام فترة من الزمن ، خصوصا بعدما منع رئيس حكومة المحتلين(نوري المالكي) سفر رئيسها (القاضي راضي حمزة الراضي) على خلفية اتهامه بالفساد ، ولكن الأخير تمكن من استغفاله والهرب إلى أمريكا مصرحا من هناك بأنه يملك وثائق وأدلة على فساد رأس الحكومة ومن بمعيته من مستشارين ووزراء وانه سيضعها أمام أنظار النواب الأمريكان ..، فغضب الأول وأزبد وأرعد وتوعد من هرب بالقصاص ..، إلا انه وبعد مضي بضعة أيام على وعيده – وبقدرة قادر – وافق على منحه تقاعدا مريحا في دولة العم سام !!.. ترى أي ثمن كان يقف وراء تخلي المتوعد عن وعيده ؟ . وأي ثمن قد قبضه الهارب عن سكوته ؟ .
والكاتب يزعم انه حاصل على شهادة البكالوريوس في القانون بتقدير جيد جدا ، والمتفوق الأول على دورته ، وحاصل على شهادة الماجستير في القانون أيضا ، التخصص : فسلفة (هكذا جاءت بالنص في بطاقته التعريفية المنشورة على مركز النور) قانون ، تشريع ، مدني ، إداري .. ، وهو تخصص لابد إن ينفرد به الكاتب دون سواه من القانونيين في العالم أجمع . إذ يعرف حتى المبتدئين في الدراسات الأولية للقانون أن ثمة توزيع مستقر فقهيا وأكاديميا لاختصاصات القانون على فروعه الثلاث الشائعة وهي القانون العام ، والقانون الخاص ، والقانون الدولي . فالقانون المدني الذي يزعم الكاتب التخصص فيه هو من فروع القانون الخاص ، بينما القانون الإداري الذي يزعم التخصص فيه أيضا هو فرع من فروع القانون العام ، فكيف تسنى للكاتب الزعم بأن يجمع التخصص في كلا القانونين (المدني والإداري) على السواء وبشهادة اختصاص واحدة ، مع إن كلا منهما يتبع فرع من فروع القانون ؟ .. هذا خصوصا وان الكاتب لم يورد في سيرته التعريفة الزعم بحصوله على شهادتي ماجستير كل منهما باختصاص محدد . وهذا – أيضا - مع تنحية ما زعمه عن تخصصه في فلسفة القانون والتشريع الذين هما من أصول العلوم القانونية . واضح أذن أن الكاتب بهذا الزعم إنما أراد إن يلبس نفسه جلباب التخصص بعلوم لا يفقه استحالة جمعها بشهادة اختصاص واحدة ، وفي ظنه إن مثل هذا الزعم سينطلي على عموم الناس . ولسنا ندري أهي مجرد نزوة للتبختر في نفس الكاتب قضاها ؟ .. أم هو ذات المسلك المعتاد عند صنيعة المحتلين وتوابعهم ، الشبيه تماما بمسلك الزميل السابق للكاتب في عمله ، مدير عام دائرة الوقاية والشفافية في ذات الهيئة التي ينتسب إليها الذي سبق وأنتحل وثيقة مزورة بشهادة جامعية صادرة عن كلية الإدارة والاقتصاد / جامعة بغداد ، فلما افتضح أمره ولى هاربا بما حمله من أموال الفساد (سبحان الله ما يتم فضح أمر أحدهم حتى ينجو بفعلته هاربا إلى خارج الديار ، وبرغم ذلك يقولون : أنها دولة قانون !!) ، فسيق إلى محكمتهم الجنائية المركزية التي أصدرت بحقه حكما غيابيا يقضي بسجنه 15 عاما بالتمام والكمال * .
( 3 ) كان لابد للكاتب لكي يكون على مسلك أقرانه المبتكر من إن يقلب حقائق الأمور رأسا على عقب ، لذا بدأ ما كتب بتصوير رومانسي حالم عن المشهد العراقي الراهن حيث ((رحيق عسل ورد وفاكهة برتقال ورمان بساتينها تنقله الفراشات والنحلات العاملات الى بيوتات العراقيين كافة )) و((ما برح البلبل الفتان يغني على أغصانها بأعذب الألحان)) . وهو تصوير يناقض تماما ما هو كائن فعلا في الواقع ، حيث أزير طائرات المحتلين من كل نوع ومن كل لون ومن كل حجم يصرع السكون أناء الليل وأطراف النهار ، وحيث هدير سرف (جمع سرفة وهي الحزام الناقل لحركة الدروع على الأرض) مجنزرات المحتلين ودباباتهم يصم آذان السامعين من كل الأعمار ، وحيث بنادق ورشاشات عساكر المحتلين وشرطة وحرس حكومتهم العميلة لا تتوقف عن إطلاق رصاصاتها تصويبا أو تحذيرا ، في كل طريق يسلكونه ، وعبر كل شارع يقطعونه ، وحيث الخراب والتدمير والقتل يوزعه المحتلون على سائر مدننا وأحيائنا وقرانا ، وحيث البطش والغدر تفتك به عصابات وميلشيات حكومتهم العميلة التي هندموها فالبسوها ثيابا للشرطة أو الحرس ، وحيث هوان الذل ، وذل الهوان ، تسقيه حكومة المحتلين العميلة لعموم شعبنا الصابر فتحرمه الكهرباء والماء وسائر الخدمات الأساسية الأخرى التي لا تفتقدها كثير من أفقر شعوب الأرض ...، وما هذا إلا غيض من فيض ما يعيشه عراق العروبة ويعانيه شعبه الصابر منذ أكثر من خمس سنين .
( 4 ) يقول الكاتب :((ابن ديالى ، سني أو شيعي ، مسلم أو مسيحي ،عربي او كردي ، هو عراقي دائماً ... لا يقبل مطلقاً ان تداس كرامة وطنه او شعبه والموت دون ذلك.)) ، ولعمري انه قول الحق أريد به الباطل ، وإلا فهل من كرامة الأوطان إن تدنس أراضيها قطعان المحتلين ؟ . وهل من كرامة الأوطان إن تُقَطّع أوصالها بقرار من محتليها ؟ . وهل من كرامة الشعوب إن تستعبد وتستعمر وتذل وتنتهك حرماتها من أجنبي غازٍ ؟ . وهل من كرامة الشعوب إن يفرض عليها مستعمروها ما تختاره إرادتهم دون إرادتها ؟ ..
ثم ها هم العراقيون النجباء الاصلاء الأوفياء لوطنهم ودينهم وقيمهم الأمناء على عهدهم ، ها هم منذ خمس سنين يذودون عن كرامتهم التي امتهنها المحتلون وعملائهم فيصولون عليهم في كل حين ، وفي كل مكان ، صولة الحق وينزلون بهم وبأعوانهم مر عذاب الله العزيز ، ومع هذا فان الكاتب لا ينفك عن تكرار وصمهم بـ((الأشرار)) و ((الإرهابيين)) و((القاعدة)) !! .. ألم يكن حريا به - وهذا قوله- الدعوة إلى قطع أرجل وأيادي كل أجنبي دنس تراب وطننا العزيز فأحتل أرضنا واستعبد شعبنا ؟ .. فلماذا إذن انقلبت الحقائق عنده فأحالت العراقي الذائد عن كرامة وطنه وشعبه إلى ((إرهابي ، شرير ، من القاعدة)) ؟ . هل فات الكاتب الاطلاع على ما اعترف به قادة المحتلين الأمريكان بأنفسهم ، من انه لا وجود لتنظيم القاعدة في العراق قبل نيسان/2003 * ، أي قبل تاريخ احتلالهم لوطننا العزيز ، وبما يعني إن المحتلين الأمريكان هم من جلب القاعدة إلى عراقنا العربي ، وهم وحدهم من يتحملون كامل المسؤولية عما ترتكبه وينسب إليها من أفعال إرهابية ... فلماذا إذن يكرر الكاتب ، ويصر ، على وصم الفعل البطولي لمقاومتنا الباسلة الذي ينال المحتلين الأوباش وعملائهم الأنذال بـ((الإرهاب)) ؟ .. ولماذا يحصر سفك دماء العراقيين بمن يسميهم ((الإرهابيين)) ، ويعني بهم مقاومينا الإبطال ، متغاضيا الإشارة – مجرد الإشارة ولا نقول ذكر- جرائم المحتلين الأمريكان بحق العراقيين على طول بلادنا وعرضها ..، جرائمهم التي لم يسلم منها طفل ولا امرأة ولا شيخ ناهيك عن شباب بعمر الورد ورجال زهوة لإقرانهم ..، جرائمهم التي لاحقت حتى المعتقلين في سجونهم فنالت من حياتهم ومن حيائهم ..، جرائمهم التي طالت الآمنين في مساكنهم ، والعابدين في المساجد ودور العبادة ، والراقدين في المشافي ، والتلاميذ والطلبة في المدارس والمعاهد والجامعات ، جرائمهم التي لم تتوقف عند القتل والإيذاء الجسدي لملايين من العراقيين بل تعدتها إلى اغتصاب حرائرهم ، وانتهاك أعراض النساء والرجال منهم على حد سواء ، وسرقة بيوتهم وممتلكاتهم ، والتخريب المتعمد لمدنهم ومنشآتهم ..، جرائمهم التي لم تسلم منها بيوت الله جوامع وكنائس . أم ترى هذا الكاتب لا يعتقد فيها جرائم تدين المحتلين الأمريكان ، مع أنهم -وتحت ضغط الرأي العام- كثيرا ما يجبروا على الإقرار بمسؤوليتهم عنها . ثم لماذا يصر على حصر سفك دماء العراقيين بمن يسميهم ((إرهابيين)) ، ويعني بهم مقاومينا الأشاوس ، ويبرأ ميلشيات الحكومة العميلة وأحزابها الخائنة والعصابات الصفوية لإيران الفارسية التي تعيث فسادا وإفسادا على أرضنا الطاهرة ، من جرائمها الخسيسة الدنيئة التي أزهقت أرواح مئات الآلاف من العراقيين ، وشردت الملايين منهم ، وانتهكت الحرمات ، واستباحت المقدسات ، ونهبت وسرقت ودمرت حتى لم يعد في قوس جرائمها من منزع ، فراح المحتلون الأمريكان وعملائهم يواجهونهم ويطاردونهم ، وحتى الساعة ، بعدما باتوا خطرا محدقا بهم ، واعترفوا معا بأن هذه المجاميع التي أسموها ((مسلحة)) كانت الأكثر دموية وشرورا ضد العراقيين . أم تراه في هذه لا يشاطر سائسيه المحتلين وعملائهم بما توجسوا به من خطرهم وما اعترفوا به من جرائمهم وشرورهم ؟ . باختصار شديد .. لماذا يصر هذا الكاتب على لصق ما ارتكب من جرائم بحق العراق العربي وأهله بأبنائه الذائدين عن حماه وكرامته ، فيما يتعامى عن حقائق تدين المعترفين بارتكابها وتسميهم بأسمائهم ؟ .. ثم إن الكاتب يزعم انه قانوني ، ألم يفقه أن من أصول قواعد الإثبات المرعية قانونا : أن الإقرار دون أكراه هو سيد الأدلة . فبأية حجة أذن يهدر إقرار المجرمين بذنب جرائمهم .
( 5 ) ويزعم الكاتب إن روابط القربى والنسب بين مكونات الشعب العراقي تمتد إلى 5000 ألاف عام ، وان محاولات تفتيتها وتمزيقها ستبوء بالفشل . فنسأل : ومن سعى في تفتيت هذه الروابط ومحاولة تمزيق لحمتها وفك عراها غير المحاصصة الطائفية التي روج لها المحتلون الأمريكان ولم يزل ينفذ أجندتها عملائهم الطائفيون العنصريون الخونة ؟ .. فالقاصي والداني يعرف تمام المعرفة خلو عراق العروبة ، قبل تدنيس المحتلين وعملائهم لأرضه ، من أية حالة من حالات الصراع الديني أو المذهبي أو العرقي بين مكوناته ..، حيث كل العراقيين من أقصى الوطن إلى أقصاه في ألفة ومحبة ومصاهرة على شرع الله تعالى ..، ما سمع أحد يوما إن عراقيا قتل آخر أو انتهك عرضه أو سلب حقوقه لأنه على غير ما يعتقده ديانة أو غير ما يؤمن به مذهبا أو غير ما ينتمي له نسبا . فقط بعد احتلال عراقنا العربي صرنا نسمع بمثل ذلك ، وبما هو أكثر منه بشاعة وشناعة ، حيث يفتي معمموا الاحتلال وسدنة المجوس الصفويين باستباحة دم العراقي ويحرضون رعاعهم بكل وسيلة على أنفاذ فتاواهم .
أن البعيد قبل القريب يدرك اليوم أن تقسيم العراق ولايات طائفية عنصرية هو واحد من أهداف الغزو الأمريكي له ، وهو هدف التقى عليه أعداء العراق العربي المتحالفين منهم والمتصارعين فأضحى محورا لسياستهم جميعا تجاهه ، ولعل من اقرب مشاريع المحتلين السياسية التقسيمية للذكر في هذا الشأن مشروع السناتور ((بايدن)) الذي أقره كونجرسهم منذ نحو عامين . وها هي النزعة الطائفية والعنصرية التي روج لها المحتلون ونفذتها عصابات حكومتهم العميلة وميلشيات أحزابها المجرمة ، تفتك بالبلاد فبعد ((إقليم كردستان)) و((إقليم الجنوب)) ، تأتي الدعوة لاقتطاع كركوك العربية ، والدعوة إلى ((إقليم البصرة)) ، والصراع على الحدود بين الانبار والنجف !! (تصوروا) .. وسوف لن يتوقفوا عند هذا الحد ، لان تقسيم العراق العربي هدف التقت عليه مصالح المحتلين الأمريكان وحلفائهم الصهاينة وغرمائهم الفرس المجوس على السواء ، ولان الطائفية والعنصرية سمة لصيقة بعقول وسلوك ونفوس كل خونة عراقنا العربي وعملاء محتليه . فكل هذه الإطراف من يزرع الأحقاد والبغضاء والعداوة بين العراقيين ، وكل هذه الإطراف من يستفيد من تناحر العراقيين وتقاتلهم .
( 6 ) أما عن ديالى الباسلة ، التي هي اليوم مسرح لعملية إبادة ممنهجة ومتعثرة تشنها قطعان المحتلين ورعاع حكومتهم العميلة على مقاومينا الإبطال وحواضنهم الوفية هناك ، أملا في القضاء عليهم وعليها ، أو تحجيمهم وتحجيمها على اقل تقدير ، فأن مجرد تعثر تلك العملية وإعلان القائمين عليها تمديد مهلها وتوقيتاتها ، وتسترهم وراء ما يكررونه من مزاعم صعوبة تضاريس الأرض ، والحركة الدائمة للعدو ، لدليل قاطع على فشلها .وان هذا الفشل هو ما دفع قطعان المحتلين ورعاع حكومتهم العميلة لان يمعنوا في إزهاق أرواح الأبرياء هناك ، ويكثروا من اعتقالاتهم بين صفوف شباب ديالى ورجالها ، وهو ذات المسلك الذي سبق واتبعوه في البصرة ومدينة الثورة والسماوة وذي قار والموصل ، وكان الفشل في كل منها حليف لا يفارقهم . وسيستمر (الطك) بالمحتلين وعملائهم من ليوث ديالى الإبطال الأوفياء لوطنهم ، سيستمر (الطك) بالمحتلين وعملائهم من جميع مقاومينا الشجعان أولي الغيرة والحمية والنخوة حتى تحرير كامل أرضنا من دنس الغزاة والحاقدين بأذن الله العزيز ، ويومئذ فقط يفرح العراقيون ، كل العراقيين الشرفاء ، بنصرهم المجيد ..، ويومئذ فقط سيعلم الأفاقين ، خونة عراقنا العربي وعملاء محتليه ، أي منقلب ينقلبون .
* http://www.arabvoice.com/modules.php?op=modload&name=News&file=article&sid=11266&mode=thread&order=0&thold=0 * http://www.eyeiraq.com/show/6738.html
*
http://www.albadeeliraq.com/new/showdetails.php?id=17471&kind=news

العراق المحتل
12/8/2008

الاثنين، 11 أغسطس 2008

على هامش بحث الدكتور نوري المرادي

على هامش بحث الدكتور نوري المرادي

في الجزء الخامس من بحثه القيم الرصين عن السيدة الطاهرة فاطمة الزهراء عليها وعلى أبيها وبعلها وذريتها أفضل السلام وأزكى التسليم ، تناول الأستاذ الدكتور نوري المرادي موضوع بيعة الغدير وما يتصل بها من فروع * ، ذلك الموضوع الذي يشكل العمود الفقري للاعتقاد الصفوي بالنص الرباني على استخلاف نبينا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه من بعده أماما وخليفة على المسلمين .
وفي معرض تفنيده لمزاعم وحجج وأسس ذلك الاعتقاد الصفوي ، انقض الدكتور المرادي وعبر سبع فقرات مستقلة في مداخلها على مضمون وبنية ذلك الاعتقاد السقيم ، ليحيله ، بقوة الحجة ودقة البرهان ومنطق العقل الرشيد ، إلى هشيم من الترهات المتهالكة والمزاعم الفاسدة ..، وليسدد بالقول الحق ضربة قاصمة إلى عماد العقيدة الصفوية وأُس معتقداتها المنحرفة الضالة .
وكان مما يفهم عن ما نقله الدكتور المرادي من نص يعتمده عموم الصفويين لحديث وواقعة بيعة الغدير ، أورده محمد كاظم القزويني في كتابه الموسوم ((الإمام علي من المهد إلى اللحد)) ..، إن هذه الواقعة قد حدثت في يوم صيفي هو يوم الخميس الثامن عشر من شهر ذي الحجة الحرام من العام العاشر للهجرة النبوية المباركة ، إذ جاء فيه عن بيان ميقاتها ما نصه :((في السنة العاشرة للهجرة وفي يوم الخميس الثامن عشر من ذي الحجة وبينما كان الرسول عائدا من حجة الوداع وفي منطقة غدير خُم القريب من الجحفة، وكان الوقت قائظا وفي ظهيرة شديدة الحر، أوقف الرسول ص الجموع الغفيرة التي كانت معه ليخطب....)) . وهذا – اعني ميقاتها - ما تتفق عليه الروايات الصفوية ، إذ جاء في رواية أخرى منها ما نصه : ((لقد كان الوقت وقت الظهيرة ، وكان المناخ حارّاً إلى درجة كبيرة جداً، وكان الشخص يضع قسماً من عباءته فوق رأسه والقسم الآخر منها تحت قدميه ...)) .
غير انه ولدى مقابلة التاريخ الهجري الذي تتشدق به الرواية الصفوية ليوم واقعة بيعة الغدير بالتاريخ الميلادي ، تبين إن يوم الواقعة الموافق ((18 ذي الحجة عام 10 هـ)) يقابله في التاريخ الميلادي يوم ((15 آذار عام 632 م)) أو يوم ((16 آذار عام 632 م)) أذا ما تحسبنا لأقصى نسبة خطأ محتملة في المقابلة ..، بمعنى إن يوم الواقعة هو من الأيام الداخلة ضمن فصل الربيع وليس فصل الصيف . فإذا ما أضفنا لذلك ما تفصله المصادر العلمية عن مناخ البقاع المطهرة لمكة المكرمة والمدينة المنورة وما بينهما (حيث تقع منطقة الجحفة المعروفة هذا اليوم باسم رابغ على منتصف الطريق بين مكة المكرمة والمدينة المنورة والتي يجري فيها غدير خم) بقولها :((تصل الحرارة إلى أعلى معدلاتها (حوالي 45 درجة مئوية)في الفترة من (يونيو/ حزيران) إلى (سبتمبر/ أيلول) ، وتبلغ أدنى معدلاتها (حوالي 10 درجة مئوية) من(ديسمبر/كانون أول) إلى (يناير/كانون ثاني) ..، بينما تسقط معظم الأمطار مابين (نوفمبر/تشرين ثاني) وحتى (إبريل/ نيسان) ...)) ...، سيثبت لنا إن واقعة الغدير حدثت في مناخ ربيعي معتدل على أسوأ الفروض ، وليس في مناخ صيفي ((قائظ)) أو ((شديد الحرارة)) كما تزعم المصادر الصفوية للرواية .
من جانب أخر ، فان الرواية الصفوية تجزم بان الواقعة قد حدثت يوم الخميس ، بينما تكشف المقابلة التاريخية ليوم 18 ذي الحجة من عام 10 هـ انه يصادف يوم الأحد (عند الأخذ بتاريخ 15 آذار632 م كتاريخ ميلادي مقابل له) أو يوم الاثنين (عند الأخذ بتاريخ 16 آذار 632م كتاريخ مقابل له)..
وإذ نقرر إن ما قدمنا له لا يعدو إن يكون هامشا بسيطا يعاضد وبقوة الحجة والبينة ما أثبته الأستاذ الدكتور المرادي في بحثه من نقد أتى على ذلك المعتقد الصفوي من أساسه ..، فان ما هو مؤكد أنه حين تفشل أية رواية تاريخية جازمة في سردها لوقائعها وأحداثها ، قاطعة فيما تتمسك به من توقيتات زمنية لها ، عن أثبات توافق وتطابق تلك التوقيتات مع البيان الزمني للتاريخ ، فإنما تعلن بالدامغ من الدليل كذبها وتلفيقها وان تواتر جمع من الكاذبين الملفقين على روايتها جيلا من بعد جيل . وقديما قالت العرب : بذات فمه يفتضح الكذوب .

*http://www.shenaar.net/shenaar-folder/almorady-folder/nor1/34.html

العراق المحتل
11/8/2008

الأحد، 10 أغسطس 2008

حظ في السحاب .. وعقل تحت التراب

( 1 ) العمالة والخيانة .. مصطلحان مترادفان شائعان ، لم يخلو منهما تاريخ مجتمع من المجتمعات الإنسانية . واحسب إنهما ، ومنذ الاحتلال الأمريكي الغاشم لعراقنا العربي وحتى يومنا هذا ، من أكثر المفردات تداولا بين الأوساط النخبوية والجماهيرية العربية . ومع هذا فان لكل منهما – كمصطلح- أكثر من دلالة واحدة في المضمون .
فمصطلح العمالة قد درج استخدامه في علوم الاقتصاد للدلالة على قوة العمل (الأيدي العاملة) ، بينما يتم تداوله بين جمهور السياسيين والمثقفين للدلالة على التبعية السياسية للأجنبي . أما مصطلح الخيانة فهو أكثر تعددا في دلالاته من سابقه ، بالنظر لان ساحة تداوله كمصطلح تمتد لتدخل العديد من النظم والقيم والسلوكيات . وكأمثلة على ذلك ، فأن إحكام العبادات في شريعتنا الإسلامية الغراء تعتبر الكفر بعد الإيمان خيانة ، والمداهنة في التدين خيانة ، والغدر خيانة . كما إن إحكام المعاملات فيها تعتبر التطفيف في الموازين خيانة ، والغش والتدليس في البيوع خيانة ، وعدم الوفاء بالعقود والعهود خيانة . وضمن منظومة أعرافنا الاجتماعية الموروثة يعتبر خوض الزوج بأوحال العلاقات الجنسية غير الشرعية ، مع قيام رابطة الزوجية ، خيانة سافرة لتلك الرابطة . وضمن أطار نظامنا القانوني العقابي يعتبر النكوص عن أداء الأمانة لمن أئتمنها خيانة ، وهي جريمة يعاقب عليها القانون النافذ أيضا . كما وتعد جميع أشكال التخابر مع دولة أجنبية أو مع أية جهة أو شخصية مرتبطة بها ، وكافة طرق السعي لدى العدو دولة ومؤسسات ووسائل مساعدته بأي تصرف مادي أو معنوي والالتحاق ضمن صفوفه أو حشد الأشخاص أو الأموال لمصلحته ، وذلك بهدف تمكينه أو تسهيل مهمته في اجتياح الوطن أو اقتطاع جزء منه أو تهديد أمنه واستقلاله ووحدته ..، تعد جميعها أفعالا لجرائم كبرى ، وكل منها تعتبر خيانة . وبهذه الدلالة الأخيرة يتم تداول مصطلح الخيانة بين جمهور السياسيين والمثقفين . أعني : كدلالة على تجسيدها لواحد أو أكثر من الأفعال المجرمة قانونا والتي تمس أمن الدولة (شعبا وأرضا وسيادة) وتهدد وجودها واستقلالها ووحدتها . وبهذه الدلالة أيضا نستخدمها فيما يلي من حديث .
( 2 ) يفهم مما سبق بيانه إن العمالة بدلالتها السياسية تتضمن حكما التجريم بالخيانة بدلالتها القانونية العقابية . فكل عميل خائن ، غير إنه ليس كل خائن عميل . وذلك لان التبعية للأجنبي لابد وان تحمل التابع حملا إلى إطاعة أوامر المتبوع ومساعدته بكل وسيلة متاحة على تحقيق أهدافه ، فيرتكب من الأفعال المجرمة ما يدخله حتما في خانة الخونة لأوطانهم وشعوبهم .
ويفهم منه أيضا إن الإدانة بالخيانة تستوجب ثبوت ارتكاب المدان بها لواحد أو أكثر من أفعالها المجرمة بنص القانون النافذ ، إذ بدون ذلك ينعدم الركن المادي لجرم الخيانة . بينما ثبت الإدانة بالعمالة بتبني التبعية السياسية للأجنبي فكرا أو ممارسة ، وذلك لان تبني التبعية السياسية للأجنبي فكرا لابد وإن يقود صاحبها إلى الترويج لها والدفاع عنها بين أوساط الناس في المجتمع ، وهو تصرف محظور قانونا ، سواء كان قوليا أم فعليا .
( 3 ) وإذا كانت شعوب الأرض ، وعلى مر العصور ، قد اختلفت في كثير مما تؤمن به من قيم وما تتبناه من نظم سياسية واقتصادية واجتماعية وحتى أخلاقية ..، فإنها قد اتفقت ، فيما اتفقت عليه ، على ازدراء العمالة والخيانة ومقتهما ، واعتبارهما مفردتين منبوذتين ، ومسلكين مشينين لا يليقان إلا بالساقطين الأرذال من بني البشر . ولهذا كان منطقيا إن تتوافق التشريعات العقابية لجميع الشعوب على اعتبار هاتين المنقصتين من كبائر الجرائم ، وعاقبت من تثبت إدانته بأي منهما بالإعدام ، هذا بغض النظر عن الأسلوب الذي تنفذ فيه هذه العقوبة . فيظهر من ذلك مدى حزم المجتمعات الإنسانية على ردع كل من تسول له نفسه من أعضائها سلوك سبل العمالة والخيانة وذلك لإدراكها العميق بما تمثلانه من اعتداء سافر وتهديد حقيقي لوجودها وسلامة أمنها الداخلي ..، فأن عز الردع عن إن يردع ضعاف النفوس وثبت سقوطهم في أوحال الخيانة والعمالة ، فسيكون الموت إعداما جزاءا وفاقا لعمالتهم وخيانتهم .
وكل شعوب الدنيا قد تغفر لأبنائها ، ولو كانوا حكاما عليها ، ما يمكن إن يرتكبوه بحقها من الظلم أو القهر أو البطش ، لكنها لا يمكن إن تغفر لأي منهم خيانته لها أو عمالته لأعدائها . وكل شعوب الدنيا قد تقبل تبريرا لجرم زينته الأهواء أو دفعته الأقدار لأحدهم ، فتشمله بسماح عفوها ، لكنها لا يمكن إن تقتنع بما يمكن إن يتحجج به الخونة والعملاء تبريرا لخيانتهم لها وعمالتهم لأعدائها .
( 4 ) وإذا كان من معهود المسلك الشائن عند كل الخونة والعملاء ترويجهم بين الناس لشرعية خيانتهم ، ومشروعية عمالتهم ، فيسوقون تبريرا لذلك ، في كل آن ومكان ، ما اعتادوا على اجتراره كالبهائم من مزاعم كسر قيود ظلم الظالمين واستبداد المستبدين وعبودية المستعبدين (بفتح الباء) ..، متعامين , وبإصرار غبي ، عن ما ثبت في إدراك ووعي وقيم جميع الأمم والشعوب من أن الوسائل الفاسدة والسبل المنحرفة لا يمكن إن تكون أبدا أسلوبا مشروعا ومقبولا لتحقيق الغايات النبيلة – طبعا هذا بفرض صحة ما يزعمون - ..، وإذا كان من شائع نهجهم الضال استماتتهم على الدوام في تزيين خسيس تصرفاتهم ودنيء أفعالهم وإظهارها بمظهر الانجازات الخلاقة والفتوحات الباهرة ..، فان من مبتكر السلوك المنحط لخونة عراق العروبة وعملاء محتليه تعمدهم قلب ما استقر في وعي شعبنا الصابر من مفاهيم وقيم رأسا على عقب ..، وذلك من خلال تزييفهم لحقائق الأمور ، وتحريفهم لوقائع الإحداث ، وحرصهم الدائم على تشويه الغايات السامية والمقاصد النبيلة للفعل المقاوم المتصدي ببسالة قل نظيرها لوجود سائسيهم المحتلين وخططهم الامبريالية وسياساتهم الاستعمارية . فالاحتلال ، عند اؤلئك الدجالون الأفاقون ، تحرر من العبودية ، والانغماس في تنفيذ مشاريعه وخططه الاستعمارية انتصار للحرية ، وقتل ما يزيد على المليون وربع المليون عراقي وتشريد عدة ملايين أخرى وإطلاق يد أراذل المجرمين على من تبقى منهم ممسكا بوطنه هو عندهم نصر ناجز لمظلوميتهم التاريخية ، ونهب ثروات العراق وتدمير مدنه وحواضره وتفتيت مؤسسات دولته إقرار لعدالتهم المنسية ، ومسخ هويته الحضارية وسلخه عن محيطه العربي وانتماءه القومي وتجزئته وتقسيمه ترسيخ لتعدديتهم وتوكيد لديمقراطيتهم ، والطائفية والعنصرية عندهم هما المرجعية فالولاء لهما لا يتقدم عليه ولاء آخر ، والعمالة عندهم هي الوطنية ، والخيانة نزاهة وشفافية ، ومقاومة المحتل وسياساته وخططه وأعوانه عندهم إرهاب وخروج على قانونهم ... . ثم إن كثيرين من اؤلئك الأفاقين قد غرهم ما خلعه عليهم سائسيهم المحتلين من ألقاب ومسميات ، وما أسندوه إليهم من المناصب والكراسي ، وما البسوه إياهم من أقنعة الرياء والدجل ، وما دسوه في أفواههم وبطونهم من السحت الحرام ، فرحوا ينظرون من جهل عقولهم وتوافه أفكارهم وضال معتقداتهم وساقط تبريراتهم لما يزيفون من حقائق الأمور ، زاعمين الدراية بما يخوضون فيه من علوم ومعارف يجهلونها ، ومدعين زورا وتزويرا التخصص في ميادينها بشهادات علمية يفتقدونها ، ومنتشين بما يحسبونه حظوة عند سائسيهم المحتلين قد رفعت من شأن حظوظهم في هذه الحياة الدنيا لما فوق السحاب . وقد فات اؤلئك الأفاقين بان سحب المحتلين التي تحتضنهم ، سحب صيفية عقيمة عابرة . عقيمة حيث لا مطر فيها ، وان أمطرت فلا بلل منها ، وان بللت فلا نبت ولا ثمر يرجى من وراءها . وعابرة إذ عاجلا وليس آجلا ستبددها حرارة صيفنا اللاهبة ، أو تبتلعها رياح شتائنا الغاضبة . وحين تولي سحب المحتلين منقشعة عن سماء عراقنا العربي سيدرك اؤلئك الأفاقون بان ما حسبوه حظا في السحاب إن هو إلا وهم من أوهام عقولهم القابعة أبدا تحت التراب .

العراق المحتل
10/8/2008

الثلاثاء، 5 أغسطس 2008

أوهام التوبة ..

أوهام التوبة ..
( 1 ) منذ أسابيع خلت والحديث عن اتفاقية أمنية مزمع إبرامها بين المحتلين الأمريكان وحكومتهم العميلة ما يكاد ينقطع لفسحة زمن حتى يعود مجددا وبأكثر مما كان عليه في اتساع رقعة حواراته وتشعب قنوات مساراته وكثرة مجالات توقعاته ..، وبما يؤشر انه سيظل حديثا للساعة والى حين .
وعلى الرغم من حرص الإدارة الأمريكية على عدم نشر أي نص مكتوب لكل أو لجزء مما هو مزمع إبرامه ، وتكتمها عن الإعلان بأي تصريح يكشف حقيقة ما يجري الترتيب له من وراء الأبواب المغلقة لما يزعمون أنها قاعة تفاوض تجمع نفر من كوادرها السياسيين والعسكريين والأمنيين بحفنة من صنائعها العملاء ..، فأن المحتلين الأمريكان لم ينفكوا عن التأكيد ، بمناسبة وبدون مناسبة ، وعبر تصريحات العديد من مسؤوليهم ، ابتداءا من رئيسهم المجرم بوش وحتى مندوبهم الحاكم في بغداد رايان كروكر ، بأن هدف ما يجري ((التفاوض)) عليه ينحصر في ((تنظيم عمل وانتشار القوات الأمريكية على الأراضي العراقية)) . وهو ما يفهم منه إن ما يتم ترتيبه لإبرامه لا يتعدى بأي حال من الأحوال تقنين أساليب عمل وتوزيع قواتهم الغازية وبما يسهل عليها أداء مهامها ، ويضمن لها الحماية المتوخاة سواء عند تنفيذها لتلك المهام أو في قواعدها الدائمة ، ودون إن يتجاوز ذلك إلى ما يخص وجودها ومدى استمراره ، أو حجم تلك القوات ونوعية تشكيلاتها ، أو ما تتمتع به حتى ألان من ضمانات حرية حركتها زمانا ومكانا ، وشمولية سلطتها في التحري والمتابعة والحجز والقبض والتجريم على كل الأشخاص ، وعدم مسؤوليتها عن أية إضرار تنجم عن أي من تصرفاتها .
من جانب آخر فان المسميات المتغيرة لما يتم الترتيب لإبرامه والذي روج له ابتداءا على انه ((مذكرة تفاهم أمني)) ، ثم تحول إلى ((معاهدة أمنية)) ، ثم إلى ((اتفاقية أمنية طويلة المدى)) ، ثم أخيرا إلى ((بروتوكول أمني)) ، لم تفلح في تشتيت وعي عموم المتابعين والمهتمين عن الانتباه إلى وحدة مضمونها . فمع أن أهل الاختصاص يميزون بين القوة الملزمة الكامنة في كل مصطلح من المصلحات سالفة الذكر ، ومدى ما يتطلبه أبرام أي منها من أحكام وإجراءات وصلاحيات هي بالضرورة مختلفة عن بعضها البعض ..، إلا إن ذلك لا يمنع مطلقا من إن يفرغ مضمون اتفاق معين في شكل مذكرة أو معاهدة أو اتفاقية أو بروتوكول أو سواها ودون إن يؤثر ذلك بأي حال من الأحوال على ثبات ذلك المضمون أو الزاميته لإطرافه .
وهكذا لم يعد خافيا عن بصيرة كل ذي عقل لبيب مضمون ما يحرص المحتلون الأمريكان التستر عليه وما يرتبون هم وعملائهم لتنفيذه على ارض الواقع ، وان تغيرت مسمياته ، فهو ليس إلا تكريس لسياسات وخطط احتلالهم لعراق العروبة .
( 2 ) وباستثناء قلة تافهة أشهرت تأييدها ، وعلى بياض ، لما يزمع إبرامه بين المحتلين وعملائهم .. ثم زادت فهللت وطبلت لما يخفون ترتيبه ، مع جهلها الكامل به ، ثم زادت فتراقص رعاعها فاقدي الغيرة والحياء عرايا على أسنة الحروف ومخارج الكلمات بما يسوقونه من مبررات لموقفهم الخياني ..، فان الغالبية العظمى من أبناء شعبنا الصابر قد عارضت بصريح القول وواضح الفعل ما يزمع إبرامه وبأية تسمية كانت .
وإذا كان مما هو متوقع ومفهوم إن يتبنى الرافضون للاحتلال الأمريكي لوطننا العزيز من أبناء شعبنا الصابر ، والمناهضون لسياساته وخططه وزبانيته ، والمؤمنون الملتزمون بحرية العراق العربي أرضا وشعبا وأرادة كشرط أول وأساس لأية عملية بناء له أو نهوض به ..، موقفا قاطعا في رفضه لما يزمع إبرامه وما يتم الترتيب له بين المحتلين وعملائهم ..، فان من المستغرب وغير المفهوم إن يصر جمع من صنيعة المحتلين السائرين مع ركب مؤيدي خططه وسياساته المنخرطين في ما يسمى ((العملية السياسية)) والملوثين بما يشغلونه من مناصبها وكراسيها ، على حشر أنفسهم حشرا بين حشود الرافضين المقاومين لما يسعى لإبرامه سائسيهم المحتلين واقرانهم من العملاء والخونة . ويزيدنا استغرابا واستهجانا في آن معا ما يسوقه اؤلئك المنافقون الدجالون الساقطون سقوطا حرا إلى عميق أوحال خيانة الأوطان والعمالة للأجنبي من حجج هي الأكثر قبحا من قبيح أفعالهم لتبرير ما يزعمون انه رفض لما يزمع إبرامه سائسيهم مع اقرانهم . تلك الحجج التي حبكوها من واهن أفكارهم السقيمة وتافه معتقداتهم الضالة ورخيص ولاءاتهم المشينة ، ثم رفعوها لافتة تزعم ((انتهاك المعاهدة للسيادة الوطنية)) !! .. وكأن احتلال كامل أرضنا الطاهرة واستباحتها بالطول وبالعرض من قبل مئات ألوف الجنود والمرتزقة الأجانب ، لا يشكل مصادرة للسيادة العراقية ..، وكأن سلب حرية وإرادة كامل شعبنا الصابر واستعباده بالحديد والنار وانتهاك حرماته والتشريد القسري للملايين من أبناءه بعيدا عن مناطق سكناهم أو خارج حدود وطنهم ، لا يمثل استلابا للسيادة العراقية ..، وكأن نهب ثروات العراق الوطنية وهدم بناه التحتية ونشر الخراب والتدمير في شتى إرجاءه ، واختلاق الفتن وتأجيج الكراهية والبغضاء والأحقاد بين أبناء الشعب الواحد والتحريض على الفرقة والاقتتال فيما بينهم ، لا يعد استيلاءا على السيادة العراقية ..، وكأن ما أزاله المحتلون وغيروه بقوتهم الغاشمة من نظمنا وتشريعاتنا ومؤسساتنا لم يكن إعداما للشرعية العراقية ..، وكأن ما فرضوه من واقع سياسي وقانوني وأداري لم يكن وئدا للمشروعية الوطنية .. إلا بئس ما يزعمون ، وبئس ما هم به يتحججون .
( 3 ) وإذا كان ثمة بعضا ممن لا نملك التشكيك بصدق توجهاتهم قد ضللته شعارات المعارضة وبيانات التنديد ومسيرات الاحتجاج لاؤلئك المنافقين الأفاقين وإذنابهم ، فتوهموا الظن فيهم وفيما يزعمون خيرا ..، ناسين أو متناسين ((إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا ))(النجم/28) . وإذا كان قسما من هذا البعض قد أوغل أكثر في أوهامه فاعتبر ذلك ((صحوة)) للضمير الوطني فيهم ، متغافلا أو متجاهلا بان ضمائر اؤلئك الضالين المضلين قد ماتت ملعونة ، وشبعت موتا ولعنا ، منذ إن اختاروا بملء إرادتهم الخائنة تأييد المحتل ، ومساندتهم له في احتلاله لعراق العروبة ، ودعمهم له في تنفيذ خطط تمزيق العراق الواحد وتدميره وشرذمة شعبه وإفقاره ، ومعاضدتهم لقواته وعصاباته في تصفية وملاحقة مقاومينا البواسل ، ومساهمتهم غير المحدودة مع زبانيته في تنفيذ أجنداته على مختلف الأصعدة ، ومعاونته على شرعنة وترسيخ وجوده بكل ما تحت أيديهم من أدوات ووسائل الغش والخداع والتضليل باسم الدين تارة ، وباسم المظلومية التاريخية تارة أخرى ، وباسم الديمقراطية وحقوق الإنسان تارة ثالثة .. ، وان هيهات لميت من هذه الدنيا إن يدب فيه نبض الحياة إلا يوم يبعثون . نريد إن نقول : إذا كان هذا البعض قد انطلت عليه الأعيب اؤلئك المنافقين الأفاقين فظن واهما باحتمالية تراجعهم أو تحييدهم عن ما سبق لهم واختاروه طائعين من موالاة للمحتلين ومناصرة لسياساتهم ، أو إن قسما منه قد وسوست إليه أوهامه بإمكانية تبنيهم للموقف الوطني الرافض لما يزمع المحتلون إبرامه والترتيب له مع عملائهم ..، فان الحقيقة الساطعة كالشمس في رابعة النهار ، والتي لا يجوز إن تغيب عن وعي الوطنيين ولا يقبل تغاضيهم عنها تحت أي ظرف من الظروف ، تفيد باستحالة اجتماع العمالة والوطنية استحالة مطلقة ، فكلاهما نقيض الآخر وضده . ومن بعيد المستحيلات الإنسانية المنقولة والمعقولة تلاقي أي نقيضين على موضوع تناقضهما . لذا فلن يكون وطنيا أبدا من تآمر على حرية وطنه واستقلاله ووحدته ووجوده ، أو من تواطأ مع الأجنبي على غزوه وتدميره واستباحته ونهبه ، أو من أعان المحتلين لوطنه راغبا طائعا ولو بشق تمرة ، ولو بنبس شفاه ، ولو ببصمة إبهام ، ولو بإشارة مبهمة ، ولو بالحياد معهم عند المقدرة على التصرف المقاوم لوجودهم . فما بالكم باؤلئك المنافقين الأفاقين الذين ما زالوا ، ومنذ سنين عديدة ، يمرغون وجوههم كل يوم مرات ومرات ساجدين للمحتلين مسبحين بنعماء عمالتهم إليهم . وما بالكم بهم وهم يخوضون ، ومنذ خمس سنوات ، بنجيب دماء أبناء شعبنا الصابر . وما بالكم بهم وهم ، ومنذ احتلال وطننا العزيز ، يعيثون فسادا وإفسادا في ارض الفراتين ، ولم يسلم من كيد غدرهم ملايين العباد ، ولم تنجو من لؤم مكرهم كل البلاد . وما بالكم بهم وهم على ما هم عليه من دنيء الفعل وخبيث القول بكرة وأصيلا .
إن ما قدمنا له ، لا يعني بأي وجه ، إننا نسد ، أو ندعو لسد ، أبواب التوبة بوجه الراغبين فيها من الخطاءين بحق وطننا العزيز وشعبنا الصابر (وهل يملك احد سدها ؟) ، غير إن التوبة النصوح تستدعي أولا – وقبل أي فصال آخر- إعلان التائب استنكاره لما سبق واقترفه من ذنوب واعتذاره ممن جنى بحقهم . فهل سمع أو قرأ أي منكم استنكارا صريحا وعلنيا لأي من اؤلئك المنافقين الأفاقين عن قبيح ذنوبهم وفي المقدمة منها عمالتهم لمحتلي وطننا ؟ ..هل سمع أو قرأ أي منكم اعتذارا من اؤلئك الحاقدين دهاقنة الإجرام والدجل وطواغيت المكر والرذيلة عن خسيس صنعهم وكبائر فعالهم ؟ .. فأية توبة أذن تلك التي يتوههما الواهمون ممن لا توبة لهم ..؟

العراق المحتل
5/8/2008