وأخيرا استفاق العملاق الروسي من غفوة سباته . استفاق ، وكما كل العمالقة ، مستنهضا كامن نشاطه ، متحاملا على نعاسه وتكاسله ، متثائبا بفاغر فمه ، مستنشقا بملء رئتيه نسائم النقاء المتسربلة عبر هضاب سيبريا وسفوح الاورال ، فاردا ذراعيه ذات اليمين وذات الشمال .
وتشاء الأقدار إن تتزامن استفاقة هذا العملاق المارد مع اجتياح دبيب من القوات المسلحة الجورجية لاوسيتيا الجنوبية .. واوسيتيا الجنوبية هي الجزء الجنوبي من اوسيتيا التي دخلت تحت الولاية الروسية منذ عام 1878 م . ثم قسمت إلى كيانين شمالي وجنوبي الحق الأول منهما عقب تفكك الاتحاد السوفيتي بالاتحاد الروسي بينما الحق الثاني بجورجيا . ومنذ ذلك الحين تحول جورجيا دون وحدة شطري اوسيتيا ، وقد استخدمت القوة المسلحة لأكثر من مرة ضد اوسيتيا الجنوبية لإرغامها على التخلي عن سعيها للوحدة مع اوسيتيا الشمالية والانضمام إلى الاتحاد الروسي ، وكان آخرها الهجوم المسلح واسع النطاق في الثامن من هذا الشهر . نقول : شاءت الأقدار إن تتزامن استفاقة الدب الروسي مع اجتياح دبيب من القوات المسلحة الجورجية لاوسيتيا الجنوبية ، فما كان منه وهو للتو يقف منتصبا إلا إن داس بطرف الإصبع الأصغر لقدمه اليمنى على دبيب تلك القوات فأحالها مجتمعة قاعا صففا في برهة من زمن . وإزاء هذه الهزيمة المنكرة التي منيت بها القوات الجورجية ، تراكض سياسيو دولتها وهم متباكين بعالي صوتهم منتخين حلفائهم في الغرب الأوربي الأمريكي .. ولكن يا لحسرتهم .. ما من مجيب . فأعاد لنا هذا المشهد المذل ما اختزنته ذاكرة تاريخنا القريب من مشهد إذلال مشابه مر بحلفاء العدوان الثلاثي الغاشم على مصر العربية . إذ وعقب تأميم الزعيم الراحل جمال عبد الناصر رحمه الله تعالى لقناة السويس البحرية ، شنت القوات الانكليزية والفرنسية والصهيونية هجوما مسلحا مدبرا شاملا على مصر العربية ابتدأ بأختراق صهيوني على جبهة سيناء بعيد ظهيرة يوم 29 تشرين أول/1956 ليعقبه بعد ليلة واحدة غزو للأراضي المصرية وقصف عنيف بالطائرات والمدافع والبوارج البحرية للعديد من مدنها نفذته القوات الانكليزية والفرنسية لسبعة أيام متواصلة ولم توقفه مجبرة إلا منتصف ليلة 6-7 كانون أول/1956. ولقد تصدى شعبنا العربي في مصر بتلاحم خلاق بين جيش الشعب وشعب الجيش ، ومؤازرة والتفاف صميمين وراء القيادة الوطنية للبلاد ..، لهذا العدوان الآثم ببسالة فائقة ، وشجاعة نادرة ، ومقاومة فذة عنيدة أذهلت الأعداء وأبهرت كل شعوب الدنيا . وإزاء هذه المقاومة الباسلة الثابتة لشعب كاد إن يكون اعزلا بالمقارنة مع هول ترسانة القتل والدمار التي أنزلتها به آلة الحرب الغاشمة لدول حلف العدوان الثلاثي ، كان لابد لكثير من شعوب العالم وقادة دولها وحكوماتها ، أن تتحرك ردا للبغي والعدوان ودعما للحرية والعدل والسلام . وهذا ما كان ، فقد تجاوز الدعم ، من العديد من شعوب ودول العالم ، مجرد إصدار بيانات التأييد ، أو إعلان تصريحات التنديد ، إلى فتح مراكز التطوع للقتال إلى جنب شعبنا في مصر العربية . هذا علاوة على فتح مراكز أخرى للتبرع بالعيني من الأشياء والمهمات التي تسعف الجرحى وتعين المتضررين والمشردين من أبناء مدن المواجهة . ولقد كان من أكثر القرارات جرأة على العدوان والعدوانيين ، وانتصارا للحرية والعدل والسلام ، هو ألإنذار الذي وجهته القيادة السوفيتية إلى حكومات دول العدوان الثلاثي بتوقيع الماريشال بولجانين رئيس الوزراء الروسي آنذاك والمتضمن أمرا سوفياتيا لتلك الدول بالإيقاف الفوري لحربها العدوانية وإلا دكت عواصمها بالصواريخ السوفيتية . وحينذاك أيضا سارع العدوانيون مهرولين متباكين منتخين بحليفتهم وقائدة معسكرهم الامبريالي الولايات المتحدة الأمريكية ، فما كان لهم من مجيب . فما أشبه الليلة بالبارحة ، إلا إن ليلتنا هذه قد زادت فشهدت صفعة ساحقة أنزلها العملاق الروسي بالقزم الجورجي ، بعدما توهم ذلك القزم فيمن حالفهم لأكثر من عشر سنين خيرا ونصرة .
وكما كان موقف الاتحاد السوفيتي المتصدي بكل ثقله السياسي والعسكري للعدوان الثلاثي على مصر العربية مدخلا لسيادة نظام عالمي جديد كان من ابرز سماته أفول نجم الهيمنة الاستعمارية التقليدية وهزيمتها في اغلب مناطق العالم تحت ضغط المد المتصاعد لحركات التحرر الوطني في كل من أسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية ..، فأن الموقف الحازم الذي اتخذته روسيا الاتحادية تجاه جورجيا يؤشر بداية لحقبة جديد في العلاقات الدولية من المؤكد إن من ابرز سماتها نهاية عصر الهيمنة الانفرادية الأمريكية وعودة متسارعة لعالم متعدد الأقطاب .
وكما كان انتصار الولايات المتحدة الأمريكية قائدة التحالف الثلاثيني العدواني على العراق العربي فيما سمي حرب الخليج الثانية عام 1991 ، وهيمنتها شبه المطلقة – كنتيجة مباشرة لذلك الانتصار- على كامل منطقتنا العربية وعموم العالم ..، احد الأسباب الرئيسية وراء شرذمة الاتحاد السوفيتي وتفككه دولا شتى ..، فان الفشل المستمر الذي يلاحق المشروع العدواني الأمريكي في منطقتنا العربية وعموم العالم ، ومنذ غزوها لأفغانستان المسلمة وعراق العروبة واحتلالهما بالكامل احتلالا مباشرا ، رغم حشدها كامل قوتها وترسانتها العسكرية ، واستعانتها ، بالترغيب حينا والترهيب أحيانا أخرى ، بترسانة وإمكانيات حلفائها الآخرين ، وأنفاقها بسخاء أستنزف أموالا طائلة وأرقاما مهولة من موازنتها وودائع خزائنها ، وتجنيدها لقطعان لا آخر لهم من الخونة والعملاء والعصابات والمرتزقة ، وتفننها في ابتكار وتطبيق شتى الخطط والأجندات والسياسات ، وتوظيفها غير المحدود لماكينة دعايتها وأعلامها ، واستخدامها واسع النطاق لكل الأساليب القذرة والأسلحة المحرمة ، وفي شتى ميادين حربها المسعورة على شعبي أفغانستان والعراق الصابرين ..، سيبقى سبب رئيسي لاستفاقة العملاق الروسي من غفوته التي طالت لزمن جيل كامل .
إن المشروع العدواني الأمريكي ما كان ليفشل ابتداءا ، ولا إن يستمر في فشله لاحقا وحتى يومنا هذا ، لولا المقاومة الباسلة التي نهضت بها طلائع شعبي أفغانستان والعراق الصابرين . فلقد تمكنت حركتي المقاومة الوطنيتين في كل من أفغانستان والعراق من التصدي ببسالة فائقة لزعيمة محور العدوان وقائدة المعسكر الامبريالي ، القوة الأعظم عسكريا واقتصاديا وسياسيا في عالمنا المعاصر ، ثم دفعها دفعا ، إلى وحل الهزيمة المنكرة . غير انه من نافلة القول ، ودون أي غرور أو تهوين من دور مقاومة أخوتنا ورفاق النضال التحرري في أفغانستان المسلمة ، ودون أي سلب لدورهم الفعال والمؤثر في هزيمة المشروع الأمريكي وسحق ما رصد له من عناصر العدوان ..، أن نؤكد حقيقة مفادها إن مقاومتنا العراقية اليعربية الباسلة هي من تتقدم صفوف جميع المقاومين للهيمنة الاستعمارية الأمريكية المناهضين لمشروعها الكوني ، فيما جمعته من رصيد المواجهة المتميزة والانتصارات الباهرة والضربات النوعية المتفوقة والخسائر الجسمية التي أنزلتها بقطعان المحتلين الغزاة وحلفائهم وعملائهم ، وهي التي لم تزل تمسك بخطامهم مجتمعين ، ولم تزل تبقيهم ومنذ خمس سنين ، ضمن دوامات وحل الخسران والهوان حتى باتوا قاب قوسين أو أدنى من هزيمتهم الشاملة الساحقة النهائية بأذن الله تعالى .
العراق المحتل
16/8/2008
