السبت، 27 سبتمبر 2008

مكانكَ في القلوبِ يا جمال ..

الثامن والعشرين من أيلول .. يوم من أكثر أيام الحزن والخسارة التي تختزنها الذاكرة العربية عن تاريخنا الحديث . ففي مثل هذا اليوم من عام 1970 ثُكِلَت امتنا العربية بابنها البار الزعيم الخالد جمال عبد الناصر . وكان مما يزيد حزن امتنا المجيدة على ابنها البار ، ويعظم من خسارتها فيه ، إن رحيله عنها قد جاء في اشد أوقاتها حاجة إليه . ولقد كان من مفهوم التصرف الإنساني حينذاك إحاطة الملايين من أبناء شعبنا العربي في مصر لنعش الرئيس الراحل حتى مثواه الأخير في مظاهرة جماهيرية بالغة الرهبة والعنفوان وليس لها مثيل بالوصف أو بالكم فيما نعرفه من تاريخ شعوب المعمورة . وكان من معقول الفعل الجمعي اجتماع الملايين من أبناء شعبنا العربي في مسيرات تشييع رمزية مهيبة طافت شوارع وأزقة العشرات من المدن والحواضر العربية في ظاهرة لم تعرف لها امتنا العربية شبيها على مدى تاريخها المجيد . وكان من متوقع القلوب الشغوفة حبا بعبد الناصر إن يعتصرها الألم حزنا على فقدانه ثم يصرعها فيُغَيّب الوعي عن أصحابها لساعات طوال ، بل إن ثلة من تلك القلوب المرهفة حسا بحب عبد الناصر لم تطق مصيبتها فيه فأبت إلا اللحاق بروحه الطاهرة في عليين . وكان – أيضا- من مقبول المواقف ما أعلنه بالقول أو أفصح عنه بالفعل حشد كبير من زعماء العالم ونخبه وقادة دوله ومؤسساتها وملايين أخرى تستعصي على الحصر من أبناء شعوبه من مناصري نهج عبد الناصر التحرري وخطه السياسي المستقل ، عن عميق حزنهم وبالغ آلمهم لخسارته . أريد إن أقول : إن كل ذلك ، ورغم تفرد ظاهرة عبد الناصر التاريخية به وتفوقها فيه عن سائر الظواهر القيادية لسواه من القادة العظام في عالمنا المعاصر ، قد يقع فيما يمكن تخيله أو تصوره أو حتى تفهمه على انه من معقول ردود الفعل الإنساني تجاه عظيم النوازل وجلل المصائب الحالة عليه ..، غير إن مما هو غريب حقا عن منطق الأشياء إن لا يتردد جمع غير قليل من المخالفين لأفكار عبد الناصر ، والمناهضين لمواقفه ، والمعارضين لسياساته وتوجهاته ، بل وحتى المتآمرين على نظام الدولة التي يرأسها والأمة التي ينتمي إليها ، والمحاربين لهما بعدوانية شرسة بكل ما أتيح لهم من أساليب الحرب وإشكالها ..، لا يترددوا عن اعترافهم علانية بشجاعته ونزاهته ، واحترامهم لصلابته ، وإشادتهم بأدق التعابير الصريحة بقدرته على تعبئة جماهيره ومقدرته المتفوقة على قيادتها ، بل إن الكثيرين من هؤلاء لم يخفوا مدى انبهارهم بظاهرة عبد الناصر التاريخية وشخصيته المؤثرة واستقطابه لباب عقول وقلوب أوسع قاعدة جماهيرية ، خصوصا وان استقطابها لجماهيرها لم يتوقف عند حدود رعايا دولته القائم على سدة الحكم فيها ، وإنما امتد متسعا إلى ما هو خارج حدودها الإقليمية ، متوسعا عنها شرقا وغربا ودون قيد من أية حدود قائمة ، حتى غدا عن جدارة ، وفيما لم يسبقه إليه أي رئيس عربي من قبله ، زعيما لكل العرب ..، وحتى غدا عن استحقاق ، وفيما لم يسبقه إليه أي مناضل عالمي ، رمزا نضاليا لكثير من حركات التحرر الوطني وعلى امتداد سطح البسيطة .
وعلى اثر رحيل عبد الناصر كتب الشاعر العربي نزار قباني يرثيه ، فقال :
قتلناكَ.. يا آخرَ الأنبياءْ
قتلناكَ..
ليسَ جديداً علينا
اغتيالُ الصحابةِ والأولياءْ
فكم من رسولٍ قتلنا..
وكم من إمامٍ..
ذبحناهُ وهوَ يصلّي صلاةَ العشاءْ
ولكن .. وبرغم ما حل بأمتنا العربية من الحزن الفاجع والخسارة الجسيمة لفقدها ابنها البار ، فان الحقيقة المؤكدة التي كنا ، ولم نزل ، نؤمن بها ونؤكدها هي : إن جمال عبد الناصر لم يكن نبيا ، وما كان من الصحابة ، وما كان من الأولياء ..، إنما كان أنسانا ثائرا قائدا صادقا بكل ما تحمله هذه الكلمات من دلالات معانيها المضيئة . فلقد كان عبد الناصر أنسانا عايش معاناة شعبه الرازح تحت الاحتلال والعبودية وفساد الحكم والاستبداد وتسلط الإقطاع ورأس المال ، وتعايش مع آلام شعبه وحرمانه ، وتلبس همومه وبؤسه ، وشاطره آلامه وأحلامه ..، وحين خيرته دنياه بين عروضها رفض بكل ما ورثه من عناد وإصرار أهله الصعايدة العرب الاقحاح ما اعترضته ، أو عرضت عليه ، من المغريات والامتيازات وأختار إن ينحاز بقوة لا تعرف اللين إلى جانب كل الضعفاء من أبناء شعبه .. الفقراء المسحوقين المظلومين المغلوبين على أمرهم ..، في مواجهة أولي القوة والبطش من المحتلين المتسلطين والأغنياء المتجبرين والحكام الظالمين الفاسدين .
ولقد كان عبد الناصر ثائرا أدرك بعمق إن التصدي للعدوان والظلم والفساد ، ومواجهة جميع القوى المتسلطة على رقاب أبناء شعبه المتحكمة بشرايين حياتهم والمستأثرة بخيراتهم ، واقتلاعها من جذورها وإزالة آثار عدوانها وظلمها وفسادها ، واستعادة حرية الوطن المسلوبة وكرامة المواطن المستباحة ، وفرض المساواة وتكافوء الفرص بين أبناء الشعب الواحد ، وبسط العدالة بكل صورها والحياة الآمنة بجميع إشكالها لهم جميعا ..، أدرك وبعمق إن كل هذا ، أو بعضه ، لا يمكن إن يتحقق إلا بالنهج الثوري المتمسك أبدا بالتغيير الجذري للعلاقات المعوجة السائدة في المجتمع والنظم القانونية الساندة لوجودها ، وبما يسقط جميع المتآلهين على الشعب المتسيّدين بالباطل على إرادته الحرة ، لتسمو كلمة أبناءه منفردة بكامل السيادة على جميع ربوع وطنهم وفي عموم مؤسسات دولتهم . وهذا ما كان ، فلقد اسقط عبد الناصر الثائر ورفاقه في الثالث والعشرين من تموز / يوليو 1952 نظام الحكم المستبد الفاسد ، فكانت تلك الصفعة الأولى التي تسددها طليعة الشعب المسلحة والثمرة الشرعية للتيار الوطني التحرري في مصر العربية لأعداء شعبها ، لتتوالى بعد ذلك ضرباتها الموجعة لقوى الظلم والفساد والاستغلال فتحقق انتصاراتها المتلاحقة والمشرفة في معارك جلاء القوات المحتلة وتحديد الملكية الزراعية والقضاء على سيطرة رأس المال وبناء وتحديث القوات المسلحة واستعادة المنهوب من خيرات الوطن ومقدراته وتوظيفه بكل مهارة ودقة في إبرام وتسريع خطط التنمية الاقتصادية والاجتماعية وفي شتى ميادين الحياة العامة وتجسيد سلطة الشعب الكاملة على نفسه وأرضه ودولته من خلال إقرار وتنظيم المؤسسات التشريعية والدستورية .
وكما كانت انجازات ثورة عبد الناصر ورفاقه مكاسب عظيمة وانتصارات مذهلة حلقت بمصر العربية منطلقة في سماوات التحرر والبناء والتنمية الخلاقة ، كانت أيضا ضربات قاصمة لوجود الاستعمار وقاطعة لدابر الهيمنة والتبعية وساحقة لواقع التخلف ، فكان بديهيا إن تتكالب عليها قوى العدوان المتعددة سواء ما كان منها مثخنا بهزيمته المرة من ضربات ثورة عبد الناصر متوثبا بحقده المتأجج عليها للانتقام منها ، أو ما كان منها مستهدفا هزيمة الثورة عقابا لها على مساندتها ومعاضدتها لقوى التحرر التي تقاوم احتلاله لأوطانها ، أو ما كان منها ساعيا لوئد الثورة وإنهاء مدها التحرري كضمان لابد منه لاستمرار وجوده وتحقيق غاياته العدوانية في المنطقة . وهذا ما كان حين انطلقت قطعان العدوانيين متشاركة متآمرة بعدوانها الثلاثي الغاشم نهاية تشرين أول /أكتوبر 1956 . غير أن ثورة يقودها عبد الناصر كان لابد لها إن تنتصر على العدوان وأهله ولو كانوا من دول العالم العظمى ، فلقد تصدى لهم وقاومهم وقاتلهم ببسالة باهرة وعلى امتداد سوح وطننا العربي جيش يعربي هو شعب عبد الناصر ، ولقد هزمهم هزيمة منكرة شعب يعربي هو جيش عبد الناصر .
وإزاء هذا النصر المجيد تنادت جماهير امتنا العربية بابنها البار الثائر جمال عبد الناصر قائدا لمعارك تحررها ضد الاستعمار والهيمنة والوصاية ، فكانت تلك هي المرة الأولى من مرتين لا سواهما في كل التاريخ العربي بايع فيهما الشعب العربي قائدا له بعيدا عن ما يقيد هذا الشعب في دوله القائمة من نظم دستورية وقانونية ، ودون اعتداد منه بأية حدود إقليمية مصطنعة تجزئه ، وكان جمال عبد الناصر في كلتيهما هو الزعيم الذي بايعته جماهير أمته قائدا لمعارك تحررها .
وتحت هذه القيادة التاريخية الفذة رفرفت رايات الحرية على ربوع وطننا الكبير فأفشل شعبنا العربي مؤامرة الامبرياليين الأمريكان وحلفائهم الصهاينة بالعدوان على سوريا العربية عام 1957، ثم أقام أول دولة وحدودية عربية في تاريخه الحديث في 26 شباط/فبراير 1958 ، ثم أشعل الثورة التحررية في العراق في 14 تموز/ يوليو 1958 ليسقط الملكية الفاسدة وليقبر معها حلف بغداد العدواني ، ثم لتنتصر ثورة الجزائر التحررية في 19 آذار/ مارس 1962 وليهزم الاستعمار الفرنسي بعد ما يناهز مئة وثلاثين عاما من احتلاله لها ..، ولتتوالى بعد ذلك انتصارات المد القومي التحرري العربي تدك قلاع العبودية وتنهي الوجود الاستعماري عن أرضنا العربية الطاهرة .
وستأتي المرة الثانية يومي 9 و10 حزيران /يونيو 1967 وعقب الهزيمة الغادرة التي حلت بالأمة وقائدها . فما إن أنبرى القائد عبد الناصر يخاطب أمته معلنا استقالته من منصبه الرسمي وتركه لكل دور قيادي يشغله ، مؤكدا في الوقت ذاته على تحمله كامل المسؤولية عن الهزيمة المرة واستعداده التام للمثول إمام محاكم الشعب والنزول عند حكمها ..، حتى هبت جماهير شعبنا العربي ليس في مصر العربية وحدها ، وإنما في جميع إرجاء وطننا العربي الكبير ، تعلن رفضها استقالة أبنها البار ورئيسها وزعيمها عبد الناصر ، وتصدح حناجرها بصوت موحد يتمسك به ويجدد مبايعتها له قائدا لمعارك تحررها .
وكما تمسكت جماهير امتنا العربية بعبد الناصر قائدا لمعارك تحررها ، فان ابنها التي ما عهدته إلا بارا بها لم يخذلها ، لتعاود الأمة قطاف ثمار نضالها وصبرها مزيدا من الحرية تحت قيادته ، فها هو السودان العربي يفجر ثورته التحررية في 25 أيار / مايو 1969 ، لتلحق به ليبيا العربية بثورتها التحررية في الفاتح من أيلول / سبتمبر 1969 ، ولتستمر محتدمة متصاعدة معارك التحرر في فلسطين المغتصبة والجنوب العربي ضد المحتلين المستعمرين ، ويترادف مع كل ذلك وغيره إعادة بناء لجيش مصر العربية وإدامة للاشتباك مع الصهاينة وإعداد وتجهيز متواصلين لمعركة الثأر وتحرير الأرض التي تحققت بعد حين .
وإذا كان من معقول التصرف مبايعة جماهير امتنا العربية لابنها البار جمال عبد الناصر قائدا لمعارك تحررها بعد تحقيقه نصره الناجز على دول العدوان الثلاثي الغاشم ..، فأن من خارق المعهود إن تتمسك أمة ما بقائد وتبقي على قيادته لها في وقت حلت به وبها الهزيمة العسكرية المرة وشبه الكاملة !!.. وأنها لواقعة لم يعرف لها التاريخ الإنساني نظيرا وحتى يومنا هذا .. وهاهنا من حقنا ، بل من واجبنا ، إن نسال : لماذا تمسكت أمة أطبقت الهزيمة على أوداجها بقائد هزمته جيوش العدوان الغادرة حتى كادت آثار هزيمته تحيط به من كل مكان ؟ ..
بأي منطق آخر سوى منطق الأمة التي تجزل الوفاء لمن أوفى المبدأ والموقف لها من أبنائها ، وتتمسك بمن بَرَّ واخلص النية والعمل إليها منهم ، سيتعصي علينا فهم ما حدث . ولقد كان جمال عبد الناصر وفيا لامته ، بارا بها ، متمسكا بثوابتها وقيمها ، متفانيا في الذود والدفاع عنها ، شجاعا في مواجهة أعدائها ، مخلصا في العمل من اجلها ، أمينا ممسكا على أهدافها وتطلعاتها ، صادقا على الدوام معها ..، وعلى هذا بقي لآخر رمق من حياته .
لقد قال عبد الناصر يوما : (( لقد أعطتني هذه الأمة من تأييدها ما لم يكن يخطر بأحلامي .. وليس عندي ما أعطيه غير كل قطرة من دمي ..)) .. نشهد الله تعالى على انك يا ناصرنا قد أعطيت بجود غير معهود وغير مسبوق معا كل قطرة من دمك الطاهر من اجل حرية هذه الأمة التي كرمها الله ورفعتها وكرامتها ، فكان حقيقا على شعبها العظيم من مشرق وطنها الكبير وحتى مغربه إن يبايعك مادمت حيا قائدا وزعيما له وأنى جاءت الأقدار ، وكان حقيقا عليه بعد إن توفاك الباري إليه إن يحملك جيلا بعد جيل نبعا للحب وسط القلوب ..، ففي هذه الدنيا قلوبنا وحدها من تليق مكانا يحتضن فارس امتنا وابنها البار وزعيمها المغوار جمال عبد الناصر .. ورحمك الله يا قائدنا العظيم ، والهم أمتك الثكلى بخسارتك الصبر والسلوان .

العراق المحتل في 27/9/2008

الثلاثاء، 2 سبتمبر 2008

كذبةٌ أسمها ((المصالحة الوطنية)) ..

نشر موقع إذاعة سوا وعلى الرابط
http://www.radiosawa.com/article_pop.aspx?id=1673199
خبرا جاء فيه : ((اختتمت في العاصمة اللبنانية بيروت الاثنين أعمال مؤتمر للمصالحة بمشاركة رجال دين عراقيين بارزين من الشيعة والسنة ناقشوا على مدى يومين سبل وضع حدٍّ لأعمال العنف في بلدهم . وأشار القس اندرو وايت مدير مؤسسة الإغاثة والمصالحة في الشرق الأوسط الجهة المنظمة للمؤتمر إلى أن من أبرز المشاركين الشيخ أحمد الكبيسي والشيخ عبد اللطيف هميم رئيس جمعية علماء ومثقفي العراق، إضافة إلى أحد وكلاء المرجع السيستاني ومستشار رئيس الوزراء نوري المالكي للشؤون الدينية. وأضاف القس وايت الذي يعرف بأسقف بغداد الانجليكاني كونه المسؤول عن كنيسة سان جورج الانجليكانية في بغداد: " لقد عقد كبار رجال الدين العراقيين من السنة والشيعة اجتماعات مهمة للغاية، وخرجوا بنتيجتين أساسيتين: الأولى هي اعتراف الجانبين بأن الوضع الأمني في العراق قد تغير بصورة لافتة مؤخراً، والثانية هي شجبهم الواضح للعمليات الإرهابية وأعمال العنف، ومن بينها الهجمات الانتحارية. لقد وضع الجانبان وثيقة أو نوعا من فتوى تحرم العنف في العراق")) . انتهى الخبر .
وعلى الرغم من إن ما يسمونها ((المصالحة الوطنية)) تشكل ، ومنذ بضع سنين ، محورا أساسيا في المشروع السياسي للمحتلين الأمريكان المتداول تحت عنوان ((العملية السياسية)) ، وتحتل موقع الصدارة شبه الدائم في أغلب تصريحات سياسييهم ودبلوماسييهم وقادة قطعانهم ، ويجترها على الدوام سائر عملائهم فيما يعلنون عنه من فتاوى ومشاريع رنانة وما يذيعونه من بيانات وخطب طنانة ..، فأن مما هو ملاحظ ابتداءا إن هذا الخبر لم يحظى بذات التغطية الإعلامية التي سبق وحظيت بها أخبار مماثلة حول ذات موضوعه . ففيما دأبت على نشر الإخبار المماثلة له والترويج لها عشرات الفضائيات والإذاعات والصحف ومواقع لا حصر لها على الشبكة العنكبوتية ، وخصوصا ما كان منها تابعا للمحتلين وعملائهم أو مواليا لهم مرتزقا على فتات فضلات موائدهم ..، لم تتطرق لهذا الخبر ، لا من قريب ولا حتى من بعيد ، أية وسيلة إعلامية ، ولم تطبل له أبواق دعاية المحتلين وعملائهم ، ولم تتراقص له الأقلام المنافقة المأجورة ، باستثناء المصدر المشار إليه أعلاه وثلاثة مواقع أخرى على الشبكة العنكبوتية (أحدها موقع جماعة علماء ومثقفي العراق والتي شارك أمينها العام وشخصيات أخرى منها في أعمال ذلك المؤتمر) .
ترى أتؤشر هذه الملاحظة مسلكا جديدا في تعامل المحتلين مع اللاهثين وراء عمليتهم السياسية ، المستدرجين لحضيض مشاريعها ؟ .. أم أنها تجسد الخطوة الأولى في توجه ينحى إليه المحتلون ويقضي بإسقاط هذه الورقة من لعبتهم السياسية ، أو على الأقل تحجيم دورها ، بعدما استنفذت الإغراض المتوخاة منها ، وكما سبق لهم وفعلوها ، بل واعتادوا على فعلها ، في غير مكان وغير زمان .. وما ورقة ((مجالس الصحوات)) عن مثل هذا المنحى ببعيد ؟ ..
على أية حال ، سنكتفي بطرح هذين السؤالين بعدما اشرنا إلى الملاحظة السابقة عليهما ودون الإسهاب تحليلا أو تقييما لما يقف وراءها من دوافع وأجندات ، أو ما يثور بعدهما من أسئلة أخرى ، تاركين لقادم الأيام الكشف عن كل ذلك .
ونحسب انه لن يختلف اثنان على أن الدعوة إلى ((المصالحة الوطنية)) في مجتمع ما تفترض التسليم أولا بأن ثمة نزاعا قائما أو صراعا حالا ، أو على الأقل خلافا حادا وظاهرا ، بين مكونات ذلك المجتمع . كما وتفترض التسليم ثانيا بوجود مبررات موضوعية لذلك النزاع القائم أو الصراع الحال أو الخلاف الحاد الظاهر . اعني إن يكون ثمة ما هو مختلف عليه موضوعيا بين مكونات المجتمع الواحد حول وجود أو ماهية أو أولوية ما يواجهونه من مشكلات اجتماعية في زمان معين . وبدون هاتين المسلمتين تصبح الدعوة إلى ((المصالحة الوطنية)) مجرد شعار فارغ من أي مضمون . هذا إن لم تكن شعارا مضللا يخفي الداعون إليه من وراءه غايات أخر .
وإذا كنا لا ننكر وجود صراع مستعر وعنيف على امتدادات ساحة عراقنا المحتل ..، صراع دفع فيه شعبنا الصابر طيلة أكثر من خمس سنين ماضية ، ولم يزل يدفع حتى يومنا هذا ، أغلى التضحيات من زكي دماء أبناءه ، وعفيف أعراض حرائره ، وعزيز كرامة إنسانيته ، كما ودفع أيضا أفدح الخسائر من هنيء استقراره ، وغالي ممتلكاته وخيراته ، وفرص تطوره وتقدمه ..، إلا إن ما هو مستقر حقيقة راسخة في وعينا وضمائرنا إن هذا الصراع ليس قائما فيما بين مكونات شعبنا الواحد . فشعبنا الصابر بكل مكوناته يقف طرفا فيه في مواجهة حشر من محتلي أرضه ومنتهكي سيادته الغاصبين لاستقلاله المغتصبين لحريته المعتدين على وجوده ووحدته وكرامته ، ومن ربيبي الخيانة وصنيعة العمالة نبت الحرام وحصاده . أنه صراع الوجود والحرية والكرامة بين شعبنا الصابر بكل مكوناته وبين جلاديه المحتلين وعملائهم الموغلين معا بالعدوان عليه وإيذاءه وظلمه . أنها حقيقة لا يملك إنكارها أو التغاضي عن إدراكها كل ذي عقل لبيب . وهذا من ناحية .
من ناحية أخرى فأن ما يؤجج هذا الصراع ويزيد على الدوام من سعيره هو وجود المحتل وتفاقم جرائمه وشراسة عدوانيته ، وليس ما أعتاد إن يلوكوه كالبهائم خونة عراق العروبة وعملاء محتليه ومن تحلق حولهم واقتات من سحت علائقهم عن ((المظلومية التاريخية)) أو ((الصراعات الدينية والمذهبية)) أو ((التناحرات العرقية)) .. إلى ما سواها من مصطلحات خائبة أبدعتها لهم قريحة سائسيهم المحتلين وكانوا لها من المروجين . فحقيقة الأمر أنه كما لا يمكن إن توجد على وجه هذه البسيطة دولة واحدة تصطبغ بشرة سائر أبناء شعبها بلون واحد ، أو تتوحد جميع ألسنتهم على لغة واحدة ، أو تجتمع كل قلوبهم وعقولهم على أدراك واحد وفهم موحد ..، فأنه لم يوجد فيما نعرفه من تاريخ الدول ، سواء ما كان منها قائما أو منقرضا ، شعب بعينه ينحدر من أصل عرقي واحد ، أو يتدين بمعتقد ديني واحد ، أو ينتهج مذهب فقهي واحد . وليس شعبنا العراقي العربي بشاذ عن هذه الحقيقة الاجتماعية الإنسانية . ولن نغالي أبدا حين نقرر إن التنوع العرقي والتعدد الديني والمذهبي في مجتمعنا ، كانا على مر تاريخه وما يزالا ، من أهم مصادر قوته وتماسكه وغناه . وان شعبنا بجميع مكوناته لم يضق يوما بهذا التنوع الباهر ولا بذاك التعدد المبهر ، ولم يتوقف يوما ومنذ فجر تاريخه المجيد عن توظيف هاتين الميزتين أثراءا متميزا وخلقا متفوقا في بناءه الحضاري الشامخ ..، إنما ضاق دائما بجميع البدع التي تظهر تنوع مكوناته العرقي على أنها نوعية متميزة أو ممتازة في العرق ، وضاق أبدا بجميع الضلالات التي تصور تعدد دياناته ومذاهبه على أنها تعداد مفاضلة فيما بين الأديان والمذاهب أو فيما بين المتعددين بأديانهم أو بمذاهبهم أو بإعدادهم . وأن هذا الشعب العظيم لم يزل يضيق بهؤلاء وهؤلاء حتى يومنا هذا ، فترى جميع مكوناته مجمعة ، برغم كل ما تكابده من جرائم المحتلين الغزاة وعدوانيتهم ، وبرغم كل ما تعانيه من سطوة وقسوة المتباهين بنوع عرقهم ، وبرغم كل ما تنوء به من غدر وفتك المتنطعين بوحدانية هدايتهم ..،على التمسك بوحدتها شعبا واحدا لوطن واحد ، رافضة بأبلغ صور الرفض جميع مشاريع تقسيمها في كانتونات عرقية أو تجزئتها على إقطاعيات دينية أو مذهبية ، مصرة في ذات الوقت على التميز بموقفها هذا عن سائر المنافقين المتزلفين لودها من المدعين وصلا بها أو الزاعمين تمثيلا لها أو المتوهمين زعامة عليها .
كذبة إذن ، واكبر كذبة ، ما يروج له المحتلون وعملائهم من دعوات ((المصالحة الوطنية)) ..، فهي ليست إلا محاولات زائفة وبائسة ويائسة لمد عمر احتلالهم لعراق العروبة من خلال السعي لإقناع مكونات شعبه الصابر العظيم بأن ما يحتويهم منذ خمس سنين مضين من صراع عنيف ومحتدم إنما هو قائم فيما بينهم كعراقيين ، وان منشئوه ما جبلوا عليه منذ آلاف السنين من تنوع أعراقهم وتعدد دياناتهم ومذاهبهم . وهي محاولات زائفة لأنها تختلق أطرافا للصراع القائم على امتداد ساحة عراق العروبة غير أطرافه الحقيقيين . وهي محاولات بائسة لأنها تتحايل على المبرر الموضوعي للصراع القائم فعلا فيما تروجه لترهاتها الخائبة كبديل عنه . وهي محاولات يائسة لان لجوء المحتلين إليها وتمسكهم بها يأتي بعد يقينهم من عجز آلتهم الحربية المدمرة الفتاكة عن تحقيق نصر استراتيجي منظور على مقاومة شعبنا الباسلة لهم ، ثم جاءت خسائرهم المتفاقمة في الأشخاص والمعدات والأموال نتيجة الضربات الموفقة لفصائل مقاومتنا الباسلة لتضعهم في مأزق حقيقي ولتحملهم حملا على تغيير أولويات الركائز الأساسية لإستراتيجيتهم ليقدموا جبرا على منهجهم العدواني عوامل الحل بمكر السياسة على عناصر الحسم بقوة السلاح .
فهل يتنبه اللاهثون وراء مشاريع المحتلين ممن لم نزل نتوسم الصدق في نواياهم والإخلاص في مواقفهم ما هم إليه ساعون ، فيتوقفون عن الانجرار وراء سراب المحتلين وأكاذيبهم ، ويحتفظون لذواتهم بما حفظته لهم ذاكرة شعبهم من تقدير وتبجيل ؟ .. أم تراهم سيكابرون ويحثون خطاهم فيما أركسوا به ليتجرعوا مرارة الندم حين ينبذهم شعبنا الصابر إلى صف خونة قضاياه المصيرية وذلك بعد إن يبلغوا مختارين قاع أوهام المحتلين وضلالاتهم ؟ .. ولآت حينَ مندمِ .

العراق المحتل
2/9/2008